عقيدة

طرق التعرُّف إلى المعصوم

259-260

بقلم: السيد حسين نجيب محمد

 

بما أنَّ الإمامة بمثابة النُّبوَّة فإنَّ هناك طرقاً مشتركة للتعرُّف عليهما، وأهم هذه الطرق:

الأوَّل: النّصّ من الله تعالى ورسوله: فإنَّ مقام الإمامة كمقام النُّبوَّة فكما أنَّ الله تعالى هو الذي يصطفي ويجتبي من عباده منْ يشاء فيجعلهم رسله وأنبياءه، كذلك الحال في أوليائه وخلفائه.

والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أنَّ الاختيار يعود إلى الله تعالى وحده، ولذا يقول تعالى: “وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ”(البقرة: 124])، أو يقول: ” وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا” (النساء: 73) (1).

ثمَّ إنَّ النّاس ـ مهما بلغوا من العلم والمعرفة ـ لا يستطيعون أن يعرفوا منْ يستحق الإمامة، لما ذكرنا من الأوصاف الباطنية للإمام، والتي لا يطَّلع عليها إلَّا علَّام الغيوب الذي يعلم منْ خلق وهو اللَّطيف الخبير.

فعن الإمام الرِّضا (ع) أنَّه قال: «إنَّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها النّاس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم…»(2).

يروى أنَّه عندما أتى رئيس قبيلة بني عامر إلى رسول الله (ص) في موسم الحج قال له: أرأيت إنَّ نحن بايعناك على أمرك ثمَّ أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال (ص): «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» وهو مفاد قوله: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ”(الأنعام: 124)(3).

هذا وقد جاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبويَّة المتواترة التي تعيِّن الخلفاء بعد رسول الله (ص) وتسميهم بأسمائهم واحداً بعد واحد، ومن ذلك آية «الولاية». و«المباهلة»، و«إكمال الدِّين»، و«التطهير»، و«الأمان من الاختلاف» و«الكساء»، و«الدار»، و«المنزلة»، وغيرها من الأحاديث.

ثمَّ إنَّ الإمام الذي عُيِّن ممَّنْ قبله كان يُوصي لمنّ بعده بأمر من الله تعالى، فعن الإمام الصادق (ع): «ما مات عالم حتَّى يعلمه الله عزّ وجل إلى منّ يوصي»(4).

وعنه (ع) أنَّه قال: «أترون أنَّ الموصي منَّا يوصى إلى منّ يريد؟ لا والله، ولكنَّه عهد من رسول الله (ص) إلى رجل فرجل حتَّى ينتهي الأمر إلى صاحبه»(5).

ولهذا نجد في النصوص أن الأئمة (ع) كانوا يذكرون قبل وفاتهم من ينوب عنهم، وللوقوف على تلك النصوص يراجع المجلد الأول من كتاب الكافي.

الثاني: المعجزات والكرامات: التي تصدر ممَّنْ يدَّعي الإمامة، فإنَّ الله تعالى لا يمنح هذه الكرامة إلَّا للمصطفين من أوليائه المخلصين، فكما أنَّه تعالى قد أعطى الأنبياء معجزات متنوعة تختلف باختلاف الزمان والأقوام فإنَّه أعطى الأئمة (ع) مثل ذلك.

وقد سُئل الإمام الرِّضا (ع): «بأيّ شيء تصحّ الإمامة لمدَّعيها؟ فقال (ع): بالنص والدليل. فقيل: فدلالة الإمام ما هي؟ فقال: في العلم واستجابة الدعوة».

وللوقوف على معجزات الأئمَّة (ع) راجع كتاب «إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات» للحرّ العاملي.

الثالث: أفضلية الإمام (ع) على أهل زمانه: وهذه الطريقة تتناسب مع أهل العقول، وإلَّا فالغالب في إثبات الإمام هو الرجوع إلى النصوص والكرامات، وإليه يشير الحديث عن الإمام الصَّادق (ع): «قال أمير المؤمنين: اعرفوا الله بالله، والرسول بالرِّسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان»(6).

ولذلك عندما كان الإمام (ع) يذكر أحقيته بالإمامة كان يذكر إلى جانب النصوص أفضــليته عـلى غـيـــره فيقـــول: «…أما والله لقد تقمَّصها فلان، وإنَّه ليعلم أنَّ محلِّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنِّي السيل ولا يرقى إليَّ الطير».

ويقول: «ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمَّد إنِّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال وتتأخَّر الأقدام نجدة أكرمني الله بها، ولقد قُبض رسول الله وإنَّ رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفِّي فأمررتها على وجهي، ولقد وُلِّيت غسله والملائكة أعواني فضجَّت الدار والأقنية، ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلّون عليه حتَّى واريناه في ضريحه، فمنْ ذا أحقّ به منِّي حيّاً وميتاً»(7).

وعندما كان الأئمَّة (ع) يذكرون صفات الإمام كانوا يُركِّزون على هذا الجانب، وكمثال على ذلك نجد أنَّ الإمام الصَّادق (ع) عندما يشير إلى ولده الكاظم (ع) يقول: «… فعنده علم الحكمة، والفهم، والسخاء، والمعرفة، وما يحتاج الناس إليه فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم، وفيه حُسن الخلق، وحسن الجوار، وهو باب من أبواب الله»(8).

وفي حديث جامع لمعرفة الإمام جاء عن الإمام الصَّادق (ع) أنَّه قال: «عشر خصال من صفات الإمام: العصمة، والنصوص. وأن يكون أعلم الناس، وأتقاهم، وأعلمهم بكتاب الله، وأن يكون صاحب الوصية الظاهرة، ويكون له المعجز والدليل، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يكون له فيء، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه»(9).

وعن عليّ بن الحسن بن فضَّال، عن أبيه، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرِّضا (ع) قال: «للإمام علامات: يكون أعلم النَّاس، وأحكم النَّاس، وأتقى النَّاس، وأحلم النَّاس، وأشجع النَّاس، وأسخى النَّاس، وأعبد النَّاس، ويولد مختوناً ويكون مطهَّراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظلّ.

وإذا وقع إلى الأرض من بطن أُمِّه وقع على راحتيه، رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ويكون مُحدَّثاً، ويستوي عليه درع رسول الله (ص) ولا يُرى له بول ولا غائط، لأنَّ الله عزّ وجل قد وكَّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه.

وتكون رائحته أطيب(10) من رائحة المسك، ويكون أولى بالنَّاس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأُمَّهاتهم، ويكون أشدّ النَّاس تواضعاً لله عزّ وجل، ويكون آخذ النَّاس بما يأمره به، وأكفّ النَّاس عمَّا ينهى عنه، ويكون دعاؤه مُستجاباً حتَّى أنَّه لو دعا على صخرة لانشقَّت بنصفين.

ويكون عنده سلاح رسول الله (ص) وسيفه ذو الفقار، وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة.

وتكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً، فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر وإهاب(11) ماعز(12) وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتَّى أرش الخدش، وحتَّى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة (ع)»(13).

وقفة مع نظرية الشورى

ذهب بعض المسلمين إلى أنَّ تعيين الإمام يتم من خلال الشورى بين المسلمين، وعليه أثبتوا خلافة الأوَّل القائمة على الشورى، وهذا الموضوع هو أساس الخلاف بين الشيعة الذين يقولون بالنص، والسُّنَّة الذين يقولون بالشورى.

وعمدة ما استدلوا به على الشورى قوله تعالى:” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران: 159) وقوله: “ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ”(الشورى: 38).

ويلاحَظ عليه: أنَّ الآية الأولى ليست بصدد القول بأنَّ للشورى حجيَّة على قول النبي (ص) وذلك لأنَّها تقول:“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران: 159) ممَّا يعني أنَّ القرار النهائي هو لرسول الله (ص) لا لغيره، وما المشورة إلَّا لمعرفة آرائهم ونواياهم، أو إشراكهم في تحمُّل المسؤولية، خصوصاً إذا لاحظنا أنَّ موارد المشورة كانت ـ في الغالب  ـ  في الحرب مع المشركين.

وأمَّا الآية الثانية فهي تفيد أنَّ الشورى بين المسلمين تكون في أُمورهم الدنيوية، وأمَّا الأُمور الدِّينيَّة ــ ومنها الخلافة ــ فهذه ليست من أُمورهم وإنَّما هي تعود إلى الله ورسوله.

يقول السيِّد محمَّد باقر الصدر 5: «إنَّنا لا نحتمل أن يكون الرسول (ص) قد اعتمد على مبدأ الشورى في تعيين الخليفة من بعده وذلك لأنَّه لو كان قد اعتمد عليه لكان عليه أن يُوضِّح هذا المبدأ من ناحية حدوده وشرائطه، وكيفية الحلّ فيما لو اختلف المتشاورون، وما هي شرائط المشتركين في الشورى. فهذه الأُمور وغيرها لم تكن موجودة.

بل إنَّ فكرة الشورى لم تكن موجودة حتَّى عند أبي بكر وعمر فحينما حضرت الوفاة أبا بكر أوصى بالخلافة إلى عمر ولم يتركها شورى بين المسلمين» انتهى بتصرُّف(14).

فثبت ممَّا تقدَّم أنَّه لا دليل على الشورى في تعيين الإمام بل الدليل على عدمها.


المصادر:

(1) أصول الكافي: ج1، ص200.

(2) الكافي: ج1، ص277.

(3) العقيدة الإسلامية للسبحاني: ص198.

(4) الكافي: ج1، ص277.

(5) المصدر نفسه: ص278.

(6) المصدر نفسه: ص85.

(7) نهج البلاغة: الخطبة 190.

(8) بحار الأنوار: ج11، ص334.

(9) الخصال: ص428.

(10) في الخصال: ويكون له راحة أطيب.

(11) الإهاب ـ ككتاب ـ: الجلد.

(12) الماعز: واحد المعز.

(13) القطرة: ج2، ص24 ــ 25.

(14) بحث حول الولاية.

 

 

إغلاق