من سير الأطهار/ أدب ملتزم

بضعة الحسين*

259-260

بقلم رجاء محمد بيطار

 

” لعمرك إنني لأحب داراً     تكون بها سكينة والرباب

أحبهما وأبذل جلّ مالي     وليس للائمٍ عندي عتاب”

 

… وتتبسّم في حيائها المعهود حالما أنشدها تلك الأبيات، التي حضرتني في تلك اللحظات، فأردت أن أخفف بها عن السيدات ما قد راح يتلبّد في أفق الذكرى من نكباتٍ مفجعات، وتتقدم نحونا في تلك اللحظة سيدةٌ أخرى، تمشي على استحياء، وتتدخّل فتقول، بصوتٍ أعذب من خرير الماء :

–  لله درّ أبي الحبيب، لقد كان شاعراً أيضاً، .. وكان يجمع المفاخر يناقض بعضها بعضاً، بطلٌ صنديد وزاهدٌ رقيق ودود، يجندل الفرسان ويبكي لجوع الجائع وظمإ العطشان، … ينتحب كالخاطئ بين يدي الرب الديان، وهو الكمال متجسّدًا في كيان…

– وأنتِ.. من أنتِ؟!…  بضعةٌ من الحسين، سيدةٌ لفّتها أطيافه، وفاحت من أعطافها أعطافه؟!..

وتنظر إلى أمها، تقبل نحوها تمسح بعض غمها، بل لعلّها تضيف همّها لِهمّها، ثم تنثني نحوي فجأةً تسألني، وكأنما لتؤكد شعوري وظني:

– من كان له أبٌ كالحسين، فكيف يكون يُتمه؟!

ويلاه.. لقد فاجأني السؤال، ورغم أنّ الفكرة لم تكن جديدة، ولكنها لما طرحتها سكينة العظيمة غدت عسيرةً على الرد، وها إنّني لا أجد في قاموس ألفاظي ما يناسب المعنى، بل إنّني لا أستطيع أن أحصر المعنى بأي مبنى، فأكتفي بالرد:

– لا يُتم كيُتمه!

وتهزّ رأسها، فتثبّت قولي بالدليل:

– ليس هذا فحسب، ففقدان الحنان والأبوة متجسّداً فيه، كان أصعب من الصعب، أمّا فقدان الإمامة والغرق في يمٍّ من التيه، فذاك أعمق أغوار الفقد، وأن يتلوها سبيٌ وأسرٌ ومهانةٌ وتشريد، .. فلا أظن أنّ هناك وصفٌ تكتبينه سيفي بالغرض!

أوافقها،.. إذ ليس الأمر محتاجاً للتفكير، فتلك سياط بني أمية قد لاحت، يشهرها جلاوزتهم فوق رؤوس الثكالى والأيتام، يخرسون بها كلّ أنّة، ويخنقون كلّ دمعة، ويطوفون بالنساء والأطفال على أجساد الشهداء المقطّعة شامتين، ويزرعون في صدورهم غصصاً لا يمكن ازدرادها وألماً لا يستكين … ثم يحملونهم على أقتاب المطايا الهزل إمعاناً في التنكيل والتعذيب والتوهين، فيتداخل جرح الفقد في طعنات الكرامة، فيتّسع ويزداد نزفاً، حتى يبقى أبد الدهر علامة…

أظن أنّ سكينة لم تعد تستطيع أن تتماسك أكثر، في الوقت الذي ينهش أعماقها الحنين إليه، حتى لكأن ذاك الحنين العذب كان سمّاً يفري الكبد والقلب..

وأنظر إلى معصميها، .. أرى آثار القيود لا تزال باديةً للعيان، لم يُفنها مرور الزمان..

على أنها تراها بغير العين التي أراها أنا بها، فهي تتجسّد لها وكأنما هي حادثةٌ الآن، ولذا فإنها تنطلق من صدرها نبرةً شجيةً عميقة، تخترق الدهور لتصل إلى الآذان، فتقول:

– تركناهم خلفنا على الرمال صرعى مقطّعي الأوصال، .. لم يفاجئني ذاك، فرغم أنّها كانت سابقةً لم يُعلم مثلها في الإسلام، أن يُترَك ميّتٌ في العراء بلا غسل وأكفان، غير أنّ القوم لم يكونوا من بني الإنسان، ولذا فهم لم يجدوا بأساً في التشفّي بعترة النبي العدنان، ولم يكفهم القتل والتمثيل، ولم يشفِ صدورهم من بني حيدر والبتول ذاك الدم الطاهر الذي سال كلّ مسيل، فكان تركهم لهم أصدق برهان على لؤمهم وجبنهم، .. ولعلّهم خافوا دفنهم، خشية أن ينهال عليهم التراب قبلهم .. ولعمري فهم لم يهربوا إلى أي مكان، إذ لم يلبثوا أن دفنتهم آثامهم في حفر النيران في الدنيا قبل الآخرة، على يد أحرار ذلك الزمان..

ومضينا نشقّ الدرب بين الصافنات..

مضينا وفي الخطو قيودٌ تنثر الخطو على رمل الفلاة…

وصرخنا، وأعولنا… ولكن لم يكن عويلنا ليعيد لنا ما فات…

رباه، لشدّ ما كان المصاب أليماً علينا، ففقد الوالد يهدّ الركن ويفتّ الساعد، فكيف إن كان الوالد هو ركن الإسلام وساعد الإيمان؟!.. لعمري، فقد كبونا، وما عدنا نحتمل كل تلك المواجد..

… وأقولها كما قالتها العذراء يوما: يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسيا..

ولكن.. شاء الله أن لا أموت آنذاك، بل أن أحمل المشعل السامق، لأنير دروباً إلى كربلاء.. وأترسّم خطو عمتي الحوراء، ويطول بي العمر حتى أشهد مصارع الأتقياء، من رجحت بهم كفة الشهداء فوق ما كانت رجحت، فلم تكن كربلاء وحدها نصيبي من البلاء، بل كانت القمة، وكانت هي الخطوة الأولى نحو تلك المهمة.

خفضت بصري عن شعاعها الوضّاء، وطافت بمخيّلتي أصداءٌ وأصداء، لذلك الخبر الذي نقله بعضهم .. عن مجلسٍ لسكينة بنت الحسين بالمدينة، يضمّ الشعراء والأدباء ومن لفّ لفّهم، فيتبارون فيه بإلقاء القريض جهدَهم.. وقبل أن أترجم خاطرتي إلى فكرةٍ واضحة، التفتت إليّ بنت الحسين بنظرةٍ ناصحة، وهتفت:

– وهل يُعقل أن تجالس المصون سيدة الخدر، أهل الأدب والشعر، حتى يفتري لها المدّعون مجلساً؟!.. بل إنّني آمنة بنت الحسين، من دعتها أمها لشدة هدوئها وعمق سكونها بسكينة، وأمّن الحسين السبط على تلك التسمية الأمينة.. كلا يا أخية.. فأنا لم أتنازل عن خدري في كربلاء ولا فعلت بعد ذلك ولا قبله، وما كنت إلا وريثة الزهراء والحوراء، ولم يكن بيتي للمؤمنين والمؤمنات، القاصدين حرم الحسين والقاصدات، إلا قِبلة، ويكفيني ردّاً على كلّ افتراء وتهمة، شهادة أبي الحبيب بحقي لما سئل عني فأجاب:

” أما سكينة، فغالبٌ عليها الاستغراق مع الله تعالى”

روحي فدى روحك يا أبتاه، فلقد طالما غلب عليّ ذاك الاستغراق، وزادني ولهًا لذكراك، حتى لم أعد أرى في الكون قبلك ولا بعدك سواك…


*(مقتطفة بتصرّف من كتاب “قاب قوسين أو أدنى من الحسين”)

إغلاق