أسرة ومجتمع / صحة

طرق الاطمئنان والسكينة

عندما يجتاح الجسد داءُ ما، ستبدأ خلايا الجسد بمواجهة ذاك الجسم الغريب.....

بقلم: داليا سويدان

 

عندما يجتاح الجسد داءُ ما، ستبدأ خلايا الجسد بمواجهة ذاك الجسم الغريب، علماً منها أن هذا البلاء سوف يلحق بها الأذى فتعمد إلى مواجهته فوراً والقضاء عليه.

فما حال العقل، لو طرقت  بابه مثل هذه الأوهام، أو سيطر القلق على مساحاته الفكرية، وهو المخلوق الأبرز الذي اشاد الله بخلقه وصنعه، لما يؤديه من دورٍ على قدره يثيب الله أو يعاقب.

من هنا يمكن القول أن حسم المعركة مع القلق تبدأ على جبهتين، العقل والقلب. وسأستعرض في المقال التالي كيفية الإطمئنان بالعقل، والسكينة بالقلب، وكيفية تجريد الروح وخلاصها من وهن الوهم، والخوف الناجمان عن القلق.

أولاً: عندما أقف على شط البصيرة وأتأمل جمال الكون، وإبداع الخالق فيه، والقدرة المنظمة له، والقوة المطلقة لجبروت الله أشعر حينها بالطمأنينة أنه لا قوة قد تؤثرعليّ فوق قوة الله وقدرته، هنا سأصبح أقوى، وأصلب، وأشد عوداً أمام ذاريات الزمن.

عندما أقرأ دستور الحياة ومواده، وأرتل آياته، وأعلم أن الملك والحكم والعدل بيده وحده سبحانه، سيتبعثر القلق من أرجائي وأطمئن أن كفى بربك هادياً ونصيراً.

وفي هذا السياق، تستوقفني شجاعة امرأتان خلدهما التاريخ، ولو جعلت كل امرأة تلك المواقف العابرة في زمان هاتين المرأتين قدوةً لنا، لكنّا في مجتمع أقوى بنياناً وأساساً.

نعم لم تشعر بالقلق آسيا بنت مزاحم عندما حملت موسى الرضيع إلى بيتها، علماً منها أن فرعون قد عقَّر نساء القوم وقَتَل الرُّضَّع.

أي جرأةٍ منها لتقف بوليد قذَفه اليَّم إليها، وأي أسلوب حاورت به فرعون، فأمالت بقلبه إلى هذا الطفل فَرقَّ له قلبه واتخذه وليداً.

علاوةً على ذلك لماذا لم تشعر بالقلق من الموت المحدق بها عندما أمر فرعون بقتلها. لا بل وبطمأنينة سلمت الروح وبسكينة مطلقة طلبت من ربها أن ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة. هذه القوة ناجمة عن عمق اليقين، والإدراك الصحيح لما سيؤول إليه مصيرها، وأن الله هو الأدرى بالأمور. ثم يأخذني التاريخ إلى بطلة كربلاء. تلك السيدة الجليلة نشأت على حديث سفك دماء أخيها، ثم رأت المصاب، وعاشت الغربة بلا حولٍ ولا قوة، وقالت عندما وقفت أمام الشرك كله، ما رأيت إلا جميلاً.

أيُّ إيمانٍ يحمله قلب هذه السيدة، لترى الرؤوس فوق الرِّماح وترى صدر أخيها عارياً على الرَّمضاء، وتُسبى هي والعيال وترى هذا كله جمال.

إنَّ زرع واحات القلب بالأمل في ثواب الله، وريِّه برضاه يزهرُ ويورقُ سكينةً وطمأنينةً لا يعرف القلق دربه إليها.

نعم العلاج الأول هو ملء القلب بالإيمان، واليقين بأنَّه لا مؤثر في الوجود سوى الله. فلِمَ أحزن. ولِمَ أرفض ما قسَمَه الله لي، وما شاءه أن يكون في قدري.

ولكن كيف سأتعايش مع وضعٍ يؤلمني أو يقلقني. هناك طرقٌ شتَّى أستطيع من خلالها تغليف هذا الواقع وعدم الإكتراث به بعد.

أولاً: من خلال السيطرة على القلق إذ إنَّه بإمكان الفرد أن يقتلع جذور الوسواس المُقلق إيّاه من خلال الدخول إلى أعماق ذاته والترفيه عن نفسه، وملء لب عقله بما هو مفيد. مثلاً أقول عن تلك المرأة، التي أُصيبت بوسواس النظافة والطّهارة إلى حدِّ إيذاء الآخرين. أن ضعي نصب عينيكِ الحكم التالي: كل شيء طاهر حتى تّثبُت نجاسته. حتماً لو اقتنعت المرأة بهذه المقولة ستطمئن ويهدأ روعها.

مثالٌ آخر إلى كل فرد يخشى الظلام، ويخاف رهبة الليل لو فكَّر ملياً أن الليل جعله الله سكناً، واتخذ الحكمة التالية: «إذا هبت شيئاً فقع فيه» سيكون أشجع، وأسرع إلى المبادرة.

وقد ورد فيما سلف أن الفراغ أحد عوارض القلق. فكيف نملأ الفراغ ونسيطر على مغاور القلق، وننقضّ على أشباحه. إن مزاولة القراءة، واتخاذ الكتاب الجليس الأوفى،حتماً سيملأ العقل بمخزونٍ هائلٍ من الأفكار الإيجابية الراقية،ولن يبقى حينها أي أثر للدُرَنِ السوداء، والقروح المقلقة، لا بل إن الكتاب سيضمد الجروح ويغذي مناعة العقل فتكون بذلك أقوى،وسيتجدد البدن حتماً، ويكون أكثر طاقة وحيوية وقابلية للتفاعل مع المجتمع.

وبما أني قد طرحت سابقاً بعض أسباب القلق عند المرأة، وتناولتُ في البحث المذكور سبب غيرتها، كيف يمكن للمرأة نسف مثل هذه الأفكار المقلقة والمزعجة من رأسها لا بل من حياتها كّكُلّ؟

أولاً: اجعلي زوجك صديقك، بوحي له بكل ما يزعجك، تماماً كما تبوحين له بأقصى عشقك له.

ضعي بين يديه الثقة المطلقة، وامنيحه الحرية في حركاته، وكلامه. اسمعي منه، وبادري في النقاش الإيجابي واجعلي حوارك يؤنسه لكي يستمتع بالمكث معك طويلاً. حينها ستعرفين أنَّ البوح للرجل بآلامك وآمالك هو علاج الوهم. وبهذه الطريقة ستكسبين نفسك وتنالين رضا زوجك وستكون أموره طوع يديك.

إضافةً إلى كل هذا، تعتبر الرياضة وبالأحرى السَّير في الطبيعة دواءً للجسد والروح. إذ إن الهواء الطلق يعيد الأمل والنشاط ويزرع الهمَّة والثبات، والنظر سيكون حائلاً بين كل المخيلات السلبية إذ إن رؤية الأشجار والسماء، صور خلَّابة تسحر البصر، تنسف الضجر وتريح الفكر أكثر فأكثر.

نعم العلاج لهذه الآفة في متناول الأيدي، وكلُّ منا طبيب نفسه. فالإنسان صديق روحه يعلم ما يشقيه ويدرك ما يسعده. وكلُّ منا يسمع ذاته ويحدِّثها. فلو استطاع كلُّ منّا ترويض نفسه، وملء سريرته باليقين والإيمان حتماً سيقوى على كل هذه الأوهام الزائفة، وكما أن الإنسان يجتهد باقتناء أفضل الأغذية لجسمه، والاعتناء بنوعيته ومدى صلاحيته لجسمه، يجب عليه أيضاً أن يقتني لروحه غذاءً نقياً، خالياً من الشوائب والأوهام، وأختم مقالي بحكمةٍ بليغةٍ لأمير المؤمنين (ع): «ما لي أرى الناس إذا قرب اليهم الطعام ليلاً تكلَّفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يُدخلون في بطونهم… ولا يهتمون بغذاء النفس، بأن ينيروا مصابيح ألبابهم، بالعلم، ليسلموا من لواحق الجهالة، والذنوب في اعتقاداتهم وأعمالهم».

وخيرُ العلاج ما قاله أميرٌ الكلام وعليه دَلّ.

 

 

إغلاق