أخلاق

النفس البشرية : بين السير إلى الله، والرغبة في الدنيا

بقلم: الشيخ يحيى رسلان

منذ الصغر يأنس الإنسان بالمادة ويشعر بلذّتها، ولذلك فإنّ نفسه تتعلّق بها.

ولكن حرارةً تنبعث من روحه في نفسها لتشدّها نحو عالم الغيب.

هذه الحرارة هي باب السعي الأول نحو الله تعالى ،وهي رحمة من الله تعالى لعبده.

تنحصر أمنيات النفس في مرحلة الشباب بالوصول إلى ما دعت إليه تلك الحرارة فيذهل الشاب عن الدنيا، فالشباب شعلة من الجنون، وهذا الأمر يحفّزه للسير. ولكن هذا وحده لا يكفي لاندفاع السير، إذ كلّما توفرت في طريقه بواعث هذه الحرارة، كلّما كان سيره أفضل، وكان استمراره أضمن.

مع العلم أنّه حتى في هذه الحالة تبقى هناك عقبات تعترض السير، ليس هنا مقام استعراضها.

العقبات والصراع:

أمّا إذا سار في الطريق ،وكانت الطريق خالية من بواعث الحرارة فإن تلك الحرارة سرعان ما تبرد.

لكنّه لا يستطيع الرجوع غالباً إذا كان اعتقاده العقلي بأنّ هذا السير حق، وكانت مبادؤه قوية، ولكن هذا الإيمان عقلي الطابع  فلا يحفّزه للسير، ذلك أن الحرارة القلبية أمست ضعيفة.

في نفس الوقت تبدأ حرارة حب الدنيا الكامنة في القلب باستدراجه تدريجياً للسير باتجاه الدنيا، بدرجة تتفاوت بتفاوت نسبة حب الدنيا من جهة وقوة اعتقاده العقلي من جهة أخرى.

وقد يصل الأمر به إلى مرحلة يصبح تديّنه شكلاً بلا مضمون.

هذا الترك الشكلي لملذات الدنيا مع كمون حرارتها في القلب يجعلها تشتد بعد فترة، فيشتدّ الشوق لها، وهنا يظنّ أنّ إيمانه ضعُف.

والحقيقة أنّه لم يكن تاركاً للدنيا بداعي البغض، بل حرارة أنسته أنسَه بالدنيا فترة، فإذا ما بردت عاد ميله إليها، لأنّ الحب الكامن لها تحرك في نفسه بعد فترة وجيزة من الكُمون.

فتشتعل الميول القديمة من جديد وتشرع الدنيا باستدراجه إلى الخطأ عبر الخيال والخواطر وغيرهما فيغالب نفسه ليتركها وورغبته فيها متَّقدة، فيقوى الصراع .

فإذا ما استجاب واقترف الخطأ، تحركت القناعة العقلية عنده فأشعرته بالندم، فإذا ما كانت إلى جانبها حرارة إلهية اشتعل الندم في نفسه إلى جانب عقله.

وهذا يضعه أمام احتمالين:

إمّا أن يكون حبه للأمر المحظور شديداً فيمتنع عنه بالصبر مع توقه إليه لاستشعاره للذته، وذلك خضوعاً لله وإذعاناً لعبوديته له.

ومع استمرار هذا الامتناع تبدأ النفس بتصوير الأمر على أنّ الله تعالى يمنعه عن أمر محبوب، وبالتالي فإنّ أوامر الله خارج مصلحة العبد ورغبته، فلو كان يحبه فعلاً لما منعه عما يسره .

وإمّا أن يسعى العبد للتحرّر من حب المحظور، وبدأت حرارته في النفس تبرد تدريجياً فإنّ صورة اللذة تبدأ بالتضاؤل وصورة القبح تبدأ بالنشوء، ولكنّها تكون بادئ الأمر ضعيفة الأثر فيبقى الصراع قائماً لكون صورة القبح الباهتة لا تلغي صورة اللذة التي لم تفقد وضوحها بعد، وبالتالي فإن احتمال السقوط يبقى قائماً.

ولكن إذا منَّ الله على العبد فصبر وأكمل، فإن صورة القبح تبدأ بالاتضاح تدريجياً، ولكن هذا قد لا يلغي صورة اللذة إذا كانت قوية، فيبقى الصراع، لكن إدراك القبح يجعل فرص انتصار العقل على اللذة أقوى.

عوامل السقوط والنجاح:

إنّ حرارة اللذة في النفس تستعين على الصراع بعنصرين تستعملهما حسب الوضعية:

١-فإذا كان العمل المحظور ممّا سبق للعبد تجربته مراراً وذاق لذته، فإنها تستعين بعنصر العادة التي تقهر إرادة الإنسان، فالعادات قاهرات كما في الحديث عن الإمام الحسن (عليه السلام)[1]، إضافة إلى استذكار اللذة مع اعتماد عنصر التخييل لتضخيم ذكرى اللذة في النفس.

٢- وإذا لم يسبق له تجربته، فإنها تستعين بالفضول وحب التجربة مشفوعة بعنصر الخيال الذي يسبغ على اللذة ثوب المثالية الذي يجعل الشوق إليها آكد.

بين هذه العناصر وإدراك العبد للقبح يقع العبد في صراع بين الشوق إلى الدنيا والرغبة فيها، وبين العزم على تركه لقبحها.

كما حال الإنسان بين حب الرئاسة وخوف ضررها على نفسه، فإذا رأى نفوذ صاحب الرئاسة تمناها، فإذا التفت إلى ضررها دعا الله أن لا يبتليه.

قد يظن البعض أنّ هذه حالة اضطراب في الشخصية، وما هي إلا صراع بين العقل والهوى.

مَثله في ذلك مثل مريض السكري الذي يحب الحلويات، حيث يتنازعه صراع بين حبه لها الذي يدفعه لتناولها، وخوفه من الضرر الذي يحتّم عليه اجتنابها.

فإذا حافظ على تركها والامتناع عنها لفترة منَّ عليه الله تعالى بوضوح ارتسام قبحها في نفسه، وكلّما رسخ قبحها في نفسه ترسخ بغضها ،وبمقدار ذلك يتصل بعالم الغيب، لأنّ قلبه ترك توجهه إلى الدنيا، وخلا من ذكر لذتها ولم يعد يرى منها إلا ألمها وخطرها.

عندها يكون قد بلغ مراتب الحكمة العالية.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):” – أول الحكمة ترك اللذات وآخرها مقت الفانيات”[2].

فبداية الحكمة الاجتناب العملي لهذه اللذات مع كونها مرغوبة ومطلوبة للنفس التي ما زالت ترى فيها جنبة اللذة. فإذا ما صبر العبد على صراع هذه المرحلة زالت صورة جنبة اللذة من نفسه، لتحل محلها جنبة الفناء، فيتحول من الترك العملي للأمر من حيث هو لذيذ، إلى المقت النفسي له من حيث هو فانٍ، فيكون قد بلغ مرتبة الحكمة.

ولا يمكنه أن يصمد في هذا الصراع إلا بنصر إلهي، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح: “وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان، فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان”[3].

ومن هنا كانت الحكمة موهبة إلهية تُعدُّ من أرقى مواهب الله تعالى، ذلك أنه ببلوغ نهايتها تصبح المعركة مع النفس والشيطان هينة ومحسومة لصالح الإنسان لترسخ الحرارة الإلهية في النفس، واضمحلال حرارة حب الدنيا، واستبدالها بالتوجس منها والمقت لمظاهرها.

قال عزّ من قائل:” يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”(البقرة: ٢٦٩).


[1] ورام بن أبي فراس؛ تنبيه الخواطر؛ ج٢؛ ص١١٣.

[2] الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص ١٢٠.

[3] المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج٨٤؛ ص٣٤٠.

إغلاق