أحيوا أمرنا

دلائل الإعجاز  الخُلُقي في حياة النبي صلى الله عليه وآله

259-260

بقلم سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ الوحيد الخراساني “دام ظله”

في السطور التالية نستضئ ببعض الأضواء الوهاجة من شمس حياة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله  الساطعة، التي هي بذاتها دليل على رسالته ونبوته (صلى الله عليه وآله وسلم).

عندما أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته، خافت قبائل قريش أن يطيعه الناس، فبادروا إلى التهديد والتطميع ، وجاؤوا وفدا إلى عمه أبي طالب وقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شبابنا ، وفرق جماعتنا، فإن كان يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالاُ فيكون أكثر قريش مالاُ، ونزوجه أية امرأة شاء من قريش، حتى وعدوه بالملك والسلطنة .

فكان جوابه (صلى الله عليه وآله وسلم):” لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته.”[1].

ولما رأوا أن التطميع لم يؤثر فيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه ماض في أمره غير عابئ بتطميعهم، عمدوا إلى التهديد والإيذاء، ومن نماذج ذلك: أنهم كانوا عندما كان يقف النبي للصلاة في المسجد الحرام يرسلون أربعة من بني عبد الدار القادة العسكريين لقريش، اثنين إلى يمينه يصفران، واثنين إلى يساره يصفقان بأيديهما ليؤذياه بذلك ويشوشا عليه صلاته ![2].

وذات يوم وهو في طريقه إلى المسجد رموا على رأسه التراب، أو هو ساجد فطرحوا عليه رحم شاة، فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه، فرفعته عنه ومسحته ![3].

وبعد وفاة عمه وناصره أبي طالب، اشتد البلاء وزاد أذى قريش له، ففي تلك الظروف الخطيرة قصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبيلة ثقيف بالطائف وعرض عليهم أن يحموه حتى يبلغ رسالة ربه، ولكنهم أبوا ذلك، واستهزأوا به، ووجهوا عليه سفهاءهم وغلمانهم، فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم) بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، حتى أدموا رجليه، فخلص منهم وهما يسيلان دما ، فعمد فجاء إلى حائط من حيطانهم، فاستظل في ظل نخلة منه وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دماً، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس معه عنب وهو نصراني من أهل نينوى، فلما جاءه قال له رسول الله : من أي أرض أنت ؟

قال : من أهل نينوى .

قال : من مدينة العبد الصالح يونس بن متى ؟

فقال له عداس : وما يدريك من يونس بن متى ؟

فقال : أنا رسول الله ، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى .

فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس خرّ عداس ساجداً لله، ومعظما لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان بالدماء[4].

وقد آذوا أصحابه بأنواع الأذى، فمنها أنّهم كانوا يطرحون بلالا تحت حرارة الشمس، ويضعون على صدره حجراً ثقيلاً ويطلبون منه أن يكفر، فكان يردِّد: أحد أحد [5]!.

وعذبوا سمية أم عمار العجوز لكي ترجع عن دينها وتكفر، فلم تفعل فقتلوها ![6].

ومع كلّ هذا الأذى، ففي بعض الظروف طلب منه بعض أصحابه أن يدعو على قومه فقال ” إنّما بعثت رحمة للعالمين ” [7]وكان يدعو لقومه ” اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون “[8]! فكان يريد لهم من الله الرحمة بدل العذاب، رحمة لا يتصور فوقها رحمة، وهي نعمة الهداية، وأضاف القوم إلى نفسه بقوله: ” قومي ” ليصونهم بذلك من عذاب الله ، ويكون شافعا لهم عنده بدلا من أن يشكوهم إليه، ويعتذر لهم بأنهم لا يعلمون.

وكانت معيشته (صلى الله عليه وآله وسلم) الزهد والتقشّف، فكان طعامه خبز الشعير، وما كان يأكل منه بقدر الشبع [9] .

وقد جاءت إليه الصديقة الكبرى – في غزوة الخندق – ومعها كسيرة من خبز، فدفعتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما هذه الكسيرة ؟

قالت: قرصاً خبزتها للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة ،

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا فاطمة أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث ![10].

ولم يكن تقشّفه كذلك بسبب قلّة ذات يده، فقد كانت تصل إليه – في نفس تلك الأيام – الأموال فيقسمها ويهب ويتصدق، حتى أنه كان يعطي لشخص واحد مئة بعير ![11].

وقد فارق الدنيا وما ترك ديناراً ولا درهماً ولا غلاماً ولا أمةً، ولا شاةً ولا بعيراً، وكانت درعه مرهونة عند يهودي على عشرين صاعا من شعير، اشتراها لقوت عياله ![12].

ولا بد من التأمل في نقطتين :

الأولى: لا شكَّ أنّ اليهودي لم يكن يطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الوثيقة، لمكانته وأمانته، لكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قصد أن يراعي قانون الرهن عند عدم كتابة الدين، ليكون المال وثيقة عند الدائن، حتى لو كان الدائن يهودياً، والمدين أكبر شخصية في الاسلام .

الثانية: أنّه كان في متناول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أطيب الأطعمة وألذّها، لكنّه اكتفى إلى آخر عمره الشريف بخبز الشعير، حتى لا يكون طعامه أحسن من طعام أضعف رعيته !

 نموذج من إيثار النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )

إنّ مكانة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) معلومة عند الخاصة والعامة، فإن كتب الفريقين مشحونة بفضائلها، وقد قامت في محرابها حتى توّرمت قدماها[13]تأسياً بأبيها، وكانت مع استغراقها في عبادة الله تقوم بإدارة بيت ولي الله وتربية أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل عليها ذات يوم فرآها تطحن بالرحى وترضع ولدها فدمعت عيناه[14].

ورآها علي (عليه السلام) وقد استقت بالقربة حتى أثر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، فقال لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك ضرّ ما أنت فيه.

وجاءت إلى أبيها فاستحيت، وانصرفت، فعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّها جاءت لحاجة ، فجاءها وسألها عن حاجتها، وأخبر علي (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أصابها من الضر والضرر الشديد. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين، قال: فأخرجت فاطمة رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله ثلاث دفعات[15] .

ذلك الأب الذي كان متمكنا أن يملأ بيت ابنته ذهبا وفضة ويستخدم لها عبيداً وإماء ، ولا يردّ عن بابه ذا حاجة إلا بقضاء حاجته، أمسك عن استخدام خادمة لسيدة نساء العالمين، التي كانت بضعة منه، ويريبه ما أرابها[16]، في مثل هذه الحاجة الملحة لبنته التي هي أحب الخلق إليه، إيثاراً لفقراء أمته على مهجة قلبه.

هكذا كانت سيرة الذي بعثه الله لأن يربي أمته بقوله تعالى :” َيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ”(الحشر:9).

 نماذج من تعامله وأخلاقه ( صلى الله عليه وآله وسلم )

كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يجلس على الأرض[17]. ويأكل مع العبيد، ويسلم على الصبيان[18]. وكان يأكل أكلة العبد، ويجلس جلسة العبد[19].

مرّت به امرأة بدوية وكان يأكل وهو جالس على الأرض، فقالت: يا محمد، والله إنّك لتأكل أكل العبد، وتجلس جلوسه .

فقال لها رسول الله: ويحك أي عبد أعبد مني ؟[20].

وكان يرقع ثوبه[21]. ويحلب عنز أهله، ويجيب دعوة الحر والعبد[22]. ويعود المرضى في أقصى المدينة[23]. ويجالس الفقراء، ويؤاكل مع المساكين[24]. وكان إذا صافحه أحد لم يجر يده من يده حتى يتركها الآخر[25]. ويجلس حيث ينتهي به المجلس[26]. ولا يثبت بصره في وجه أحد[27]. يغضب لربه ولا يغضب لنفسه[28].

وأتاه رجل يكلمه فأرعد، فقال له: هون عليك، فلست بملك، إنّما أنا ابن امرأة كانت تأكل القد [29] .

وقال خادمه أنس بن مالك: خدمت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تسع سنين، فلم أعلمه قال لي قط هلا فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئاً قط[30].

بينما هو (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم جالس في المسجد إذ جاءت جارية لبعض الأنصار وهو قائم، فأخذت بطرف ثوبه، فقام لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم تقل شيئاً، ولم يقل لها النبي شيئاً، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فقام لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرابعة وهي خلفه، فأخذت هدبة من ثوبه، ثم رجعت ! فقال لها الناس: فعل الله بك وفعل، حبست رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم ) ثلاث مرات، لا تقولين له شيئاً ولا هو يقول لك شيئاً ! ما كانت حاجتك إليه؟ ! قالت: إنّ لنا مريضاً فأرسلني أهلي لآخذ هدبة من ثوبه، ليستشفي بها، فلما أردت أخذها رآني فقام فاستحييت منه أن آخذها وهو يراني، وأكره أن أستأمره في أخذها، فأخذتها[31].

وهذه الحادثة تدل على اهتمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكرامة الانسان لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) تفطن إلى حاجة الجارية وكراهيتها للسؤال، وقام من مكانه أربع مرات من أجل قضاء حاجتها، ولم يستنطقها لئلا تقع الجارية في ذلّ السؤال، فالذي يحافظ على حرمة جارية وكرامتها، بهذه الدقة والأدب، إلى أي حدّ تكون قيمة الانسان وكرامته في نظره؟ !

وفي الوقت الذي كان اليهود يعيشون في دولته على العهد والذمة، وكان هو في أعلى درجات القدرة، كان لأحدهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دنانير فتقاضاه، فقال له: يا يهودي ما عندي ما أعطيك .

فقال: فإنّي لا أفارقك يا محمد حتى تقضيني!

فقال: إذا أجلس معك، فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة !

وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتهددونه ويتواعدونه، فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم فقال: ما الذي تصنعون به ؟

فقالوا: يا رسول الله يهودي يحبسك ؟

فقال : لم يبعثني ربي عزّ وجلّ بأن أظلم معاهداً، ولا غيره.

فلمّا علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فإنّي قرأت نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة، وليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب، ولا متزين بالفحش، ولا قول الخناء. وأنا أشهد أنّ لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وهذا مالي، فاحكم فيه بما أنزل الله، وكان اليهودي كثير المال[32].

عن عقبة بن علقمة قال: ” دخلت على علي (عليه السلام)، فإذا بين يديه لبن حامض آذاني حموضته، وكسرة يابسة، فقلت: يا أمير المؤمنين أتأكل مثل هذا ؟ !

فقال لي: يا أبا الجنوب [ الجنود ] إنّي أدركت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا، فإن أنا لم آخذ بما أخذ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) خفت أن لا ألحق به “[33].

وقيل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وكان الغاية في العبادة: ” أين عبادتك من عبادة جدك ؟

قال : عبادتي عند عبادة جدي، كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) “[34].

إنّ مثل هذا الرسول العظيم يستطيع أن يقول: ” إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق “[35]. وأنّى يتيسر شرح فضائله الأخلاقية، والله تعالى يقول له : { وإنك لعلى خلق عظيم } (القلم: 4) . إنّ مطالعة يسيرة في حياته وأخلاقه وسجاياه فقط – تكفي المنصف لأن يؤمن بنبوته { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } (الأحزاب: 45\46).


المصادر:

[1] تفسير القمي؛ ج2؛ ص228.

[2] الشيخ الطبرسي؛ مجمع البيان؛ج4؛ص463.

[3] تفسير العياشي؛ج2؛ص54.

[4] ابن شهراشوب؛ مناقب آل أبي طالب؛ ج1؛ ص 68.

[5] أبو نعيم الأصفهاني؛ حلية الأولياء؛ ج1؛ ص148.

[6] الشيخ الطبرسي؛ إعلام الورى؛ ج1؛ ص122.

[7] الشيخ المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج18؛ص243.

[8] الشيخ الراوندي؛ الخرائج والجرائح؛ ج1؛ ص164.

[9] الشيخ الصدوق؛ الأمالي؛ ص398.

[10] الشيخ الصدوق؛ عيون أخبار الرضا؛ ج2؛ ص40.

[11] الشيخ المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج21؛ ص170.

[12] الحميري؛ قرب الإسناد؛ ص91.

[13] ابن شهراشوب؛ مناقب آل أبي طالب؛ ج3؛ ص 341.

[14] المصدر نفسه؛ ص342.

[15] الشيخ الصدوق؛ علل الشرايع؛ ج2؛ ص366.

[16] صحيح البخاري؛ج6؛ ص158.

[17] الشيخ الطوسي؛ الأمالي؛ ص393.

[18] الصدوق؛ الأمالي؛ ص130.

[19] البرقي؛ المحاسن؛ ص456.

[20] الكليني؛ الكافي؛ ج2؛ ص157.

[21] ابن شهراشوب؛ مناقب آل أبي طالب؛ ج1؛ ص146.

[22] المصدر نفسه.

[23] المصدر نفسه.

[24] المصدر نفسه.

[25] المصدر نفسه؛ ص 147.

[26] المصدر نفسه؛ ص146.

[27] المصدر نفسه.

[28] المصدر نفسه.

[29] الطبرسي؛ مكارم الأخلاق؛ ص16.

[30] المصدر نفسه.

[31] الكليني؛ الكافي؛ ج2 ؛ ص102.

[32] الصدوق؛ الأمالي؛ ص552.

[33] الطبرسي؛ مكارم الأخلاق؛ ص158.

[34] المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج41؛ ص149.

[35] الطبرسي؛ مجمع البيان؛ ج10؛ ص86.

 

إغلاق