قضية ورأي

الطلاق يهتز منه العرش

215-216

بقلم: علي محمد علي دخيل
مشاكل الزواج المنقطع:

نحن في عصرٍ كثُرَ فيه الطلاق بلا مبرّر لذلك، والسبب بُعد المجتمع عن التعاليم الإسلامية، وما جاء به الرسول الأعظم (ص)، ونسأله تعالى أن يجمع أمرنا على التقوى. ويجنبنا الفحشاء والمنكر، ويأخذ بأيدينا إلى مرضاته، إنَّه على كل شيء قدير.

إنَّ التعاليم الإسلامية أمرت المسلمين ـ رجالاً ونساءً ـ بالزواج (تناكحوا وتناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة)(2) وحذَّرت كلَّ الحذر من الطلاق، وجعلت أجراً عظيماً للرجل إذا تحمل من زوجته ما يكره، وأيضاً : للمرأة أجراً عظيماً إذا تحمّلت من زوجها ما تكره، كل ذلك إبعاداً لهم عن الطلاق.

نعود لنذكِّر ببعض ما ورد عن الصّادقين (ع) في التّحذير من الطلاق، قال رسول الله (ص): «تزوجوا ولا تطلقوا، فإنَّ الطلاق يهتزّ منه العرش»(3).

قال رسول الله (ص): أوصاني جبرائيل (ع) بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلّا من فاحشة مبيّنة(4).

وقال الإمام الصادق (ع): ما من شيء أحلَّ الله أبغض إليه من الطلاق، وإنَّ الله يبغض المطلاق الذوّاق(5).

تحذير للرجل والمرأة

قال رسول الله (ص): أيُّما إمرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل الله (عزّ وجل) منها صرفاً ولا عدلاً، ولا حسنةً من عملها حتى ترضيه، وإن صامت نهارها، وقامت ليلها، وأعتقَت الرِّقاب، وحملت على جياد خيل في سبيل الله، وكانت في أوّل من يرد النار، وكذلك الرجل إذا كان لها ظالماً(6).

للرجل والمرأة

فأنت أيها الرجل قابل إساءة زوجتك بالإحسان إليها، وتحمّل قليلاً لتسعد طويلاً.

سمعت من أحد الأخيار قال : زرت ابن عمٍ لي، فسمعت زوجته تكلّمه بأعنف ما يكون من الكلام، لكن ابن عمي التفت إليّ وقال: إذهب واشترِ لها مصاغاً ذهبياً. إن هذا السلوك يجعل من زوجتك مهما كانت عليه من الطغيان والعنف على أحسن الأحوال، ألم تسمع قول الشاعر:

فطالما استعبد الإحسان إنساناً

وعن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ما حق المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسناً؟ قال: يشبعها، ويكسوها، وإن جهلت غفر لها. وقال: كانت إمرأة عند أبي (ع) تؤذيه وكان يغفر لها(7).

إجعل يا أخي العفو شعارك مع الخلق فبه تنال خير الدنيا والآخرة، والتزم بذلك مع أهلك، فالأقربون أولى بالمعروف.

وأنتِ أيتها الأخت:

تحمّلي زوجك، وقابلي إساءته بالإحسان، ولا تقطّبي في وجهه، إنَّ ابتسامتك تقرّبه إلى نهج الإستقامة والصواب.

الكذب على زوجتك تلافياً للخلاف

إنَّ الكذب من أعظم الذّنوب، وأكبرها حرمةً، يقول الإمام الحسن العسكري (ع): جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب(8) إلّا أن الكذب مع عظيم قبحه يستعمله الرجل مع زوجته فيؤجر على ذلك.

قال الإمام الصادق (ع): كل كذب مسؤول عنه صاحبه إلا في ثلاثة: رجل كائد في حربه، فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين، يلقى هذا بغير ما يلقى هذا، يريد بذلك الإصلاح بينهما، ورجل وعد أهله شيئاً وهو لا يريد أن يتم لهم(9).

ومثال ذلك: إن زوجتك رأت جارتها وقد اشترت مصاغاً ذهبياً ثميناً، وطلبت منك مثله، وأنت لا تملك ذلك، ولكن لو أخبرتها بالحقيقة ربّما لم تعذرك، وقد يحدث بينكما مكروه، ولكنّك تقول لها: بعد شهرين إن شاء الله تعالى أشتري لكِ مثله، علماً منك أنَّك لا تستطيع شراء السوار حتى بعد سنتين، ولكنَّك تؤجر على كذبك لحفاظك على العلاقة الزوجية.

درس عظيم

قال أبو عبدالله (ع): إن إبراهيم (ع) شكا إلى الله (عزّ وجل) ما يلقى من سوء خلق سارة، فأوحى الله تعالى إليه: إنّما المرأة مثل الضلع المعوجّ إن أقمته كسرته، وإن تركته انتفعت به، اصبر عليها(10).

وذكر الشيخ القمي قصة لقوم هود (ع) قال: وكان لهم زرعٌ ونخيل كثير، ولهم أعمار طويلة، وأجسام طويلة، فبعث اليهم هوداً يدعوهم إلى الإسلام، وخلع الأنداد، فأبوا ولم يؤمنوا بهود (ع)، وآذوه، فكفَّت السماء عنهم سبع سنين حتى قحطوا، وكان هود (ع) مزارعاً، وكان يسقي الزرع، فجاء قومٌ إلى بابه يريدونه، فخرجت إليهم امرأة شمطاء عوراء، فقالت: من أنتم؟

فقالوا: نحن من بلاد كذا وكذا، أجدبت بلادنا فجئنا إلى هود (ع) نسأله أن يدعو الله حتى تمطر وتخصب بلادنا.

فقالت: لو استُجيب لهود لدعا لنفسه، فقد احترق زرعه لقلّة الماء.

فقالوا : فأين هو؟

قالت: في موضع كذا وكذا، فجاؤوا إليه فقالوا : يا نبيَّ الله أجدبت بلادنا ولم تمطر، فاسأل الله أن يُخصب بلادنا. فتهيأ للصلاة، وصلَّى ودعا لهم، فقال لهم: ارجعوا فقد أمطرتم وأخصبت بلادكم.

فقالوا: يا نبيَّ الله، إنَّا رأينا عجباً.

قال: وما رأيتم؟

قالوا: رأينا في منزلك امرأة شمطاء عوراء، قالت لنا: من أنتم، وما تريدون؟

قلنا: جئنا إلى هود (ع) ليدعو الله فتمطر، فقالت: لو كان هود داعياً لدعا لنفسه، فإنَّ زرعه قد احترق.

فقال هود: تلك أهلي، وأنا ادعو الله لها بطول البقاء.

فقالوا: وكيف ذلك؟

قال: لأنه ما خلق الله مؤمناً إلّا وله عدوّ يؤذيه، وهي عدوّتي، لئن يكون عدوّي ممن أملكه خير من أن يكون عدوّي ممّن يملكني(11).

من هذا وغيره يتبيَّن أنه ينبغي للرجل أن يتحمَّل ما ساءه من زوجته، ويمحو من فكره موضوع الفراق والطلاق الذي يهتزُّ منه العرش ويكتفي بالعطاء الإلهي الذي جاء على ألسنة الصّادقين (ع).

إنَّ التشنُّج والغضب والمقت الذي يحدث بين الزوجين هو من عمل الشيطان، وخطواته، إنَّه يسعى بكلّ قواه للفرقة بين الزوجين تمهيداً لجرِّهم إلى الحرام.

تحمَّل يا أخي واعلم أن سلوكك الحسن مع زوجتك يجرّها ـ ولو بعد حين ـ إلى الإستقامة وحسن السلوك.

لو أعجبتك امرأة

تمهيد:

إنَّ الشيطان يصوِّر للإنسان أنّ كل إمرأة أجنبية يراها كأنَّها الحور العين، تمهيداً للزنا.

والرسول الأعظم (ص) عالج الأمر بأيسر ما يكون، فقد قال: إذا نظر أحدكم إلى المرأة الحسناء فليأتِ أهله، فإن معها مثل الذي مع تلك(12) فعندها تنطفئ حدَّة الشبق.

وروي أنَّ أمير المؤمنين (ع) كان جالساً في أصحابه فمرّت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم، فقال (ع): إن أبصار هذه الفحول طوامح وإنَّ ذلك سبب هبابها(13) فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنَّما هي امرأة كامرأة(14).

وأنت يا أخي في عصر كثر فيه السفور، وقلَّ فيه الحجاب، وتشاهد الكثير من الفتيات، وينبغي لك أن تتيقّن أن معظم من تشاهد دون زوجتك جمالاً، ولكن الشيطان يصورّها لك ملكة الجمال، ولا تجد أفضل مما ذكره رسول الله (ص)  وأمير المؤمنين (ع)، فاعمل به، وتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم.

وأنتِ أيتها الأخت اجلسي ساعةً وفكّري في سبب الخلاف، واطلبي من المولى جلَّ جلاله أن يعينك على تلافي ما يعكِّر حياتك الزوجية، واعلمي أن الأولاد أمانة من الله سبحانه وتعالى عندك، والطلاق يشردهم، ويجعلهم أشقياء.

ألم تسمعي كلام الصحابية (خولة بنت المنذر) التي جاءت رسول الله (ص)  تشكو طلاق زوجها لها وهي تقول: اللهمَّ إنَّك تعلم حالي فارحمني، فإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا(51) فنزل جبرائيل (ع) بقوله تعالى: “قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ” [المجادلة: 1].

أرسل النبي (ص) خلف زوجها، وأمره أن يكفّر عن كلامه، ولم يكن عنده ما يكفّر به، فدفع عنه النبي (ص)، ورجعت المرأة إلى بيتها ومعها زوجها وأولادها.

أختي المسلمة، أحذّرك كلّ الحذر من الخلاف مع زوجك بل تحمّلي منه. إنَّ الرجل يصطدم في أعماله مع رؤسائه، بل وحتى مع الذين يعملون تحت إمرته، فيؤثِّر ذلك في سلوكه، وقد يبدو منه معك جفاف أو كلام لا ينبغي له أن يتكلم به، فاحتملي ذلك منه ولا تشقّي عليه، وأنا أذكر لك بعض ما ورد عن الصَّادقين (ع) في ثوابك:

قال أمير المؤمنين (ع): كتب الله الجهاد على الرجال والنساء، الرجل بذل ماله ونفسه حتى يقتل في سبيل الله، وجهاد المرأة أنه تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته(16).

وقال الإمام الصادق (ع): جهاد المرأة حسن التبعل(17).

تأمّلي هذا الحديث الشريف، فقد جعل تحمّلك وصبرك بمنزلة المجاهد في سبيل الله. “وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا” [النساء: 95].

كوني على يقين أن كل سوء يصيبك من زوجك لك فيه الأجر العظيم، تأمّلي قوله تعالى: “أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ” [آل عمران: 195].

وأنتم أيها الأهل

فالحذر كل الحذر أن تتدخلوا بين ابنكم وزوجته، وكذلك بين ابنتكم وزوجها وأؤكد على أهل المرأة الذين طالما تدخلوا فأفسدوا.

فإن الإمام السيد محسن الأمين طاب ثراه يحكي لنا عن انطباعاته عن النجفيين التي لمسها خلال السنوات العشر التي كان مقيماً فيها في النجف الأشرف لطلب العلم، قال: والنجفيون لا يتدخلون بين ابنتهم وزوجها في خلاف أو نزاع مهما أمكن، ويندر وقوع الطلاق عندهم، أو لعلَّه لا يقع، ولا يذكرون النساء في مجالسهم إلا قليلاً، وإذا اضطر الرجل إلى ذكر زوجته قال: أهلنا، ولا يقول زوجتي ولا يقولون صهري، بل إذا ذكروا الصهر قالوا: نسيبنا(18).

اترك ابنتك مكتفياً لها بالدعاء، ولو جاءتك غاضبة على زوجها، فخذ بيدها وأرجعها كما كان يصنع العلماء الأتقياء.

ومن المجرّبات أنَّ صهرك حين يرى ذلك منك تتحسَّن سيرته، ويستقيم أمره، أما إذا التزمت جانب ابنتك فهو حتماً يؤدَي بِكَ إلى المحاكم وبعدها الطلاق.

طلّقني

بعث الله جلَّ جلاله رسوله الأعظم (ص)  بشريعة كاملة لجميع مرافق الحياة وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ “[النحل: 89]. وقوله تعالى: “مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ” [الأنعام: 38].

قال الشيخ الطريحي رحمه الله: أي ما تركنا ولا ضيّعنا ولا أغفلنا، يريد به القرآن الكريم. لأنّ فيه ما يحتاج إليه العباد من أمور الدين والدنيا حتى أرش الخدش(19).

إنك لا تجد مشكلة إلّا وقد عالجها القرآن الكريم، والرسول الأعظم (ص) بأيسر علاج.

وموضوعنا (الطلاق) منها فما أكثر الأحاديث النبويّة عنه، والتحذير منه.

ونحن اليوم يمر على أسماعنا أن فلاناً طلَّق زوجته، ونسأل عن السبب، فيقال لنا: هي سألت الطلاق، ونعود لتعاليم الرسول الأعظم (ص) فنسمعه يقول: أيّما إمرأة طلبت من زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة(20).

فالحذر ثم الحذر أيتها المسلمة من هذا الطلب الذي يخسرك دنياك وآخرتك، ولو لم يكن فيه إلّا شماتة الأعداء لكفى به هواناً في الدنيا، ولو لم يكن فيه إلّا النار في الآخرة لكفى به هواناً، تحمّلي وتجرّعي المرّ يكسبك الأجر، وتوجهي إلى قاضي الحاجات في مشكلتكِ، فبيده الخير وهو على كل شيء قدير؛ وما يدريكِ لعلَّ الله سبحانه يغير ما تكرهين من وضع زوجك فتسعدي دنيا وآخرة.

البديل المفقود

لا الرجل الذي يتخلّى عن زوجته يجد بديلاً أحسن من زوجته، ولا المرأة التي تتخلّى عن زوجها وتطلب منه الطلاق تجد بديلاً أفضل من زوجها.

ليكن كل منكما يصنع البديل في بيت الزوجيّة، إجلس أيُّها الرجل ساعة وفكّر في أسباب الخلاف، وما كُنت أنت سببه فاستعن بالله جلَّ جلاله على أن يغيِّر حالك إلى أحسن حال.

إن الله جلَّ جلاله أعطى عباده قابلية التغيير، بل هو يعينهم على الانتقال من المكاره إلى حسن الحال، إنّ ما أوحاه الله جلَّ جلاله إلى نبيّه موسى بن عمران (ع): إنّك إذا أطعتني أعنتك على طاعتي.

موانع الطلاق

وهي كثيرة، منها:

١ ـ قال المحقق الحلّي 5: ولو طلقها في الحيض لم يقع(21).

وقال الطّبرسي 5: إذا طلّقها في الحيض أو في طهر قد جامعها فيه فلا يقع الطلاق، لأن أمر الآية يقتضي الإيجاب(22).

وهذا ما أجمع عليه علماء الطائفة رحمهم الله.

٢ ـ يجب أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه.

٣ ـ وموانع أخرى:

قال الإمام أبو جعفر الباقر (ع): لا يقع الطلاق بإكراه أو إجبار، ولا على سكر، ولا على غضب(23).

وهذا الحديث لو أخذ به المسلمون لخفَّت موجة الطلاق، فما أكثر الطلاق الذي يحدث في هذه الحالات الشيطانية.

٤ ـ “وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ” [الطلاق: 2].

وموضوع الشهادة جعله الله جل جلاله حاجزاً مهماً يعرقل عمليات الطلاق.

إن المرء قد تأخذه حدّة(24)  فيطلّق، والحاجز الكبير هو الشهادة.

أيضاً : لا يجوز للمرأة أن تخرج وَلَا يَخْرُجْنَ جاء بفعل الأمر موجباً الإلتزام بذلك ثم استمرت الآية: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا“.

والمراد بذلك أن تعود العلاقة الزوجية، وتكون فترة الطلاق ـ قلّت أو كثرت ـ تأديباً للمرأة، ودعوة للرجل إلى الخُلق الكريم.

“وَلَا تُضَارُّوهُنَّ ” [الطلاق: 6].

أمر الله جلَّ جلاله عباده بالمُثُل الرفيعة ،والأخلاق النبيلة، فمن ذلك أمر العبد إذا طلق زوجته أن لا يضارها ولا يضيّق عليها “وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ” [الطلاق: 6].

أي لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير بالسكنى والنفقة والكسوة، طالبين بالإضرار التضييق عليهن ليخرجن(25).

وقال الإمام الصادق (ع): لا يضار الرجل امرأته إذا طلقها فيضيّق عليها حتى تنتقل قبل أن تنقضي عدّتها، فإنَّ الله (عزّ وجل) نهى عن ذلك فقال:“وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ “(26).

إن سلوكه الحسن بعد الطلاق له أثره الكبير في الرجعة وإعادة الحياة الزوجية.

وأنتم أيها المطلقون

اتقوا الله حق تقاته ولا تبادروا إلى الطلاق، إنَّا وجدنا العلماء الأجلّاء لا يطلقون، بل يبادرون إلى الإصلاح جهد الإمكان.

حاولوا أن تصلحوا ولا تفسدوا. والله جلَّ جلاله سائلكم عن عملكم؛ إنَّ الشروط التي جعلها الله جلَّ جلاله لصحة الطلاق تحجزكم عن المبادرة إليه، تأمَّلوا الحديث النبوي الشريف: قال رسول الله (ص) لعلي (ع): يا علي! ما كرهته لنفسك فأكرهه لغيرك، وما أحببته لنفسك فأحببه لغيرك، تكن عدلاً في حكمك، مقسطاً في عدلك، محبّباً في أهل السماء، ودوداً في صدور أهل الأرض(27).

وأنا أسألكم: هل يحبُّ أحدكم أن تُطلَّق ابنته أو أخته؟

فأحبوا للناس ما تحبّون لأنفسكم، واحذروا كل الحذر أن يأخذ الشيطان بأيديكم إلى المبادرة إلى الطلاق، رغبةً في دراهم معدودة تأخذونها، وأعلموا أن الله جلَّ جلاله بيده خزائن السماوات والأرض “وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ” [الطلاق: 2 ـ 3].

وليتأمَّل رجال الإصلاح، لا سيّما الذين يبادرون إلى الطلاق باللحظة التي يطلب منهم فيها الطلاق أن يلتفتوا إلى عطاء الله جلَّ جلاله لمن أصلح بين إمرأة وزوجها، فيحجزهم ذلك عن المبادرة إلى الطلاق.

قال رسول الله (ص): من مشى في إصلاحٍ بين إمرأة وزوجها أعطاه الله أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله حقاً، وكان له بكل خطوة في ذلك عبادة سنة، قيام ليلها وصيام نهارها(28).

خطوط الرجعة

وقد يقع الشر، ويتضخم بالكلام، فيتكلم الرجل بما لا ينبغي له أن يتكلم به، وتجيبه المرأة بما لا ينبغي أن تجيبه به، ويأتي دور الشيطان فيحصل الطلاق.

ولكن الرؤوف بعباده جعل خطوطاً للرجعة لا يجوز للرجل أن يتجاوزها، وكذلك لا يجوز للمرأة أن تتجاوزها.

فمن هذه الخطوط:

لا يجوز للرجل إذا طلّق امرأته أن يخرجها من بيته، وكذلك لا يجوز لها أن تخرج من بيتها.

وأيضاً : تلبس ما شاءت من الثياب، لأن الله يقول:  ” لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا” [الطلاق: 1] لعلها تقع في نفسه فيراجعها(29).

وفي رواية أخرى: المطلقة تعتد في بيتها، وتُظهر له زينتها، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً(30).

وأيضاً : يجب عليها أن لا تترك بيت الزوج، ألم تسمع قوله تعالى: “لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ”[الطلاق: 1].

لقد جاء سبحانه بفعل الأمر ، ومن خالف تعرضّ للعقاب.

وقال الشيخ الجزائري 5: والظاهر من الآيتين والروايات أنه لا يجوز الإخراج والخروج من جهة حقها وحقه، فحقّها السكنى، وحقه بضعها(31) ولهذا لا ينبغي لها ترك الزينة في تلك الحال(32).

وقال الإمام الصّادق (ع): المطلقة تكتحل، وتخضّب، وتتطيّب، وتلبس.

الإحسان

إن الله جل جلاله دعا عباده إلى الإستقامة، وندبهم إلى التسامح، وحثّهم على الإحسان “  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ” [النحل: 90].

قال الطبرسي: الإحسان إلى الناس وهو التفضل، ولفظ الإحسان جامع لكل خير، والأغلب عليه استعماله في التبرع بإيتاء المال، وبذل السعي الجميل(33) والأقربون أولى بالمعروف، لهذا أمر الإمام الصادق (ع) المسلمين بالإحسان إلى زوجاتهم، قال: رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته، فإن الله (عزّ وجل) قد ملكه ناصيتها، وجعله القيّم عليها(34).

وبالإحسان تتلاشى المشاكل. وتُسدُّ الفجوة التي قد تحدث بين الرجل وزوجته.

خلفيات عظيمة

إنَّ الطلاق الذي يحدث بالطرق الملتوية، وغير مستوفٍ للشروط الإسلامية التي فرضها الله جَّل جلاله في الطلاق، له عواقب وخيمة، ذلك أنها ربّما تزوجت، بينما هي في حكم الشريعة لم تَزَل بعصمة زوجها الأول.

أيُّها المسلمون: حافظوا على أعراضكم أن تدنّسوها بالسفاح.

وكلمتنا الأخيرة:

نبتهل إلى المولى جلَّ جلاله أن يأخذ بأيدي المسلمين إلى الزواج، ويمتّعهم بمكارم الأخلاق، ويجنّبهم الطلاق، ليسعدوا دنيا وآخرة.


المصادر:

(1) مجمع البيان: ١٠/ ٢٩.

(2) مسند عبد الرزاق ـ حديث ١٠٣٩١، ويوجد فيه عشرات المصادر.

(3) مجمع البيان: ١٠/ ٢٩، وذكره جل علماء الحديث.

(4) من لا يحضره الفقيه: ٣/٧١١.

(5) الكافي: ٦/٣٩.

(6) من لا يحضره الفقيه: ٤/٧٨٦.

(7) الكافي، باب: ٣٤٣ ص ١١٢٦.

(8) بحار الأنوار: ١٧/٢١٨ (الطبعة القديمة).

(9) الكافي: ٢/٣٤٣.

(10) الكافي، باب: ٣٤٣، ص 1128.

(11) تفسير القمي، ١/٣٥٨.

(12) الكافي: ٥/٣٢٩.

(13) طمح: تطلّع واستشرف، هبّ الفحل: هاج للفساد.

(14) نهج البلاغة، قصار الحكم: رقم ٤١٥.

(15) مجمع البيان: ج ١٠، سورة المجادلة.

(16) من لا يحضره الفقيه: ٣/٩١٠.

(17) من لا يحضره الفقيه: ٤/٤١٦.

(18)  أعيان الشيعة: ١٠/٣١٠.

(19) مجمع البحرين: ٤/٢٦٤.

(20) مجمع البيان: ١٠/٢٩.

(21) شرائع الإسلام: ٣/٣٠.

(22) مجمع البيان: ١٠/٢٩.

(23) آيات الأحكام: ٣/٢٢٠.

(24)  وحتى موضوع (الغضب، والحدة) فقد عالجة الأئمة (ع) بأيسر العلاج ، فقد أمروا المسلمين حين تعتريهم هذه الحالة بتغيير وضعهم، فإن كان الشخص قائماً فيجلس، وإن كان جالساً فليقم، إن هذه الحركة القليلة تطفئ حدة الغضب، وتعيد الأمور إلى مجاريها.

قال الإمام أبو جعفر الباقر (ع): إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار، فأيما رجلٍ غضب على قومٍ فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجلٍ غضب على ذي رحم فليدنو منه فيلمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت [الكافي  ٢/٣٠٢]. وجاء العلم الحديث فقال: يجب على من يغضب أن يعدّ من الواحد إلى العشرة فيزول عنه الغضب، وما ذكره الأئمة (ع) أيسر وأفضل.

(25) مجمع البيان: ١٠/٢٩.

(26) الكافي: ٦/١٣.

(27) تحف العقول: ٢٤.

(28) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال : ٢٨٩.

(29) آيات الأحكام: ٣/٢٢٦.

(30) آيات الأحكام: ٣/٢٢٣.

(31) بضعها: جماعها.

(32) آيات الأحكام: ٣/٢34.

(33) مجمع البيان : سورة النحل.

(34) من لا يحضره الفقيه : ٣/١٢٩.

إغلاق