عقيدة

القرآن عالم آمِنٌ تسوده القِيَم والعدالة (الجزء الثاني)

215-216

بقلم: د. زهير بيطار

 

في الجزء الأول من البحث أظهرنا كيف تُنتهك القيم الإنسانية على مرّ التاريخ  وخطورة العقائد البشرية أو الدينية المحرّفة التي تُنتج تلقائياً انتهاكاً للقيم بما تُنتجه من مفاهيم فاسدة وبحكم إغلاقها النقاش ومحاسبة الضمير لأنها تُرجع الأفعال الجرمية ضد الآخر إلى الإرادة الإلهية.

وفي هذا الجزء الثاني، سنوضح الأُسس القرآنية والنبوية والقيم التي طالما تشوّقت إليها البشرية وفي تكامل مع معطيات الجزء الأول يكون قد اتَّضح للقارئ كيف أن القرآن يقدِّم للبشرية العالم الذي تسوده القيم والعدالة.

التساوي بالقيمة الإنسانية:

” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”   [الحجرات: 13].

وفي هذا منتهى المساواة بين الناس جميعاً بغض النظر عن الجنس نساءً أو رجالاً أو شعوباً أو أعراقاً، فالناس جميعاً متساوون في القيمة الإنسانية، وهم أمام الله متساوون في الاعتبار والقيمة، والأكرم في اعتباره هو الأتقى.

ومعنى التقوى كبير جداً، يستبطن الصلاح في الباطن والظاهر، فصلاح النيّة والوجدان، وصلاح السلوك.

وفي هذا ترسيخ لكلّ القِيَم الإنسانيّة، والأخلاق القويمة في كل مستويات حياة الفرد والجماعة، بجعل الوجدان والسلوك منسجماً معها تحقيقاً لمعنى التقوى في سبيل الحصول على رضى الله تعالى، الذي جعلها سبيل التفاضل بين الناس عنده.

والتعاليم النبويّة الشريفة ترسّخ هذا المضمون، فمن المرويّ: «النّاس سواسية كأسنان المشط».

هذه القاعدة الإسلامية تلغي التمايز بين البشر، فالناس كلهم متساوون في المبدأ من زاوية القيمة الإنسانية.

ولا يكون لأحد فضل على غيره إلّا بالتقوى، «لا فضل لعربيّ على أعجمي ولا أبيض على أسود إلّا بالتقوى».

ومثل هذا الكلام لا يحتاج إلى تعليق، فهو يخبر عن سموّه الحضاري، وهو ترجمة للمبدأ القرآني السالف الذكر، الذي يلغي أي وجه من وجوه التمييز العنصري، بين البشر، خلافاً لعقيدة الشعب المختار وإقصائيّة التكفير.

الخير والنفع لكلّ البشر:

إنّ الإسلام يجعل النفع للخلائق جميعاً بشراً وغير بشر من الأسباب التي تحبب إلى الله، فلقد قال النبي (ص): «الخلق كلهم عِيال الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله، فلقد جعل جميع المخلوقات عيالاً على الله فهو المتكفل بهم جميعاً بشراً وغير بشر، لأنه هو رب العالمين، ويؤكد هذا قوله تعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا” [هود: 6].

وهؤلاء العيال جميعاً، أحبّهم إليه الأكثر نفعاً لهم، وفي هذا توجيه للمسلم في أن يحقق النفع بكل أوجه الخير ليس فقط للمسلم، بل لكلّ الناس بغضّ النظر عن دينهم وعرقهم، بل ولكلّ الأحياء.

حرمة الظلم والطغيان، وترسيخ العدل بين الناس:

إنّ من الأهداف الرئيسية للرسالات السماوية، كما نفهمه من القرآن الكريم هو منع الظلم ورفعه من الأرض، وإحلال العدل في العالم.

” لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ “[ [الحديد: 25].

فالميزان هنا هو المعيار الذي يقيم القسط ويرفع الظلم عن الناس وهو الشريعة، وهذا الأمر مقارن للكتاب وملازم له في أسباب نزول الوحي وبعث الأنبياء.

” وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ “[ [النحل: 36].

فالطاغوت كلّ ما يطغى على الإنسان فيستعبده من إنسان أو صنم أو شهوة أو إبليس فيجعله يطغى على الناس ويظلمهم. وهذا الاقتران في هذه الآية الكريمة بين عبادة الله وتوحيده واجتناب الطاغوت يستبطن أنّ الاجتناب المطلوب مقارن للتوحيد الصحيح.

” وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى” [المائدة: 8].

” وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ” [هود: 113].

” إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” [الشورى: 42].

هذا وإنّ عقيدة المخلّص في الأديان السماوية والمتمثلة بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الإسلام تظهر الارتباط الوثيق بين بعث الأنبياء وإحلال العدل والقسط على الأرض، وأنّ العدل والقسط هو الهدف النهائي الذي يراد تحقيقه للبشر بهذا الخط الإلهي الممتد من آدم إلى قائم آل محمد (ص). ففي قضاء الله المحكم وتدبيره المنظم أنه يظهر الإمام قائم آل محمد (ص) في آخر الزمان يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً حيث يستأصل طواغيت الشرّ ويدكّ حصونهم ويظهر الدين الحق المحقق للعدل والقسط بعد تحريفه وإخضاعه لأهواء البشر التي ملأت الأرض ظلماً وجوراً، فتتم كلمة ربك (عزّ وجل) “لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ”[التوبة: 33].

الحقوق الفطرية للإنسان والحق في العيش الآمن:

لقد أصبح واضحاً أنّ قيَم الخير من التعاليم الإسلاميّة ليست موجّهة فقط إلى المسلم أو العربي دون الآخرين باختلاف أديانهم وأعراقهم. وناحية عدم التمييز الديني واضحة جداً في التعاليم التي صدرت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهو الوصيّ الأول لرسول الله محمد (ص)، في عهده إلى مالك الأشتر حين أرسله والياً على مصر في خلافته، هذه التعاليم التي سميت عهد الأشتر، وتضمّنت كثيراً من قواعد المجتمعيّة الإنسانية الراقية ومنها قوله له: «واعلم أنّ الناس منك أحد اثنين، إمّا أخ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق» فهذه العبارة الأخيرة «نظيرٌ لك في الخلق» تعني أنّ اختلافه في الدين عنك. لا يخرجه عن إنسانيّته، وحقّه في الاعتبار الإنساني، وفي التعامل معه بموجب مقتضياتها. ومعنى النظير؛ المماثل والمعادل، وهذا يملي حتماً أن له الحق في الحقوق الفطرية للإنسان من حرية الاعتقاد والأمن على نفسه وماله وعرضه.

وفي المأثور عن علي (ع) قصة درعه الذي أخذه اليهودي، وكان علي (ع) في ذلك الوقت الخليفة وبيده السلطة، لكنه تعامل مع اليهودي من منطلق العدالة ومقتضياتها التي تقتضي أن يحتكم معه إلى القضاء الذي لا يحكم بالإدانة إلّا بالبيّنة، فعلى الرغم من أنّ علياً يعلم أنّ الدرع هي درعه التي افتقدها، فإنه لم يجبر اليهودي على ردها إليه، بل ترافع معه إلى القضاء وجلسا معاً أمام القاضي، ولـمّا خاطب القاضي علياً (ع) ووصفه بأمير المؤمنين، نهاه عن ذلك وقال له تدعوني باسمي كما دعَوتَ الخصم وذلك لأنهما أمام القضاء متساويان، ولكي يتعلم أن لا ينطلق في حكمه من حقيقة أنه الخليفة، بل أن ينطلق من حكمه من واقع أنه مدَّعٍ كأيّ واحد من الناس. ثم لـمّا أنكر اليهوديّ أن تكون الدرع لعلي (ع)، وسأله القاضي عن الشهود والبيّنة التي تثبت أنّ الدرع درعه، قال علي (ع) أن ليس لديه شهود ولا بيّنة، وهكذا خسر علي (ع) ـ وهو الخليفة ـ الدعوى ضد اليهودي.

هذا النمط الحضاري من السلوك يعني أنّ العدالة من حق الناس جميعاً، فرغم أنّ علياً يعلم أن الدرع درعه وبيده السلطة، فإنه التزم بضرورات العدل الذي يقضي بأنّ الحكم على المدّعى عليه بالإدانة يحتاج إلى شهودٍ وبيّنة، حتى لا يتحكّم الأقوى بقوّته في الفصل في المنازعات، كما التزم بمقتضيات المساواة بين الناس حيث أوجب على القاضي أن ينعته باسمه دون صفة أمير المؤمنين بالتساوي مع اليهودي الذي خاطبه باسمه كذلك.

هذا السلوك المرسّخ لمبدأ العدل ومبدأ المساواة، كان من أمير المؤمنين (ع) رغم أن الشخص المعنيّ هو على غير دين الإسلام، فاختلاف دين هذا الرجل لم يحرمه من حقّ التعامل معه حسب مقتضيات إنسانيّته، وبموجب قيم الخير الإنسانيّة، التي هي حسب المفهوم الإسلامي لا دين لها ولا لون ولا عرق.

Holy koran

العلاقات الإنسانيّة والأممية قائمة على التفاهم لا الاحتراب:

هنا نعود مرّة أخرى إلى قوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”   [الحجرات: 13].

هذا النصّ المقدّس شرع أسس العلاقات بين الشعوب على اختلاف الأعراق والمعتقدات من قوله يَا أَيُّهَا النَّاسُ . في خطاب شامل لكل البشر، فإضافة إلى تقرير مبدأ المساواة الذي ذكرناه سابقاً ومبدأ التفاضل بالعمل الصالح (التقوى) فإنه فوق ذلك جعل اختلاف الأعراق والشعوب الذي هو أمر واقع كما سنرى بعد حين، يقارب بالتعارف، الذي لا يعني تعرف البعض على أشكال البعض الآخر، لكن يعني تفهم البعض للآخر، تفهم معتقداته وثقافته وعاداته ومصالحه ومخاوفه وآماله وآلامه، أي الحوار الإيجابي السلمي بين الأمم والتفاعل الثقافي على أساسٍ من المساواة والاحترام المتبادل والتنافس في إشاعة الخير وتعميم النفع للناس بما يتضمنه معنى التقوى ومعنى قول رسول الله (ص): «الخلق كلّهم عيال الله وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله».

هذا النمط من التفاعل بين بني البشر جعل الاختلاف سبباً للتفاهم وليس سبباً للاحتراب والعدوان واستقواء شعب على شعب، وقهر القويّ للضعفاء، كما نرى في عالمنا اليوم بل وعلى مدى القرون السالفة.

فالإسلام الذي ربط القيَم الإنسانية بإرادة الله، وقدّم الأساليب الناجحة لترسيخ الإيمان بالله في وجدان الفرد والجماعة مع ما يرتبط به من قيَم ومفاهيم ومبادئ راقية تخدم سلام البشرية كما سبق إيضاحه، وجعل الاختلاف بين البشر سبباً للتفهم والتفاهم، على أساس تلك القيم لا الاحتراب والعدوان، يقدّم للبشريّة نموذج الوجود البشري القائم على العدل والأمن والقيَم الإنسانيّة لكل الناس وهو ما تتوق إليه البشرية على الدوام ويقدم النموذج الواعد لمستقبل البشرية القلقة التي تعيش الظلم والعدوان والخوف وسفك الدماء بلا وازع ولا محاسب على يد طغاةٍ يحكمون العالم ويستغلون خيراته ويجوّعون ملايين البشر.

الاختلاف بين البشر أمرٌ واقع يجب أن يقابل بالتفهّم لا الاحتراب:

فالله تعالى يقول: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” [المائدة: 48].

فلو شاء الله لجعل الناس أمّة واحدة لكن يريد أن يبلونا فيما آتانا، فلا يبغي بعضنا على بعض، ولا نجعل الاختلاف سبباً للاحتراب والعدوان، بل سبباً للتحاور السلمي والتنافس في فعل الخير فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وتعميم الخير على الناس وعدم حجب النفع عن الآخرين الذين يخالفونا وحساب الأمم يوم الحساب مبني على من هو أكثر نفعاً وأصلح عملاً.

حرمة النفس البشريّة:

هذا العالم القائم على العدالة والمساواة والتفاهم بين البشر، والتنافس في إنتاج الخير والنفع لكل الناس، حتماً هو عالم آمن لسكانه يأمنون فيه على أنفسهم ومستقبلهم ولا يعيشون القلق والخوف والاضطهاد، وترسيخاً للأمان المتبادل بين بني البشر قد أعطى القرآن الكريم للنفس البشرية في المطلق حرمةً وقدسيّة، فحرّم قتل النفس وجعل قتل نفس كقتل الناس جميعاً ” مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ” [المائدة: 32].

فانظر إلى قوله (النفس) على نحو مطلق دون تقييد بصفة من لون أو عرقٍ أو حتى دين.

هذه القاعدة المقدّسة الإلهية هي مدماك عظيم من المداميك الحافظة لأمن البشر.

وتأسيس العالم الآمن الذي يتوقون إليه لو أقاموا على الطريقة على منهج القرآن الكريم، وانظر في المقابل إلى قوله:وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا كيف أنّ هذا حافزٌ قدسي للناس لتقديم النفع والخير للآخر، وعدم احتكاره لنفسه وجماعته.

وحرمة النفس البشرية في المطلق التي قرّرها القرآن الكريم في منظومة عقائدية تشريعية رسّخ جذورها في الوجدان الفردي والجماعي على نحو ما سبق بيانه، ترفع من الضمانة التي منحها للقيَم الإنسانية، وتحصّن نمط العلاقات الإنسانيّة القائمة على التفاهم وتبادل الخير العام، بحرمة قتل النفس البشرية، فلا يحق لأحد ـ فرداً كان أو أمة ـ أن يُزهق روحاً لاختلافها عنه في الدين أو الانتماء وذلك حتى لا يكون القتل والجبروت لغة التعامل بين البشر، بل أن يكون الخطاب بينهم قائماً على الكلمة السواء والعقل المنفتح ” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ “[النحل: 125]. والتسابق إلى الخيرات بتعميم الخير والنفع لا بالعدوان والحروب.

هذه الصورة الراقية التي يقدّمها القرآن الكريم للبشريّة والتي يتوق البشر إليها، تبدأ بالعقيدة السليمة الواضحة حول الوجود والحياة، التي تخاطب وتحاور مكنون فطرة الإنسان.

” بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ” [العنكبوت: 49].

فالله (عزّ وجل) هو الوجود الأقدس لا محدود ولا مخلوق أزلي أبدي، وقد خلق كلّ شيء بمشيئته الحكيمة ولغايات قد لا نعلمها لتقصيرنا عن أسرار الوجود، وهو جلّ جلاله قد نظم هذا الكون بنظام دقيق، ونظم كل ما فيه، لا مكان فيه للصدفة ولا للعبثيّة، والإنسان وكل الأحياء هي مخلوقة بقدرة الله وتقديره لغايات أخلاقيّة نبيلة وتنهي حياته لا إلى العدم بل إلى حياة أخرى فيها الحساب على أعمال الإنسان.

هذا الوجود لا مكان للعشوائيّة والعبثيّة فيه، بل قائم على المشيئة الإلهية الهادفة الحكيمة البصيرة وتشمله الرحمة الإلهية ويجلو غوامضه النور الإلهي، هذه الصورة الأخلاقيّة للوجود والحياة تترك آثارها الإيجابية على البنية النفسية للإنسان، ونرى محصلاتها في الطبيعة الأخلاقية الإنسانيّة للقيم والمفاهيم والشريعة التي تكتمل بها المنظومة الإيمانيّة النورانية التي تبدأ بالإيمان الصحيح بالخالق الأقدس وتنتهي بصلاح الفرد والبشريّة وعالم يسوده الأمن والقيَم الإنسانيّة.

في المقابل فإنّ الوجود الإلحادي هو عبثيّ عشوائيّ غامض في بدايته ونهايته ويقوم على الصدفة التي بطبيعتها ليست هادفة، ولا يستند إلى المشيئة الحكيمة البصيرة الرّحمانيّة، والإنسان متروك فيه إلى المجهول وقد خلّي بينه وبين نفسه.

هذه الصورة الظلاميّة تترك الأثر السلبي على بنية الإنسان ونظرته لنفسه وللعالم، تجعل منه طاغية جباراً لا رادع له عندما تدعوه قدرته إلى ظلم الناس والعدوان عليهم.

في هذا الوجود يعتري الغموض الأخلاق والقيَم التي تتحكم فيها مصالح وأهواء الأقوياء فلا يكون لها معيارٌ مرجعيّ أخلاقي!

وأما الوجود القائم على العقيدة التكفيريّة، فمنظومته تبدأ بصورة مشوّهة للوجود الإلهي تعتريها مظاهر النقص والضعف البشري ومن الطبيعي أنّ ما يتمخّض عنها من قيَم وشرائع وسلوكيّات أن تكون كذلك تجلّياً للضعف والنقص البشري، الذي هو الخيط الجامع بين مفاصل هذه المنظومة البشريّة الخطيرة على مستقبل العالم، التي أساسها مبدأ إمّا معنا فأنت على الحق، وإمّا لا توافق على ما عندنا، فأنت العدو. لا محل للحوار والتفاهم، بل القتل وإسقاط الحرمات. هذا العالم التكفيري أشدّ ظلاميّة من الظلام، عالم احترابيّ لا محل لحوار عقلاني فيه.

إنّ البشريّة ستبقى في حيرة تعاني الآلام والرّزايا في هذا العالم الذي تحكّمت فيه قلّة امتلكت القوة، واعتنقت الإلحاد قديماً، ومناهج التكفير حديثاً، لبسط سلطانها الجائر على الأمم، إلى أن يحين موعدٌ لا بدّ منه تنتبه الشعوب إلى ما يعدها النهج الإسلامي الأصيل، المتمثّل بالقرآن ورسول الله إلى البشريّة وأهل بيته وقائمهم الإمام المهدي المخلّص (ع)، الأمناء على ذلك النهج الواعد بعالم آمن قائم على القيَم الإنسانيّة تسوده العدالة والتفاهم بين البشر.

تلك هي الطريقة المثلى التي وعَدَ الأنبياء بها البشر، يقول تعالى:

” وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا “[الجن: 16].

” وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ   بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” [الأعراف: 96].

إغلاق