أحيوا أمرنا

رسولُ اللهِ (ص) في نَهجِ البلاغة

إنَّ أفضل من تحدَّث عن نبيِّ الرحمة محمد بن عبد الله (ص) بعدَ الله تعالى في القرآن الكريم....

بقلم: السيد حسّان الحسيني

 

إنَّ أفضل من تحدَّث عن نبيِّ الرحمة محمد بن عبد الله (ص) بعدَ الله تعالى في القرآن الكريم، هو وصيّه وابنُ عمِّه وزوجُ ابنتِه أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، من خلالِ خطبِه ومواعظِه الشريفة التي جُمعت في كتابِ «نهج البلاغة».

فأميرُ المؤمنين (ع) هو الذي تربّى في أحضانه والذي نال عِلمَهُ وأخلاقَهُ وهو الذي كان يتَّبِعُه إتِّباع الفصيل أثَرَ أمِّهِ، وهو الواصفُ الصادقُ المعصومُ الذي لا يَشتَبِهُ، فهو الأصدق في وصفِ رسولِ الله (ص).

فرسولُ الله (ص)  يُمثِّل المنهج الإلهي على الأرض حيث هو السِّراج المُنير الذي يُستضاء به في ظلمات الضَّلال والحبلُ المتينُ الذي يأخذ بيدِ المؤمنين إلى الله وجِنانِه. فعليٌّ أمير المؤمنين (ع) خيرُ واصفٍ للنبيِّ الأعظم (ص)، وبالتالي فلا بأس بمراجعة بعض نصوص نهج البلاغة حتى نَستزيدَ حباً ومعرفةً بالنبيِّ (ص).

إرساله إلى الخلق:

قال أميرالمؤمنين (ع) في خطبةٍ له وهي المائة والخامسة عشرة من المختار في باب الخطب:

«أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ ولا مُقَصِّرٍ وجَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ ولا مُعَذِّرٍ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وبَصَرُ مَنِ اهْتَدَى».

فهو الداعي إلى الصراط المستقيم والحُجَّة على الخلق (لله الحجة البالغة) فجاهد في الله حقَّ جهاده بلا تعبٍ ولا كللٍ، فهو إمامُ الهدى وأهلُ التقوى بحيث لا تتحقق التقوى دونَ الإئتمامِ به والإستبصارِ بِهَديه (ص).

وفي خطبةٍ له (ع) وهي المائة والثالثة والثلاثون قال:

«أرسَلَهُ على حين فترةٍ من الرُّسُل، وتَنَازُعٍ من الألسُنِ، فَقَفّى بِهِ الرُّسُلَ، وخَتَمَ بِهِ الوَحيَ، فَجَاهَدَ فِي اللهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ».

وفي خطبةٍ له (ع) وهي المائة والتاسعة والخمسون حيث قال:

«وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ (ص) كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا وَفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا».

ومن كلامٍ له (ع) يصف فيه النبيّ الأعظم (ص) وكيف كانت حال الناس قبل بَعثَتهِ (ص) في الجاهلية العمياء (الخطبة الرابعة والتسعون):

قال (ع): «بَعَثَهُ وَالنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَة،وَحَاطِبُونَ فِي فِتْنَة، قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الاْهْوَاءُ، وَاسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ،وَاسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيِّةُ الْجَهْلاَءُ; حَيَارَى فِي زَلْزَال مَنَ الاْمْرِ،وَبَلاَء مِنَ الْجَهْلِ، فَبَالَغَ (ص) فِي النَّصِيحَةِ، وَمَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَدَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ».

وفي خطبةٍ له (ع) وهي الخامسة والتسعون حيث يصف دور النبيّ (ص) وأثره على الناس. فقال (ع):

«مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ وَ مَمَاهِدِ السَّلَامَةِ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ وَثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ وَ أَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ كَلَامُهُ بَيَانٌ وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ».

وفي كلامٍ له (ع) في وصف رسول الله (ص) كأسوة: ” لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ “[الأحزاب: 21]. فيقول في الخطبة المائة والتاسعة والخمسين:

«فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ صلى الله عليه وآله فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ وَالْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ».

ومن وصايا أمير المؤمنين (ع) في الخطبة المائة والتاسعة والأربعين:

«أما وصيتي فَاللهَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّداً (ص) فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ، أَقِيمُوا هذَيْن الْعَمُودَيْنِ، وَأَوْقِدُوا هذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ، وَخَلاَكُمْ ذَمٌّ مَالَمْ تَشْرُدُوا. حُمِّلَ كُلُّ امْرِىءٍ مَجْهُودَهُ، وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ، رَبٌّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَإِمَامٌ عَلِيمٌ.أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ! غَفَرَ اللهُ لِي وَلَكُمْ».

ومن خطبةٍ له (ع) في الملاحم وهي المائة والخمسون حيث قال وهو يصف حال المسلمين بعد رحيل رسول الله (ص):

«حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ (ص) رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلَائِجِ وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَأَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ».

ومن خطبةٍ له (ع) وهي الثالثة والتسعون:

«حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ الله سُبْحَانَه وتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، فَأَخْرَجَه مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وأَعَزِّ الأَرُومَاتِ (الأصول) مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَه، وانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَه، عِتْرَتُه خَيْرُ الْعِتَرِ، وأُسْرَتُه خَيْرُ الأُسَرِ وشَجَرَتُه خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وثَمَرٌ لا يُنَالُ فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ وشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ وزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِيرَتُهُ الْقَصْدُ وسُنَّتُهُ الرُّشْدُ وكَلامُهُ الْفَصْلُ وحُكْمُهُ الْعَدْلُ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ وغَبَاوَةٍ مِنَ الأمَمِ».

فهذا رسول الرحمة (ص) ومُنجي الناس من الضلال والنار إلى الجِنان والرضوان، بِهِ اختَتَمَ الله رسالَتَه وبِهِ يَقبَل أعمال العِباد، فسلامُ اللهِ على نبيِّهِ (ص) وأهلِ بيته (ع) ما دامت السماوات والأرض.

إغلاق