الافتتاحية

عبودية لكل شيء

259-260

بقلم: مرتضى السيد حيدر شرف الدين

 

جعل الله الانقياد إليه عِلّةً لخلق الإنسان فقال تعالى:

” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”. (الذاريات، 56)

وجعل مؤهِّل الاصطفاء والتكريم من بين العباد هو التقيّد النظري والعملي بالتعاليم الإلهية، فقال تعالى:

“وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ “(الأنبياء،26-27)

وما ذلك إلا لأّنه تعالى خالق الخلق وموجدهم والعالم بما فيه صلاح أمرهم، فألزمهم بما لا يستقيم أمرهم إلا بفعله أو تركه، ونَدَبهم إلى فِعْل ما يحسُن بهم فعله وترْك ما يحسُن بهم تركه، وتَرَك لهم الخيار في غالب أمور حياتهم يأخذون منها بما يشاؤون، كل ذلك في إطار الأصلح لهم وفي انقياد مريح للعالِم بأسرار تكوينهم ودواخل نفوسهم.
ولكن هذا السير الإلهي للبشرية لم يكن محل قَبول الكثير من البشر على مرّ العصور، فرأوا فيه انتقاصاً من قدر عقولهم، وتقليصاً لمساحة حريتهم، فدعوا إلى التمرّد بصور مختلفة، وتحت عناوين متعدّدة، من الاستكبار عن الانقياد، إلى التنفّر من التحوّل عن الموروث، وصولاً إلى الدعوات المنتشرة اليوم إلى رفض التعبّد، وطلب التعليل الملموس لكلّ تشريع قبل الالتزام به، والتنفر من التقيد، والدعوة إلى ترك الحرية للفرد في الالتزام بما يراه مناسباً، كلّ ذلك تحت عنوانين براقَين: قداسة العقل، وقداسة الحرية.

فوُضِع الدين في دائرة النافل الكمالي إلى جانب الهوايات، وجُعِل حيّزه في وقت الفراغ، ولمن تدعوه نفسه إليه، وتم عزله كلياً عن تقنين الحياة، وحُصِر دوره بالوعظ العمومي الذي لا يرسم حدوداً ولا يحدّد مفاصل للأداء الإنساني، ووصل بالبعض إلى إلحاقه بالرياضات الروحية الاختيارية التي قد يحلو لشريحةٍ أن تسلك مسلكها في أوقات التخفف من ضغوط الحياة.

وارتفعت أصوات النكير على التوجيه والتنشئة الدينية، وإلزام الأهل لأطفالهم بواجباتهم الدينية في سن التكليف كالصلاة والصوم والحجاب، باعتبار أن هذا إلزام للطفل بعمل دون قناعة، وتقييد وخنق لحريته، حتى ابتلعت الموجة بعض دعاة الدين الضعفاء الذين يفتقرون إلى قوة الحجة وعلو الهمة وعمق الإيمان، فروّجوا لهذا المفهوم تحت عنوان عدم تنفير الطفل من الدين، ملوّحين بالآية الكريمة خارج سياقها: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”.

ولو كان هذا الأداء منسجماً مع شعاراته بحيث أخرج الإنسان من التقيّد والتعبد إلى طلب التعليل وتحكيم العقل في حياته لهان الخطب، ولكن المتأمل في حال المجتمع البشري في ظل هذه الثقافة، يرى أن هذا الشعار منحصر بالمجال الديني فقط، فالعقل حَكَمٌ ناقدٌ لتشريعاته وحدها، وحرية الخيار واقفة عند بابها، وحقوق المرأة والطفل مواجهة لها دون غيرها.

وفي سائر المجالات نرى الإنسان خاضعاً لسلسلة من التعبدات والعبوديات التي يسير في ركابها دونما سؤال عن التعليل؛ فالموضة تُقَلِّبها دُور الأزياء عاماً بعد عام لتجعل الحَسَن قبيحاً والقبيح حسناً والعكس بالعكس، والأجيال تلبس دونما إبداء رأي أو ثبات على ذوق، تحت شعار تعبّدي خالص: هذه هي الموضة.

وكم يحزّ في نفس المؤمن الذي كان يُستقبح هندامه مع اللحية المعتدلة ويواجَه بطلب دليل حرمة حلقها، بل تعليل تشريعه والحكمة والفائدة منه ،وهو يرى عبيد الموضة يطلقون لحاهم بتشكيلات مستهجنة وبطريقة مفرطة الطول وسط استحسان عام، ودون سؤال عن الحكمة في ذلك، ووجه الجمال والأناقة فيه.

والأنظمة تفرض أنماطاً مستحدثة من الحياة وتُلبسها عناوين علمية فينقاد الناس دون سؤال عن الدليل، مع كون بعضها يتنافى مع الطبيعة، وببابنا اليوم طرق الوقاية من جائحة كورونا وهي تتقلّب شهراً بعد شهر ببيانات مختلفة من المصادر الصحية، والناس تتبعها في مظاهرة أزياء متبدِّلة تثير ضحك المتأمل، فمرة بقفازات وكمامات، وأخرى بكمامات دون قفازات، وثالثة بتوقّي التنفس دون الأسطح، ورابعةً بالأسطح أيضاً، والناس تتبع ذلك دون تساؤل عن سبب التغيّر والتبدّل والتضارب بتعبّد يليق بالإيمان الغيبي أكثر من تطبيق توجيهات علمية.
ونرى بعض الأصوات في علم النفس تحكم بأن الحياة الجنسية الإنسانية ذات خيارين :مثلي ومتغاير. وتعلل ذلك بمشاهدات مزعومة لحالات حيوانية ، فتنادي الأصوات بحقوق المثليين بتعبّد تام لا استقصاء فيه، مع العلم أنّ الحياة الجنسية مجعولة في الطبيعة للتكاثر، ولا تكاثر في العلاقات الشاذة.

ونرى العالم ينعى على الإسلام تقييد المرأة بالحجاب ويرى فيه اعتداءً على حريتها في اختيار الزي، ولكنه لا يرى في منع فرنسا للمحجبة من ممارسة حياتها المهنية والعلمية ومنعها من حق اختيار الملبس أي انتقاص للحرية.
وفي مجال حقوق الطفل، يستنكر العالَم إلزام الأهل للطفل في سن التكليف بالحجاب والصلاة مع كونه غير مقتنع، ويرون فيه تعسفاً وظلماً له، ولا يبالون بحجة المتدينين بأنه إلزام له بما فيه صلاح أمر دينه وآخرته.
نفس هذا العالم يشرّع إلزاميّة التعليم ، بل ويدين الأهل إذا استجابوا لرغبة الطفل في عدم ارتياد الطفل للمدارس، مع أن هذا الطفل غير مقتنع بالذهاب إلى المدرسة، ووجه هذه الإدانة لديهم، أن الطفل ما زال قاصراً لا يعي مصلحته ، ووصاية الأهل عليه تحتّم عليهم إلزامه بما فيه صلاح أمره .

فما هو الفرق يا ترى بين الإلزامَين حتى كان أحدهما مداناً والثاني مطلوباً؟!

وتمادت بعد التشريعات في بعض الولايات الأمريكية والكندية حتى وصلت إلى صورة كاريكاتورية في (الشتاء والصيف تحت سقف واحد).

فتزويج القاصر تحت عمر ١٨ سنة جريمة يعاقِب عليها القانون وإن كانت القاصر راغبة بها، وتتوجه الإدانة فيها إلى الزوج والأهل الذين لم يمنعوا هذا الزواج.

بينما يحق للقاصر أن تدخل في علاقة وتتحذ خليلاً قبل هذا السن، ولا يحق للأهل منعها.

ولم يقف القانون عند هذا الحد، بل شرّع ( للقاصر الناضج) بالإجهاض، بل و تغيير الجنس، بدعم من الدولة ودون مراجعة الأهل، ولا يحق للأهل منعه من ذلك ؟!

ويا حبّذا لو يشرح لنا أحد هذا المصطلح!

فهل الزواج الذي يمكن أن ينهيه القاصر مع بلوغه الرشد بطلاق أخطر؟! أم تغيير الجنس الذي لا يمكن التراجع عنه وتصحيح نتائجه؟! والإجهاض الذي يشكل خطراً على حياة الفتاة؟!

هي مشاهد ترشد إلى نتيجة واحدة: إنّه الخروج عن عبودية الله للدخول في عبوديات متعدّدة لا نهاية لها، تتضافر لتشكّل عبوديّة واحدة:

“أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ”(يس،60-61)

إغلاق