آفاق معرفية

الخيال العلمي يسبق الزمن

الخيال وسيلة مجانية للخلق والابداع....

بقلم: حسن العاملي(*)

 

الخيال وسيلة مجانية للخلق والابداع. وهي مُتاحة لكلّ إنسان يهدف للوصول إلى رغباته وأمنياته المستحيلة. في الخيال طاقة فكرية هائلة، يمكن استخدامها في العلم والعمل، وهي حافز للتكنولوجيا والتطور.

حينما يسرح الخيال، بلا ضوابط ولا أهداف، يولّد صوراً وأفكاراً عشوائية بعيدة عن الواقع. فخيال الشخص الذي يتصور أسماكاً تتسلق جبلاً، أو أشجاراً تمشي على الأرض، أو أنهاراً تجري في  الصحراء، هو خيال عشوائي يهدر الطاقة ولا يتماشى مع الواقع. مرَّةً يقفزُ من الماضي إلى المستقبل، ومرَّةً أخرى يقفزُ من الحاضر إلى الماضي. وغالباً ما يدور في فلك فكرةٍ واحدةٍ. في المقابل، هناك خيال آخر يُستخدم لأهداف معينة، ويَسدّ حاجات ضرورية. مثل: تخطيط هندسي أو تصميم ميكانيكي أو تنظيم إداري. هذا خيال إيجابي بَنَّاء يلتزم بالمعقول ويصبح ذا قوة فاعلة ومفيدة للمستقبل.

يمتاز الخيال العلمي بأنه يُبنى على أُسُسٍ منطقيةٍ، وبذلك يُلبي للإنسان حاجاته العملية، ويدغدغ رغباته التي تبدو مستحيلة. من أمثلة ذلك:

ـ  في الطبيعة، طيور تطير في الهواء، فلماذا لا يكون هناك «بساط للريح» يطير من مكان إلى مكان آخر؟ في فترة تاريخية سابقة، جاء (ابن فرناس) في الأندلس، وقلَّد الطيران في الطبيعة. وزن أولاً طيراً من الطيور، ثم وزن ريشه، وحسب النسبة بينهما. وفي الخطوة التالية، صنع بدلةً له من ريش الطيور ناسبت وزنه، ثم حاول الطيران بها.

ـ  في الطبيعة أيضاً، توجد نباتات تغلَّف بذورها بجوانح وكرات من زُغب ناعم يحملها الهواء إلى أماكن بعيدة.

ـ  في القرن الماضي، جاء من صمَّم، في أوروبا، منطاداً، ثم طار به إلى أمكنة قريبة. فكان عصر المنطاد هو وسيلة للطيران آنذاك.  بعدهم، جاء الأخوان (رايت) في أمريكا، اللذان حاولا الطيران بنجاح، بدراجة هوائية. ثم، جاء الجيش الأمريكي، وطوَّر تلك الدراجة لتصبح طائرة لنقل البريد. هكذا نشأ الطيران الحديث.

ـ  ومن ظاهرة صدى الصوت، كانت تُسمع عبر الوديان أصوات بعيدة، فجاءت ظاهرة (الشوكة الرنانة) التي تهتز لذبذبات بعيدة. هكذا استُخدمت هذه الفكرة لنقلِ الصوت بأمواج إلكترونية، فنشأ المذياع (الراديو). كذلك استُخدمت إشارات (مورس) الكهربائية لنقل الرسائل برقياً.

ـ  ومن وهج سراب الصحراء، كان المسافر يرى، من بعيد، مدناً وجبالاً وبحاراً وأشجاراً وحيوانات، تتشكل فوق الرمال، هي من وحي خيال الرائي. هذه الظاهرة ولّدت فكرة نقل الصور إلكترونياً من مكانٍ إلى مكانٍ آخر. وهكذا نشأ التلفزيون الذي ينقل الصور، حسب هذا المبدأ.

ـ  لأرضنا قمر جميل معلَّق في السماء، يدور حولها بفعل الجاذبية بانتظام. فلماذا لا تدور لنا أقمار صغيرة حول الأرض، لتنقل رسائلنا الإكترونية إلى أماكن بعيدة؟ وهو ما حصل عند استخدام الـ internet.

ـ الطبيعة تدلّنا بزلازلها الخفيفة على المكونات العميقة داخل الارض. فلماذا لا تُستخدم الإهتزازات الإصطناعية  (seismic) لاكتشاف آبار البترول؟ وهو ما حصل.

ـ  الصعود إلى القمر، في أوائل القرن الماضي، نشر أحد الكتّاب الروس رواية تخيَّل فيها شخصاً يسافر إلى القمر بمركبة فضائية. لم يخطر على بال كاتب الرواية أو لأي من قُرَّاء تلك الرواية، إن ذلك الخيال سيتحقق في المستقبل. وفي أواسط القرن العشرين، وصل رواد الفضاء إلى القمر، ثم رجعوا إلى الأرض سالمين. أليس هذا أروع ما تحقق من الخيال العلمي؟

ـ المدينة الفاضلة، منذ أكثر من ألفي عام، تصّور أفلاطون (جمهورية فاضلة)، تنشأ في المستقبل. في تلك الجمهورية، لا يوجد فيها فقر ولا ظلم ولا جريمة ولا فساد. الناس فيها سُعداء والعدالة تعمُّ الجميع. حُكّامها عُلماء وحُكماء، وهم فوق الشُّبهات. كان ذلك التصور مجرّد أمنية في خيال افلاطون. كذلك كتب الفارابي عن (مدينة فاضلة) تَنشأ في المستقبل، وتتحقق فيها العدالة.

في القرن الماضي، أُنشأت (مدينة فاضلة)، في بقعة صحراوية نائية، إسمها (فهود)، في الربع الخالي، من سلطنة عمان. في تلك الصحراء الواسعة الشاسعة، لا يوجد فيها أثر للماء، ولا لنبات أو لحيوان. سماؤها صافية بلا سحب أوغيوم حرارتها عالية جداً وفي جبالها الرملية الناعمة، عجب وإعجاز. من يشاهدها من الجو يراها مقطعة بعناية وانتظام، إلى قطع هندسية متشابهة. هي تزحف فعلاً، وتمشي مصفوفة بخطوات متزامنة، كجيش نطامي. أحياناً، تهدر بأصوات عالية مخيفة، وأحياناً تولول بلطفٍ ورِقّةٍ. هذه الظاهرة الفريدة في العالم، تحدث بآلية طبيعية تماثل (هدير قوقعة البحر).

في أطراف تلك الصحراء، تقع تلك (المدينة الفاضلة). فيها كلُّ ما يوفر للانسان الراحة والأمان: من كهرباء وماء وحدائق وملاعب ومكتبات وفنادق ومطاعم. لا يوجد فيها شرطة مرور، ولا تحصل فيها حوادث سير. جميع الخدمات فيها مجانية، ولا يحتاج من يسكنها إلى نقود، ولا توجد فيها حوانيت. من يمر بها، لا يُسأل عن اسمه ولا عن هويته، «حتى لو كانوا خمسين شخصاً مع مركباتهم. إقامتهم تتوفر في منازل وفنادق ومطاعم مجانية، وعند مغادرتهم يزودون بصفائح وقود مجانية».

هي في النهار، واحة من صنع الخيال، وفي الليل، هي لؤلؤة تشعًّ بالأنوار، كأنها نزلت من كوكب آخر. لا يوجد فيها أحزاب، ولا محاكم، ولا صحف محلية. سُكّانها رجال فقط، ولا يوجد فيها نساء ولا أطفال. إنها مدينة أنشأتها شركات البترول العاملة في الصحراء، للتواصل السريع وتنسيق الأعمال بينها.

الخيال العلمي حافز للمستقبل: مع كل نَفَس نستنشقه، يومض في أذهاننا برقٌ من الخيال. ومع كل عمل أو حركة نقوم بها، يترافق معها خيال. أما الخيال العلمي، فيتطلّع دائماً لبناء المستقبل. ما ذُكر آنفاً من إنجازات ووسائل كانت في حينها، ضرباً من الخيال، ثم أصبحت مألوفةً في أيامنا. ذلك كان في الماضي. فهل يمكن استخدام الخيال لتحقيق رغبات تبدو مستحيلة في زمننا الحالي؟ يبدو أن عقل الانسان لا يعجز عن ذلك. فالتكنولوجيا جاهزة دائماً لتحقيق أية فكرة قابلة للتطبيق. ومنها الأمثلة التالية:

1 ـ نقل الكهرباء بلا أسلاك: في المستقبل، يتوفر في الأسواق (جهاز لاقط)، يستقبل طاقة كهربائية من محطات التوليد مباشرة، وبلا أسلاك. هذه الطاقة هي نفسها التي نستخدمها في بيوتنا ومواقعنا كما اعتدنا عليها سابقاً. بهذه الوسيلة نستغني عن مد الأسلاك، وتؤمن للمستهلك، طاقة فورية رخيصة، وبلا جهد.

2 ـ الاستحمام بلا ماء: يمكن للمستحم، في المستقبل، أن يدخل إلى الحمام، في الداخل، تيار من الهواء الساخن المضغوط. وبعد بضعة دقائق من الاستحمام في ذلك الهواء، تنظف الأجسام بلا ماء، ويستغني عن المنشفة، وعن إضاعة الوقت وهدر الماء.

3 ـ الهوية في الدم: في المستقبل، لا يحتاج الانسان إلى أوراق شخصية ثبوتية، مثل جواز سفر أو ورقة هوية أو شهادة ميلاد. بدلاً من ذلك يُحقن المولود بسائل مبرمج  يحوي معلومات كاملة عن اسمه وهويته وتاريخ ميلاده… تلك المعلومات تبقى في جسمه طوال حياته، وبعد مماته. وحينما يمر ذلك الشخص من خلال (جهاز كاشف)، تظهر تلك المعلومات، دون الحاجة لسؤاله. وحينما يرتكب جريمة، يُحقن جسمه بسائل كاشف. فاذا مرّ من خلال (جهاز كاشف)، أكان حياً أو ميتاً، تظهر تفاصيل تلك الجريمة، دون الحاجة للتحقيق معه. وفي الوقت ذاته، لا يحتاج إلى شهود أو إلى (سجل عدلي) لإثبات براءته أو الاعتراف بجريمته.

4 ـ الحذاء الذكي: الرياضي الذي يهوى سباق الركض، أو الصياد الذي يجول في الجبال والوديان، أو الماشي مسرعاً إلى هدفه، لا ينتبه إلى يمينه أو إلى شماله، ولا إلى الزمن الذي قضاه، بل يهتم بتحقيق هدفه. بعضهم يحمل ساعةً لحساب الوقت، والبعض الآخر يكون مستعجلاً للوصول إلى مقصده، دون أن يعد خطواته التي مشاها.

في كعب الحذاء الذكي، عداد يسجل كل خطوة يخطوها على الأرض. وعلى جانب كل فردة حذاء، توجد كاميرا تسجل، صورة جانبية للطريق، عند كل خطوة. لاحقاً، يمكن استرجاع تفاصيل تلك الجولة بالصورة والعدد، من الحذاء نفسه.

5 ـ الكتاب الناطق: إنَّه كتاب عادي، يمكن قراءته. لكن ورقه يَنطق كلما أمررنا إصبعنا على سطر من سطوره. كذلك يمكن أن نجد في المكتبات، ورقة بيضاء ذات عنوان واحد. وكلما أمررنا إصبعنا على سطر من سطورها، نسمع مقاطع من أغنية متداولة، أو نبذة من قصة مشهورة.

6 ـ المرآة السحرية: إنَّها مرآة ليست مثل كل المرايا التي عرفناها. لها وجهان. أحدهما، الوجه الذي تعودنا رؤيته قي كل العصور. أمّا سطح الوجه الثاني، فهو مموج. يمتاز بتحريك الصور الجامدة إلى صور تتحرك. فإذا عرضنا أمامها مثلاً، صورة شخص يركض، نراه يستمر في ركضه. أو صورة طائر يطير في الهواء، نراه يستمر في طيرانه. أو صورة رجل يسبح في الماء، نراه يستمر في السباحة. أو صورة رجل يسكب الشاي في قدح، نرى الشاي يستمر في الانسكاب. هذه المرآة تعمل كما لو أنَّها سطح ماء يترقرق، فيحرك الصورة التي يعكسها. فإذا نظر أحدهم إلى صورة وجهه على ماء يترقرق، يراها صورة تترقرق. أو من يرسم صورة على قطعة قماش، يراها تتحرّك مع الريح. أو كعَلَمٍ يرفرف فوق المباني.

7 ـ الفحوصات المخبرية: عودنا الأطباء أن يطلبوا من مرضاهم فحوصات مخبرية متعددة، وبكلفة عالية، ووقت ضائع. في المستقبل، يقف المريض أمام (كاشف آلي) لبعض الوقت، بينما هو يكشف التحاليل المطلوبة، دون أن يمسَّ الجسم، وبكلفةٍ معقولةٍ وسرعةٍ.

8 ـ إبريق الشاي صاحب الضيافة: في أسواقنا الحالية، نجد إبريقاً يُسخِّن الماء بواسطة الطاقة الكهربائية. في المستقبل، هو ذات الإبريق يُسخِّن الماء أيضاً، ولكنّه يُسخِّنه طبقاً لبرنامج، يراعي مواقيت الصلاة، أو لتسخين وجبات الطعام في أوقاتها.

9 ـ الطرق الرئيسة، تمشي بين المدن، بدلاً من المركبات: في المستقبل، يتأمن السفر بين المدن بأدق حدود السلامة، وبأقل كلفة في المحروقات. في البدء، يتوجّه المسافر بسيارته إلى الطريق العام. ثم يتسلق طريقاً معدنياً، يحمل آلاف المركبات، ويسير بسرعة. بعد ذلك، يطفئ السائق محرك سيارته ويتركها محمولة على الطريق. خلال تلك الرحلة، يتمتع السائق بكامل حريته. فلا يراقب المركبات التي على يمينه أو على شماله، بل يتحدث مع الركاب، أو يسمع الموسيقى أو يقرأ جريدة. على ضفتي هذا الطريق، هناك محطات جانبية للتنزه أو التوقف الاضطراري. وحينما يصل المسافر إلى مشارف مدينته، يجهز سيارته للانفصال عن ذلك الطريق، ويتوجَّه إلى حيث يريد. بهذه الوسيلة، لا تحصل حوادث سير، ولا ازدحام مرور، ولا أجهزة لمراقبة السرعة. إضافةً إلى ذلك، لا يحصل هدر في المحروقات، ويتوفر الأمان حتى في ظلام الليل.

10 ـ حقل تجارب الأحياء:  ربما يحتاج باحث في علم الاحياء، إلى تكبير حصان مثل حجم الفيل أو تصغيره حتى حجم فأرة. يتم ذلك، في المستقبل، بحقن المولود الجديد بسائل مبرمج لتلك الغاية. بمثل تلك الطريقة، ربما يكبر ميكروب أو جرثومة إلى حجم سمكة، لتسبح في حوض من الماء، وتخضع لمراقبة سلوكها.

11 ـ صيدلية الطبيعة: تعوّدنا في حياتنا أن نجد بعض الفيتامينات في الخضار أو في الفاكهة أو في الزيوت أو في الجوز واللوز. فلماذا لا تكون هناك فواكه وخضار مُهجّنة وراثياً، لتحمل بعض الأدوية الشائعة؟ وبدلاً من أن يذهب من يشتكي من ألم طارىء أو عارض آني، إلى الصيدلية، يذهب إلى سوق الخضار. هناك يجد الطماطم مهجناً بالأسبرو، والبرتقال مهجّناً بالبندول، والتفاح مهجناً بالمضاد الحيوي…. بمثل هذه العملية يوفِّر الوقت والمال.

كذلك، يمكن تهجين الأشجار والمزروعات وراثياً، لتحمل مواد عطرية تبعد عنها الحشرات والطفيليات، بدلاً من رشها بالسموم والمبيدات.

12 ـ جهاز التلفزيون من المكتبة: عندما ندخل، في المستقبل، إلى المكتبة لشراء جريدة أو كتاب، نشتري أيضاً ورقة بيضاء لمحطة تلفزيون واحدة. في ذيلها وصلة كهربائية. وفي البيت، نعلقها على الحائط ثم نوصلها بمصدر كهربائي. عندئذ تصبح شاشة تلفزيون لعرض صور تلك المحطة.

13 ـ ساعة المعصم في ضيافة المائدة: كلهم جلوس حول مائدة، وفيها طعام وشراب مختلف. الكل يأكل ما يشتهي. لكن أحدهم يتردد في اختيار ما يلائم صحته. هو يحمل (ساعة بيولوجيه) على معصمه. وكلما تذوق صنفاً من الطعام، نظر إلى ساعته. هي بدورها تشير له، أحياناً بـ (نعم) وأحياناً بـ (لا). ومرة ثالثة بـ (نملا)، أي « نعم ولا»، حسب نوع الطعام الذي تذوقه. بهذه الساعة، يحمي الضيف جسمه من مضاعفات السكري والدهون والكوليسترول وكل ما يعلّي الضغط أو يعكِّر المزاج. كذلك تُجنِّبه الذهاب إلى الطبيب وتوفِّر له الوقت والمال.

14 ـ مسح الكون كله بدقيقة واحدة:  بعض الخيال العلمي يستعصي تطبيقه على الواقع، لكنه يحدث أمامنا يومياً، على الأرض: من ذلك منارات إرشاد السفن في البحر، أو الطائرات في الجو، التي تُبنى على السواحل أو في المطارات. من أعلى قمة تلك المنارة، تشع حزمة ضوئية قوية تدور على الآفاق، فترسم دائرة على سطح البحر أو على سطح الأرض، بدقيقةٍ واحدةِ. ولو أُتيح لتلك الحزمة الضوئية أن تمتد بعيداً، فستغطي مساحات واسعة شاسعة من البحر أو في الجو. هذه الحزمة الضوئية التي تكنس سطح الأرض بدقيقة واحدة، تستطيع أن تكنس الكون كله بدقيقةٍ واحدةٍ، أيضاً .

وبدلاً من ضوء المنارة، نمدد عقرب  الثواني الذي هو على سطح ساعة، إلى «ما لا نهاية». عندئذ يصبح الكون كله داخل دائرة الدقيقة الواحدة. كذلك، تصبح سرعة نهايته، آلاف المرات أضعاف سرعة الضوء. وإذا انطلقت إشارات من نهايته، تصلنا بعد مليارات السنين. بذلك يصبح  زمن الدقيقة الواحدة على أرضنا، مليارات الدقائق في الكون الشاسع.

15 ـ نسخ المادة: لدينا فنجان واحد صغير وجميل. نريد في المستقبل، إهدائه إلى ثلاثة أو أربعة أشخاص. يوضع الفنجان في (جهاز ناسخ) لينسخ عدد الفناجين المطلوبة. ثم نوزعها على الأصدقاء. وفي خيار آخر، نرسل إلى أحد المعامل نسخة إلكترونية عن شكل ومركبات ذلك الفنجان، لإنتاج المزيد منه.

16 ـ نقل المشاعر والعواطف بالهاتف: إعتاد الناس أن يتواصلوا مع زملائهم وأصحابهم بصوت الهاتف. أما إذا كان في الكلام المباشر ما يزعج أو سيئ أو يثير العواطف أو يفجِّر المشاعر، فيتردد المتصل بإيصاله مباشرة. في مثل تلك الحالة، يضع الشخص سماعة الهاتف على رأسه، فيبادر الطرف المقابل بوضع سماعته على رأسه أيضاً. بهذه الوسيلة، يتم التواصل وتبادل المشاعر والعواطف والأفكار. كذلك يتفادى المتصل، الإحراج وجهاً لوجه.

17 ـ نقل برج أو منارة من مكان إلى مكان آخر: رغم أن هذه المقولة تبدو غريبة ولا تُصدَّق، إلّا أنَّها حدثت في وسط العاصمة اللبنانية ـ بيروت، قبل حوالي 40 سنة. ففي (ساحة النجمة)، حيث يقع البرلمان، يوجد برج، في أعلاه ساعة. ولسببٍ ما «البحث عن الآثار»، نُقل البرج بكامله من مكانه ثم نُصب في ضاحية تبعد عدة كيلومترات عن بيروت. بعد سنوات، أُعيد تركيب ذلك البرج ثانية، في مكانه الأصلي. ولا زالت ساعته تعمل حتى الآن، كما كانت سابقاً.

آلية ذلك بسيطة وعملية: في الخطوة الاولى، تُهدَّم أحجار المنارة او البرج، من الأعلى إلى الأسفل، وتُرقَّم بالتسلسل حسب مواقعها. في الخطوة الثانية، تُنقل تلك الاحجار إلى المكان المقصود. في الخطوة الثالثة، تٌركب تلك الأحجار، حجراً فوق حجرٍ، من الأسفل حتى الأعلى، وبعكس التسلسل السابق، فيستعيد البرج بنيته وشكله الاصلي.

18 ـ طاقية الإخفاء: يتصور الخيال الشعبي شخصاً يلبس على رأسه (طاقية للإخفاء)، ثم يختفي فوراً عن الأنظار. هو يراهم ويسمع كلامهم ويلمسهم ويفهم تصرفاتهم ويحس بمشاعرهم. لكنهم لا يرونه ولا يسمعونه ولا يلمسونه. إنه بينهم يتحرك كالهواء. هذا في الخيال. أما في الطبيعة، فيحدث اختفاء المادة عن النظر، حينما تكون شفافة (100%). عند ذاك تمرر الضوء ولا تعكسه. وكل شفاف يلبس طاقية للإخفاء. ومن يمشي في العراء، لا يرى الهواء. ومن ينظر من خلال زجاج نافذة نقية، لا يراها، بل يرى ما وراءها. ومن ينظر إلى قدح زجاجي صاف، لا يرى الماء الشفاف في داخله. ومن يلبس نظارات للقراءة، يرى الكتاب ولا يرى عدسة نظارته. وكلنا ننظر بعيوننا إلى ما حولنا، ولا نراها، فكأنها جميعها لبست طاقية للإخفاء!

في جسم الإنسان، دماغ يلبس (طاقية إخفاء). هو يرى ويسمع ويلمس ويشم ويتذوق ويحس ويتخيل ويحسب ويقيس ويحب ويكره، ويأمر كأنه سلطان، لكنه لا يرى نفسه ولا يحس به ولا يشعر بوجوده. فهو شفاف لا يصله ضوء. فكأنه يلبس طاقية للإخفاء!

في الطبيعة، حشرات طائرة، لها أجنحة رقيقة بيضاء، لا ترى بسهولة. جسمها شفاف بالكامل، عدا عيناها وأواسط بطنها. هي تلبس طاقية إخفاء، لتبعد الأعداء عنها. فهل يمكن للإنسان، مثلاً أن يشرب سائلاً مبرمجاً لتصبح عضلات جسمه شفافة، مثل تلك الحشرة؟

في عالمنا الاجتماعي، تحدث هذه المقاربة لكل إنسان يجد نفسه مهجراً أو نازحاً إلى بلد بعيد. فهو لا يعرف لغة أهل البلد، وهم لا يفهمون لغته. هو يسمعهم ويلاحظهم، ولكنهم لا يسمعونه ولا يلاحظونه. فيعيش وحيداً دون أن ينتبه إليه أحد، فكأنه لَبِس طقية للاخفاء! هذه التجربة يشعر بها من عاناها وحيداً وقسراً في بلد غريب.

19 ـ الرؤية: الخيال القسري: الخيال يحدث دائماً، بوعي وإرادة المتخيل نفسه. أما (الرؤية)، فهي إلهام وتخيّل لا إرادي، حيث يحس الشخص أو (يشاهد) أحداثاً قبل أن تقع، وبلا إشارات. كمثل من يحس فجأة أن (فلاناً) قادم نحوه. بعد فترة قصيرة، يجد من طرق الباب هو ذلك (الفلان) ذاته. المثل الشعبي اللبناني  يسجل هذه الظاهرة بقوله: «أذكر الذيب وهيِّر القضيب». بمعنى إذا تذكرت الذئب، فأحضر العصا فوراً، لأنه سيظهر أمامك. هذه الظاهرة، يعجز العلم عن تفسيرها.

20 ـ إرجاع الزمن: يجري الزمن إلى الأمام، كنهر بانتظام. سيلانه لا ينقطع وماؤه لا يُحفظ في إناء. رغم ذلك، فقد كُتبت كثير من القصص، ومُثِّلت حلقات تلفيزيونية عديدة عن إرجاع الزمن إلى الوراء. لكنَّها بقيت ضمن الخيال المجرّد. الزمان والمكان أخوان لا يفترقان. فالزمن المحدد يسجل في مكان محدد. والمكان المحدد، يظهر الزمان الذي غيَّر بنيته. فتغيَّر المكان وحركته يشير إلى الزمان. وتغيَّر الزمان يترك أثره على المادة والمكان ويلتصق بهما. فالشِّق الذي نراه على حجر مكسور، يشير إلى زمان كسره. وثمار الشجرة التي نأكلها، تشير إلى يوم  شبابها. والتجاعيد التي نلمسها على ورقة ملساء، تشير إلى زمن تجعيدها.

الإنسان يعرف ويدرك استحالة إرجاع الزمن إلى الوراء. إلّا أنَّه يستعين دائماً بالشعر وأدب الروايات، ليبكي على الأطلال القديمة، أو يتمسّك بأثر الحبيب الغائب، أو بتراب من رحل عن هذه الدنيا. من الناس من يجمِّد الزمن ويعلِّبُه في (أيقونة)، ويحملها في جيبه، أو يعلّقها على صدره، أو يلفّها على معصمه. هي تمده بطاقة روحية وتوحي له بذكريات جميلة أو موقف مؤثر.

من محاولات إرجاع الزمن في الخيال العلمي: جرى تصوير رجل يسبح في مسبح. في البدء، وقف الرجل على منصة عالية، ثم قفز على بركة السباحة. فلامس سطح الماء أولاً،  ثم اهتز الماء بأمواج متتابعة. في النهاية، غاص الرجل واختفى تحت الماء. ولما عُرض شريط التصوير مقلوباً، ظهر رجل من تحت الماء. ثم تحرك سطح الماء بأمواج متتابعة. ثم طار رجل في الهواء. وأخيراً حطَّ على منصة السباحة. جميع تفاصيل هذا المشهد واقعية، وكذلك دقة التصوير. لكن إعادة المشهد رجوعاً إلى الوراء، أنتج ظاهرة غير واقعية. فكأن إرجاع الزمن إلى الوراء، يدخلنا إلى عالم غير عالمنا الذي نعيشه. بل إلى عالم لا نعرف عنه شيئاً. أكثر الناس يسترجع صورة الزمن الماضي بالتذكُّر والتخيًّل والذكريات. البعض الآخر يستخدم تداخل الأزمان الماضية والحاضرة والمستقبلة، كتعويضٍ عن إرجاع الزمن إلى الوراء.

بعكس الاعتقاد الجازم لدى البشر، إن الزمن لا يمكن إرجاعه إلى الوراء. إلَّا أن هذه الظاهرة تحدث فعلاً في الطبيعة. نلمس ذلك حينما ننظر في ليلة ظلماء، وفي سماء صافية إلى الفضاء، فنرى  المجرات البعيدة، التي انطلق نورها قبل ملايين السنين. والمجرة التي تنفجر الآن أمام أعيننا، كان انفجارها منذ ملايين السنين. نحن جميعاً مع الأرض والمجرات، نعيش في الزمن الماضي. فالمستقبل لم يأتِ بعد.

والحاضر قد مضى في هذه اللحظة. مع أن الزمن الملموس هو الماضي فقط، لكنَّ العلم يعجز عن إرجاع الزمن وتقليد القدرة الالهية، سبحانه وتعإلى.

في قصة أهل الكهف، في القرآن الكريم، جرى تصوير اختلاط الزمن الماضي بالحاضر، بالقدرة الإلهية.

(*) مهندس، عضو في معاهد الهندسة البريطانية، مدرِّب تقني، كاتب ومترجم.

إغلاق