أسرة ومجتمع / صحة

الجائحة الجديدة … ملامحها و آثارها و نتائجها(ج 4)

259-260

الدكتور حسن يوسف حطيط*
آثار الجائحة الجديدة على الإقتصاد العالمي

ضربت الجائحة مفاصل الحياة العامة في كل أنحاء العالم وأرخت بظلالها القاتمة على إقتصاديات الدول الفقيرة والغنية وعلى جميع النظم الإقتصادية النامية والمتقدمة على السواء ولم تنج منها ومن آثارها الوخيمة أفضل الأنظمة والتكتلات الإقتصادية وأكثرها صلابةً وقوةً وتطوراً ومازالت الإحصاءات والتوقعات والتنبؤات تصدر بتردد وحذر حول ما يمكن أن يثبت من نتائج وآثار وتداعيات أصابت ومازالت تصيب وستصيب العالم على الصعد الإقتصادية كافة في الحاضر والمستقبل.

منذ البداية ومن دون سابق إنذار وبسرعة متنامية، ظهرت الآثار السلبية للجائحة على مصادر الدخل وعمليات الإنتاج والتجارة والصناعة والزراعة والسياحة والسفر والتسوق وغيرها من النشاطات الإقتصادية وتنوعت النتائج السلبية وتراكمت وتفاقمت في كلّ مجال من مجالات الحياة الإقتصادية وعند كلّ محطة من محطات الدورة الإقتصادية لجميع البلدان. ورغم محاولة البعض، في بداية الأمر، ممن يحملون صفة أصحاب النظم الإقتصادية الكبرى إيهام الآخرين من نظرائهم أو التابعين لهم على أن الجائحة مرّت عليهم بسلام أو من دون خسائر تذكر، عادوا بعد فترة وجيزة وتواضعوا وخضعوا للأمر الواقع واضطروا ومن دون تأخير إلى إظهار خساراتهم المتعددة شيئاً فشيئاً لكي لا يفقدوا مصداقيتهم أمام شعوبهم و أمام الآخرين بشكل كامل!

وفي هذا السياق، تشير التقديرات الأخيرة لمعظم المعاهد البحثية الكبرى إلى أنّ الاقتصاد العالمي قد تعرّض لخسارة المليارات من الدولارات في الفترة الماضية وهو معرض لخسارة أكثر من 4 ترليون دولار في المستقبل القريب بسبب الجائحة وانعكاس انتشار الفيروس على نشاطات الدول الإقتصادية ومعدلات النمو الاقتصادي وتسببه في انكماش الإستثمارات وانحسارها بشكل كبير في جميع المجالات وعلى جميع الصعد.

وقد يصعب حالياً وفي خِضم الجائحة وهيجانها وضع التصورات النهائية وإرساء التوقعات الجدّية حول الخسائر الحاصلة والمتوقعة وتحديدها وتأطيرها وحصرها في لائحة موحدة أو لوائح متعددة ولا يمكن لأيّ مراقب رصد ما يمكن أن يحدث من تفاقم حالي أو مستقبلي على صعيد الأضرار الإقتصادية الجمّة التي ألحقت (في الماضي القريب) وتلحق (في الواقع الحالي) وستلحق (في المستقبل القادم) بميزانيات الدول وأنظمتها وسياساتها وما لا يمكن حسبانه وتوقعه وتصوره من خسائر. لقد تبيّن أنً هناك أضراراً كبيرة أصابت قطاعات واسعة وأسساً راسخة وأنظمة حيوية ضمن مجالات الإقتصاد العالمي وأهمها حتى الآن:

أولاً: التراجع الكبير والحاد في عمليات الأسواق التجارية العالمية وتوقف حركتها في الكثير من الميادين والمجالات.

ثانياً: التراجع العظيم والشامل في معظم النشاطات السياحية العالمية بعد تقييد حركة السفر والنقل والتجول في الكثير من الأماكن.

ثالثاً: الازدياد الهائل وغير المسبوق في الإنفاق الصحي بشكل عام والإستشفائي والوقائي بشكل خاص للحدّ من انتشار الجائحة ومواجهة أضرارها ومعالجة آثارها.

رابعاً: توقف المصانع في الكثير من الدول الصناعية الكبيرة والصغيرة وإغلاق خطوط الإنتاج الصناعي للكثير من المنتجات والمواد.

خامساً: التباطؤ والركود في معظم المجالات الإنتاجية الزراعية في الدول والمجتمعات وعلى الصعد الفردية والجماعية والمؤسساتية.

سادساً: انهيار سعر النفط مع ما يحمله ذلك من قلق وتداعيات وأزمات للدول المنتجة.

سابعاً: تزايد الأزمات الناتجة عن تراكم الديون وسوء توزيع الدخل القومي وضعف العوائد التصديرية وارتفاع أسعار السلع.

ثامناً: التزايد الهائل في نسب البطالة إجراءات تقليص الوظائف وإنهاء الخدمات وتقليل نسب الرواتب والعلاوات.

تاسعاً: عدم القدرة الذاتية والمباشرة على تعويض الخسائر وتصحيح مكامن الخلل ووضع الحلول المرحلية لتخطي المخاطر ومنع الإنهيارات المتتالية.

عاشراً: انخفاض المستويات الإستهلاك العالمي بشكل عام وعلى جميع الصعد وازدياد سياسات وإجراءات التقشف والإحتراز والتقنين وتقليل النفقات إلى مستويات متدنية.

في المقابل، حصلت مفارقات عجيبة بالإتجاه المعاكس إذ تحسنت الظروف البيئية في الكثير من الأماكن والمدن والحواضر الإقتصادية والمجمعات السكنية والتجارية والزراعية والصناعية بسبب تراجع نسبة الإنبعاثات والأبخرة والغازات والمواد الكيميائية والنفايات السامة وتكاثرت على سبيل المثال الثروة السمكية في الكثير من الأنهر والبحار وتناقصت الإنتهاكات البيئية المعهودة في الغابات والأحراج والمحميات الطبيعية وتحسنت الظروف الحياتية والبيئية للكثير من أصناف الحيوانات البرّية أو المحمّية أو المهدّدة بالإنقراض.

لن يستطيع أحد من الخبراء، في وقتنا الحالي، التجروء على توقع ما الذي سيصيب عالمنا من خسائر مادية أو غير بشرية ولا يمكن لأحد من العاملين على رصد ومتابعة المؤشرات الإقتصادية على وضع تصور أو مخطط ما ولو تقريبي لما ستؤول إليه الأمور على المدى المنظور أو القريب مع استحالة ما ستكون عليه الأوضاع في المستقبل وذلك لأسباب عديد منها الإستمرار في ظهور “تحورات” جديدة في الجائحة وعدم القدرة على تحديد فعالية اللقاحات واليقين بتمكنها من إنهاء المشكلة بشكل سريع وفعال. وقد تظهر مفاعيل وآثار جديدة للجائحة لم تكن في موضع الحسبان وقد تتفاقم مشكلات محدودة وأزمات محصورة لتصبح كوارث شاملة قد تصيب الأنظمة الصحية لكثير من البلدان ممّا سيجلب الويلات على الحكومات وأجهزتها سياساتها وعلى الشعوب ومجتمعاتها وفئاتها على السواء وقد… وقد…

للبحث صلة


*طبيب إستشاري ورئيس شعبة أمراض الأنسجة في هيئة الصحة، حكومة دبي.

إغلاق