قضية ورأي

المجتمع الإيماني: بين الثقافة الإلهية والثقافة الهجينة

259-260

 

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

الثقافة الهجينة تهدم المجتمع لتعارضها مع أسُسه، فلا يعود بنيانه  منسجماً كمن يبني سداً إسمنتياً برمال فيها ملح، فإنّ حديد السد يصدأ مع مرور الزمن بتأثير الملح فيتآكل فينهدم السد لأنه يحتوي على متضادات.
فلا بد من انسجام المباني الفكرية للأمة ,في سياق فكري مناسب لقوانين الحياة، فالفكر الذي يعارض قوانين الحياة سيهدم بنيانها بعد مدّة، ولهذا نرى العقلاء يقيسون صحة الفكرة بمدى موافقته للحياة ،فالأفكار الفلسفية في تصوراتها تظهر للإنسان برّاقةً توحي بالصواب ،ولكنها تسقط مع مرور الزمن، عندما يُظهر الواقع زيفها .

وكذلك الثقافة الهجينة لا يمكن لها أن تستمر، فالإنسان مركّب من روح وجسد، ولا يمكن أن اعتبارهما مستقلّين في عرض واحد، فلا بد من كون أحدهما تابعاً والآخر أصيلاً، وعند حصول التزاحم بينهما فلا بد من تقديم الأصيل.
خاصةً إذا كان هذا الأصيل قوام الحياة، بل كان مرتبطاً بالغرض من الخلق. فالروح ترتقي بالعبادة لله وطاعته والرضى بقضائه.

قالَ تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”، وقوله: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ”(سورة البقرة:21)، فهذه الآيات تدل على أن الغرض من الخلق عبادة الله تعالى، والتي تتحقق بطاعة الله جل جلاله وليس بعمارة الدنيا، فالله يحاسب الناس على طاعتهم ومعصيتهم.

نعم إذا عمل في الدنيا طاعةً لله فهذا مطلوب ،ولكن هذا هو عين جعل الدنيا وسيلةً للأخرة، فالعبرة بالطاعة، فالفعل إذا صدق عليه أنه طاعة كان حسناً، وإلا كان في الغالب معصية.

فالثواب يكون على الطاعة ،وليس على عمارة الدنيا، والعقاب يكون على المعصية.

فقد جاء في القران الكريم:” فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ “(سورة الزلزلة:7-8)
“فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ” (سورة الذاريات:60)، العبادة تدور مدار الروح، كما قال الأمير (عليه السلام):”اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة، ظاهراً مشهوراً، أو مستتراً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وأين أولئك؟ والله الأقلون عدداً الأعظمون خطراً، بهم يحفظ الله حججه حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الأمور، فباشروا أرواح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الاعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه. آه آه شوقاً إلى رؤيتهم، واستغفر الله لي ولكم.” ( الطوسي؛ الأمالي؛ ص٢١).
ففي قوله: “صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الاعلى” دلالة واضحة على أنّ الدنيا لا قيمة لها عندهم، ولهذا صحبوها بالأبدان، ولكن القلوب والارواح معلقة بالملأ الأعلى، ولهذا طلّق أمير المؤمنين (عليه السلام) الدنيا ثلاثاً.

فالجسد هو محل جذب الانسان لغالب شهوات الدنيا ،والدنيا تُجسَّد بالمادة في أبرز صورها التي تُرى بالعين، والاخرة تجسَّد بالغيب الذي تتيقن فيه الروح والنفس ويطمئن لها القلب فينشرح الصدر وتسكن النفس وتتعلق الروح بالملأ الأعلى، وهذا الصراع بين الروح والمادة يترجَم في حياة الإنسان ،فالشهوات النابعة من الجسد تدعوه لمعصية الله تعالى.

الصراع

إنّ الإنسان يحمل جذور كلٍّ من الاتجاهين، وعليه أن يختار أحدهما: إمّا المادة أو الروح التي يصل بها الى القرب الإلهي. فهو منذ الولادة  يلتذ بحليب أمه، ثم بالطعام واللعب، وذلك من عالم المادة والدنيا ،فهي تسكن في نفسه، لأنّه يشعر بها وبلذتها فتجرّه إليها، ولكنّ فطرته وروحه تدعوه إلى ربه العظيم، فلو شكّك بوجود الله اضطربت نفسه، وإذا سار بفطرته مع الله سكنت نفسه، ويشعر بهذا السكون، وإذا حاكم ربه بعقله القاصر فإنّه غالباً بدل أن يسلِّم له سيشكك به ،فهو كل يوم يُظهر له جهلاً كان يعتقده علماً في الأمور العادية، فكيف بغيرها؟ ولهذا تقرر في علم أصول الفقه أن حجيّة العقل محدودة وليست مطلقة .

أدرك الغرب هذا الانجذاب للمادة، وعلم أنّ الإنسان مادام يرى الدنيا دار فناء لن ينبهر بها فلا فلا يندفع ليتسلط على غيره، فكان لا بد من تغييب عالم الآخرة والغيب من جهة، وتعظيم عالم المادة في أنفس الأمم من جهة أخرى، حتى يستطيع أن يتحكم بها وبحركتها وتصبح هذه الأمم تُسيّر بالمادة التي يملك مفاتيحها، فتصبح أداة طيعة بيده.

ولهذا غَيّب عالم الغيب وشيّد عالم المادة، حتى صارت آثاره واضحة للعيان فصار العالم الغربي عالمَاً عظيماً في نظر الأمم، تنبهر به النفس وتعظّمه، ومن يجد في نفسه تعظيم المادة فسيكون طائعاً لها.

وسيلة التحكم

تحكّم الغرب بثقافة الفرد بواسطة نشر ثقافته المادية عبر التلفاز والمدرسةو الإعلام العالمي وبثّ أفكاره بتصوير أنّها أساسية للحياة، فزرع في الأنفس أنّ عظمة الدولة تكمن في مدنيتها كالعمارة والأسواق والاختراعات والأسلحة وجمال المدن والفن واللباس وغيرها. وحيث استطاع أن يبني عظمة المادة في الأنفس جعلها هي معيار الرقي والحضارة ، وعلى هذا الأساس قسموا الدول إلى ثلاثة عوالم.

وعندما تُزرع هذه الرؤية في الأنفس فإن القلوب تتشرّبها، فإذا سيطرت هذه الفكرة على الأمة انصاعت للغرب، لأنّها ترى عوامل العظمة متوفرة  في الغرب، ومن عظّم شيئاً وانبهر به اتبعه اتباع الأعمى للبصير، فلا تبقى لديه ثقة بأفكاره ولا آرائه ولا تجربته، إلا إذا أقرّ به متبوعه، ولهذا ترى أن كلّ ذي فكرة في الشرق إذا أراد أن يثبّت صوابيّتها استشهد بكلام الغرب وكأنه ميزان الحق والباطل ،فأصبحت الأمم تقلد الغرب في اللباس والكلام وتبنّي الحيوانات والتفلت من قيود الحياء وعدم احترام الكبار.

كما أنّ الأمم لما أصبحت غاياتها مادية أصابها الحرص، وأصبح همها يدور مدار حاجاتها فذهبت النخوة لمساعدة الاخرين وتلاشت قيم الرحمة والتضحية والإيثار حتى لأجل الإخوة بل حتى الأولاد، إذ كلما انغمس الإنسان في المادة ذهبت إنسانيته وليس دينه فقط. وسيبقى هذا الانصياع للغرب مسيطراً على الأمم ما دامت هذه العظمة ساكنة في القلوب والأنفس .

التديّن المادي

مشكلة بعض المتدينين أنّهم مع إقرارهم بوجود الله تعالى، ولكن عظمة المادة كانت قد سبقت إلى نفوسهم، فهو يحب الدين ويريد أن يثبت عظمته، ولكنه فعلاً يرى العظمة في الماديات. لذا تراه يترجم تعظيمه للمادة في دفاعه عن الدين فيحاول أن يثبت للدين والمتدينين تشييد المدن واختراع كثيرٍ من الآلات، ووضع أسس العلوم المادية، لأجل إثبات عظمة الدين بإثبات ذلك.

ويجترح للأحكام فوائد مادية وعللاً ملموسة لتصبح محل قبول المجتمع، ما يؤدي إلى شكه في كل حكم لا يجد له علة، فيبني دينه على معرفة العلة المادية وليس العبودية لله تعالى. فتقع الكارثة العظمى باختلاق إسلام هجين يقف في منطلقاته وأهدافه عند المادة ولا يتعداها.

وتصبح المادة مقياساً عاماً ضابطاً لكلّ جوانب الحياة، فيقيم نجاح وتقدّم الدول الإسلامية بمقدار ازدهارها الاقتصادي، وما هي إلا الرؤية التي زرعها الغرب في نفسه، وهي ما جعله يرى رقي الغرب وحضارته المادية ولا يرى سقوطه إنسانياً من خلال الانحلال الأخلاقي وشياع شرب الخمر وتفكك العائلة وطغيان الرأسمالية العمياء وقتل الشعوب وظلمها. وهذا نتيجة الانبهار الذي يسلب الإنسان القدرة على رؤية ما ينافي انبهاره.

في حين أنّه لا يشاهد عظمة الله في خلقه، ولو التفت وعظّم الله فكرياً فإنّه لا يصغِّر الدنيا والمادة أمام ما عظّمه، لأنّ تعظيمه لله فكري وتعظيمه للمادة نفسي، والنفس حاكمة، فلا يمكن التحرر مما تملّكها إلا بالمجاهدة.

ولهذا ترى الكثير من المثقفين يريدون أن يعدّلوا  الدين حتى يرضى عنه الغرب، لأنّ عظمة الحضارة الغربية قد سكنت نفوسهم. ولو سكنت عظمة الله في قلوبهم لكان همهم رضى الله وإن غضب الناس عليهم.

يقول الشاعر: وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

هذه المعادلة رسمها أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: “عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم”. فعظمة الله إذا سكنت الأنفس صارت محل إرادة الله تعالى ،فهو يرى الله بقلبه بتجليه بآياته في سمائه وأرضه (فصغر ما دونه في أعينهم).

فإنّ الإنسان إذا رأى عظمة المادة والدنيا بالعين وشعر بلذة الدنيا وجمالها وزينتها وعمران المدن وازدهارها ولمس وقوة المادة ولذتها بالطعام والشراب عندها تعظّمها نفسه. بينما لو شعر بقدرة الله حينما نظر بعينيه الى السماوات والأرض والجبال والخالق وتفكر واعتبر لشعر بعظمة الله تعالى في نفسه فصغرت الدنيا في عينيه وزالت عظمتها.

وهذا ما جسّده سحرة فرعون الذين عاشوا في ملكه وسلطانه ودعواه للربوبية، و لكنهم حينما رأوا معجزة موسى عليه السلام فأدركوها وشعروا بها، استصغروا فرعون لم يعودوا يهتمون بسلطانه وعذابه، رغم أن الغرب  إلى الآن يندهش من عجائب عمرانه. وكان همهم أن يعفو عنهم ربهم العظيم  لأنهم عظّموا الله في أنفسهم فصغُر فرعون وملكه وسلطانه في أعينهم. وهكذا ينبغي للمؤمن أن لا يعظّم المادة مهما علت، فهي مظاهر دنيا فانية لم يُخلق لعمارتها.

روى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قال: خَرَجَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) وَهُوَ مَحْزُونٌ، فَأَتَاهُ مَلَكٌ وَمَعَهُ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ يَقُول لَكَ رَبُّكَ :افْتَحْ وَ خُذْ مِنْهَا مَا شِئْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُنْقَصَ شَيْئاً عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ «1» وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ. فَقَالَ الْمَلِكُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً لَقَدْ سَمِعْتُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ مَلَكٍ يَقُولُهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ حِينَ أُعْطِيتُ الْمَفَاتِيحَ. (الكافي ط – الإسلامية، ج‏2، ص: 129)

فالنبي (صلى الله عليه واله) رسم لنا الطريق أن لا يكون الاهتمام بالدنيا الى درجة تصبح هي الشغل الشاغل للإنسان وتكون قيمة الانسان بدنياه. فينبغي للعاقل أن لا يجعل الدنيا همه، بل الاخرة، والدنيا مجرد وسيلة لها، فلا تعارض الاخرة أصلاً ، فيكون العمل لها بمقدار ما تقربك من الله تعالى .

وفيما زاد على ذلك اعتبرها الله وأنبياءه دار فناء ،وجيفة تلعقها الكلاب، وحية تلذع من يقترب منها. ولهذا لم يكن عمل الأنبياء عمارة الدنيا ،بل هداية الأفراد إلى أن يصبحوا عباداً مؤمنين. فالأنبياء هم من أخرجوا الأمم من ظلام الجهل إلى نور العلم. ولهذا نحن نقدس محمدا وآله (صلى الله عليه وآله) لأنهم دلونا على الله تعالى ودينه وضحوا كلّ شيء لأجل ذلك.

فالله في كتابه يذكر بالتقديس نبي الله موسى (عليه السلام) باني الدين والإيمان والإنسان المؤمن العابد لله، ويذم فرعون باني الأهرام والامبرطورية لعصيانه لله ولحبه لدنيا.

وكذلك نبي إبراهيم (عليه السلام) والنمرود الذي حكم الأرض لشدة جبروته، ودانيال ونبوخذ نصر.

والإمام الحسين (عليه السلام) أصبح نبراساً للأمم لأنه جسّد العبودية لله وكسر الظالمين، وأصبح عنواناً للمستضعفين في النصر على الظالمين عبر التاريخ.

فإذا كانت الدنيا لا يهتم لها عاقل، فكيف يمكن لمن بلغوا في تعظيمهم لها إلى حد تعظيم كل من يحوز منها نصيباً وافراً أن يعتبروا أنفسهم عقلاء، بل ينصّبوا أنفسهم نُخباً منقذة للأمة وسائرة بها في طريق الرُّقي؟!
خاصةً وأن تعظيم الدنيا يعني حبها، وحب الدنيا رأس كلّ خطيئة.

لذا لا يمكن لمن يعظم الدنيا أن يقيم الدين، ذلك أن الإنسان يجسّد في حياته ما يسكن في قلبه ويعظّم في نفسه . ولهذا ترى بعض حاملي الثقافة الغربية يريد أن يقيم الدين فيرسمه بريشة الدنيا،مايؤدي إلى مشهد هجين تنفر من تناقضه النفوس.

فعلينا أن نعظّم الله في أنفسنا برؤية جلاله وعظمته في الدنيا  ونستشعر ذلك، وقد سهّل الله علينا المسألة، فجعل العين قابلة لتكون نافذةً  لرؤية عظمة الله. لكن الانفس المتعلقة بالمادة الدنيوية لا تلتفت حقيقة لعظمة الله في سمائه وأرضه، ولذلك نراها تجعلها نافذةً  لرؤية الملذات المادية، والا لسقط تعظيم المادة من النفوس.

وسبب علقة العين بالمادة أنّ الأجساد والأنفس المتعلقة بالدنيا تأتي ملذاتها من المادة والدنيا، وليس من التفكر بخلق الله الذي تجلت فيه عظمته، بل لا ترى من الدنيا إلا الملذات، فلو نظر أحدهم إلى تفاحة فإنه لا يرى جميل صنع الله فيها، بل يفكر في لذتها وفائدتها لجسمه، ولا يلتفت لربه لأنّ قلبه قد تعلق بالدنيا.

في حين أنّه لو أسكن عظمة الله في قلبه لكان حاله معه، حال أم عجوز، لها ولد وحيد مسافر عنها، فلو أرسل لها تفاحاً، فكلما أكلت واحدة فاحت رائحة ولدها من التفاح، فلا ترى في التفاح، إلا ولدها.

كذلك فإن الإنسان لو ترك حبه لدنياه وتوجه بقلبه وروحه لله تعالى لذاب قلبه حباً لربه، لما في هذا الحب من قوة لا يضاهيه فيها حب “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِله”.( سورة البقرة:165).

ولنعم ما قال إمامنا زين العابدين (عليه السلام) في مناجاة المحبين:” إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بَدَلا، ومن ذا الذي أنِس بقربك فابتغى عنك حِوَلا”( الصحيفة السجادية الجامعة، ص٤١٣).

القدرة المادية تدعو للطغيان

يقول الله تعالى في كتابه العظيم:“أَلَـمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَـمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْـمِرْصَادِ”(سورة الفجر:6-14)

فمع أنّ الله تعالى وصف عمارتهم بأنّها لم يخلق مثلها في البلاد، إلا أنّه لم يمدحهم عليها، بل ذمّهم، واعتبر سِمَتهم الإفساد في البلاد.

وكذلك حال الحضارة الغربية، فهي عمّرت البلاد وأكثرت الفساد، فسيصب ربك عليهم سوط عذاب، ذلك أنّ القدرة المادية مع عدم معرفة النفس بضعفها وذلها، وعجزها عن الاحتماء من المرض والموت وغيرها من تقلّبات الأحوال.

فالإنسان إذا شعر بالقدرة الظاهرية، وغفل عن حقيقة نفسه، فإنّ ذلك سيجره إلى الطغيان غالباً، فكيف إذا كانت القدرة شديدة وبارزة، فهنا يصبح الإنسان جباراً ينحصر همّه في قهر الناس على لتنفيذ أوامره والانصياع لإرادته، بل إنّه في حال عدم وجود عقيدة تمنع إدعاءه الربوبية فإنه قد يدعيها، كما حصل مع النمرود وفرعون.
قال عزوجل:“أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” (سورة البقرة:258) فهو حين رأى أنه قادرٌ على قتل من يريد، فظن أنه يحيي ويميت، وهذه علامة الربوبية، ولم يرد النبي إبراهيم (عليه السلام) توضيح الشبهة له، حتى لا يدخل في جدال معه، إذ من الصعب أن يريه بطلان هذه الشبهة المستحكمة في نفسه، فجاء له بأمر لا يقدر عليه إلا الله جلّ جلاله فقال له: (فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) فهنا كشف له حقيقة عجزه وذلّه.

وهذا فرعون يستدل على ربوبيته بمظاهر القدرة والأبهة فيقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ”(الزخرف:51) فاعتبر ملك مصر وجريان نهرها بعظمته وتفرعه دليل على الربوبية.

فكان الرد الإلهي أن ما جعله دليلاً على ربوبيته أصبح دليلاً على عبوديته وذلّه فقال الله في كتابه: “وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ و كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ”(سورة يونس:90-92) فحينما حل بساحته الموت، ذلّت نفسه فأقرت بربوبية الله تعالى، فأصبح ما هو آية الربوبية آية للعبودية، فسبحانك ما أعظمك من إله يا الله!

الهدف المادي والهدف الإلهي

يقوم التفكير المادي على اعتبار الأداء المادي معياراً لنجاح الدول، فتراهم يقيّمونها من خلال الازدهار العمراني والتطور التقني، بل ويعتبرون هذه المعطيات هدفاً لإقامة الدولة.

فهمّ الأمم اليوم منحصر بالاقتصاد والسلاح وتأمين مستلزمات الحياة والرفاهية.

حتى انسحب الأمر إلى تقييم الدين بمدى عمرانه للبلاد ومساهمته في ازدهارها الاقتصادي والتقني.

فهؤلاء قدّموا الدنيا وباعوا الآخرة لأجلها، قال الله في محكم كتابه: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ” (سورة البقرة: 86) في حين أنّ الله يقيّم البشر بمقدار طاعتهم وتقواهم، ويريد لهم أن يعمروا أنفسهم بحب الله وأوليائه ودينه، وأن يكون نظرهم إلى الدنيا وعمارتهم لها ما هي وسيلة إلى الآخرة.

فليست قيمة العبد عند الله بما بني من قصور، وجمع من مال، بل بمقدار طاعته لله تعالى.

ولهذا مدح الله عباده المؤمنين، لا بمالهم وغناهم، بل بطاعتهم وتقواهم، حيث قال :“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (سورة الحجرات:13)

المصير القاتم

لو خيّر الإنسان العاقل بين وضع  يده في النار ساعة، أو السجن وأكل خبز الشعير والتمر لسنتين، فإنّه يختار الثاني بلا إشكال. فأيّ عقل لمن يختار المصير الحتمي لمن باع الآخرة الباقية، واشترى بها الدنيا المعدودة الأيام، ورضي أن يدخل ناراً ذات لهب خالداً فيها لأجل عمر لا يتجاوز السبعين عاما غالباً.

ورغم وضوح  هذا التفاوت وعدم التكافؤ فإنهم  اختاروا الدنيا وطمعوا بها واشتد حرصهم عليها فوصفهم الله في كتابه العظيم: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ” (سورة البقرة:96) وقد ترك الله  الدنيا لأهل الكفر والعصيان، ولكن ليس إكراماً لهم  بل خذلاناً، لأنهم اختاروا معصية الله تعالى لأجل تحصيل دنياهم .

 “وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ”(سورة آل عمران:178) ذلك أنّ حب الدنيا و طلبها لأجلها يلزم منه عصيان الله ورسوله فيستحق العبد العذاب، قال الله تعالى: “وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ” (سورة النساء:14) فهذا العطاء الإملائي لن يترتّب عليه إلا نعيم مؤقت، وبعد ذلك العذاب الذي لا مهرب منه.

“لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَـمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (سورة آل عمران:188) عندها سيُظهر الله لهم القيمة الحقيقية لهذه الدنيا في مقابل الآخرة: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(سورة آل عمران:91) فهو مستعد أن يفتدي نفسه بهذه الكمية من الذهب التي لا يمكن له تحصيلها لا هو ولا أهل الأرض، ولكنها لا تنفعه فالعذاب يحيط به .

شبهات

١-يظنّ البعض أنّ الدنيا التي المضلّة تقتصر على الشهوات والمعاصي، وإذا استحكمت هذه الشبهة في النفس، فسيمنع الناس أنفسهم عن المعاصي ويطلقونها على الملذات وهذا يعلق قلوبهم بها وحينها لا يستطيعون إيقافها، فالتعلق القلبي بالدنيا ولو من غير جهة المعاصي والشهوات يؤدي إلى الضلال والوقوع في المعاصي، كحب المال الذي يجلب الطمع، والطمع يجلب الحرص، والحرص يجلب عدم دفع الحقوق، وأكل مال الناس بالباطل.
وقد أشارت إلى هذا المعنى كثير من الروايات ، يقول الأمير (عليه السلام):” الدنيا كالحية لين ملمسها وفيها السم الناقع”. ورُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنهُ قَال: جَاءَ رَجُلٌ مُوسِرٌ (1)إِلَى رَسُولِ اللَّهِ( صلى الله عليه وآله)، نَقِيُّ الثَّوْبِ، فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)..

فَجَاءَ رَجُلٌ مُعْسِرٌ دَرِنُ الثَّوْبِ، فَجلَسَ إِلَى جَنْبِ الْمُوسِرِ، فَقَبَضَ الْمُوسِرُ ثِيَابَهُ مِنْ تَحْتِ فَخِذَيْهِ.

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله):” أَخِفْتَ أَنْ يَمَسَّكَ مِنْ فَقْرِهِ شَيْ‏ءٌ ” ؟!

قَالَ : لَا .

قَالَ : ” فَخِفْتَ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ غِنَاكَ شَيْ‏ءٌ ” ؟!

قَالَ : لَا .

قَالَ : ” فَخِفْتَ أَنْ يُوَسِّخَ ثِيَابَكَ ” ؟!

قَالَ : لَا.

قَالَ : ” فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ” ؟!

فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرِيناً يُزَيِّنُ لِي كُلَّ قَبِيحٍ، وَ يُقَبِّحُ لِي كُلَّ حَسَنٍ، وَ قَدْ جَعَلْتُ لَهُ نِصْفَ مَالِي .

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) لِلْمُعْسِرِ: ” أَتَقْبَلُ ” ؟

قَالَ : لَا.

فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : وَ لِمَ ؟!

قَالَ : أَخَافُ أَنْ يَدْخُلَنِي مَا دَخَلَكَ) ( الكافي؛ ج٢؛ ص٢٦٢).

ففي هذا الحديث الغني يرى لماله شأناً يجعله أفضل من الفقير، وذلك لأنّه يرى المال يرفع البشر فيجعلهم أفضل من غيرهم .

ورغم انتباهه لخطئه، فقد بقي للمال خصوصية في نفسه، ولهذا استغرب كيف لم يقبل المال منه،
فألفته الفقير إلى ضرر المال، وأنه يفسد الأنفس فيطغيها .

فأهل الله يرون الدنيا فانية فلا يقضون أعمارهم لأجلها وينسون ربهم بل يعملون فيها بما هي دار ممر وهذا ما فعله الأنبياء ،فلم يعمروا القصور ولم يسكنوها ولم يبنوا الدنيا بناء ينسي الآخرة.

٢-وهناك شبهة أخرى قد أعلمنا القرآن بها، وهي أنّ المنعَّم في الدنيا يرى لنفسه شأناً عند الله، وذلك نتيجة ما يعهده من سلاطينها الذين إذا أرادوا إكرام تابع لهم أعطوه مركزاً أو مالاً أو عقاراً . فهو يرى أنّ الله أعطاه مالاً أو مركزاً فيعتقد أن الله يحبه .والحقيقة أنّ الله يمتحن العبد بالرخاء كما يمتحنه بالبلاء، فالدنيا دار بلاء وليست دار جزاء حتى تجري عليها هذه الأحكام.

“فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ” (سورة الفجر:15-17) .نعم في الآخرة لا يدخل الجنة إلا مَن أكرمه الله، ولا يدخل النار إلا من خذله الله.

٣-لقد وصل عكوف الإنسان على المقاييس المادية في تقييمه للأمور إلى إسقاطها حتى على التدابير الإلهية في أعلى درجات الاصطفاء، قال تعالى:وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ “(سورة الزخرف:31).
فحتى الرسالة الإلهية عندهم لا تكون مقبولة حتى تنزل على رجل عظيم بنظر أهل الدنيا بجاهه وماله ،فهما محور تعظيم أهل الدنيا . وأمّا إذا نزلت على إنسان عادي ليس لديه وفرة من هذا الأمور فلا تكون مقبولة لديهم.

ولهذا قال فرعون لقومه: أنا العظيم لملك مصر وجريان الأنهار من تحتي وليس موسى (عليه السلام) المهين أنظروا اليه كيف هو وثيابه فلو كان عظيما كان يلبس الذهب أي المال فهو دليل العظمة وجاءت معه الملائكة وهذا دليل الجاه ؛ قال الله في كتابه:” وَنادى‏ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِيأ فَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ  فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ”(سورة الزخرف:51-53).

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة القاصعة:” ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون(عليهما السلام) على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزه فقال:”ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب  إعظاماً للذهب وجمعه، واحتقارا للصوف ولبسه. ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرض لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء، واضمحلت الأنباء، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين، ولا لزمت الأسماء معانيها. ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى  ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام، وملك تمتد نحوه أعناق الرجال، وتشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار وأبعد لهم في الاستكبار، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة. ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره والاستسلام لطاعته أمورا له خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة. وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل” ( نهج البلاغة؛ج ٢؛ ص١٤٤__١٤٦؛ خطبة ١٩٢).

أهمية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

لا قيمة ذاتية لإقامة الدولة في النهج الإلهي، بل هي مجرّد وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل تتوقف أهمية الدولة عليهما، فلولاهما لسقطت قيمة الدولة.

قال عبد الله بن العباس: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله؛ فقال لي: ما قيمة هذا النعل .

فقلت :لا قيمة لها.

فقال (عليه السلام): والله لهي أحب إلي من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً ( نهج البلاغة؛ ج١؛ص٨٠؛ خطبة ٣٣).

وبما أنّ غرض دولة الحق هو إقامة الحق ودفع الباطل، فإنها لا تقام إلا برجال الحق، وعليه تكون مهمة بناء الرجال متقدمةً على إقامة الدولة ،ولهذا فإن الله تعالى عندما يأذن بإقامة دولة الحق مع الامام المهدي (عليه السلام) فإنّها يقيّض لها رجال الحق الصالحين المؤمنين، وليس أياً كان من البشر.

وهنا تكمن حكمة اختبار أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنصاره عندما حثّوه على المطالبة بحقه، فأمرهم أن ياتوا محلّقين فلم يأتِ الا أربعة.

فكان ذلك كاشفاً عن عدم وجود رجال حق، ولذا لم يطالب علي بالخلافة. ولو كان غرضه إقامة الدولة بكل الطرق لكان أبقى معاوية على الشام حتى تستحكم خلافته ثم يزيله ولكنه قال:”وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً”.

أمّا في عصرنا هذا فقد أصبح بناء الدولة عند أبناء كل الأمم وأتباع كل الأديان أهم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فدخلت البشرية في المرحلة التي وصفتها رواية أبي حمزة الثمالي عن إمامنا الباقر (عليه السلام)، قَالَ: وَجَدْنَا فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا مِنْ بَعْدِي كَثُرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ وَإِذَا طُفِّفَ الْمِكْيَالُ وَالْمِيزَانُ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ وَالنَّقْصِ وَإِذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ مَنَعَتِ الْأَرْضُ بَرَكَتَهَا مِنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ كُلَّهَا وَإِذَا جَارُوا فِي الْأَحْكَامِ تَعَاوَنُوا عَلَى الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ وَإِذَا قَطَّعُوا الْأَرْحَامَ جُعِلَتِ الْأَمْوَالُ فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ وَإِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْأَخْيَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ فَيَدْعُوا خِيَارُهُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ. (الكافي -ط الإسلامية، ج‏2، ص: 374).

هذه عقوبة الدنيا، وقد ادخر الله لهم في الآخرة شراً منها:وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ”(سورة إبراهيم:42-43) ويبلغ الغضب الإلهي مبلغاً تصبح فيه النِّعم نِقماً.

” فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون” (سورة التوبة:55)

إغلاق