أخلاق

قد أفلح من زكّاها

215-216

بقلم: د. محمد الصادق بوعلاق(*) 

الإنسان كائن عجيب وغريب

لكل مخلوق مقام معلوم، ومرتبة وجودية محدّدة ” وما منـّا إلا له مقام معلوم[الصافات: 164]، مقام الملائكة مقام ملائكي، ومقام الحيوان مقام حيواني، ومقام النبات مقام نباتي….. إلا الإنسان…….. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي أودع الله سبحانه وتعالى فيه إمكانية تخطي مقامه الوجودي، إيجاباً أو سلباً.

بإمكان الإنسان الارتقاء إلى مرتبة ” مقعد صدق عند مليك مقتدر ” [القمر: 55]، المقام الذي يـُعد من أعلى مراتب الكمال. يخاطبه الحق تعالى داعياً إياه إلى ضيافة ربانية على بساط الجود والمن والعطاء يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي وادخلي جنتي “ [الفجر: 27 ـ 30]؛ ومن جهة أخرى ربما ينحدر (الإنسان) ـ والعياذ بالله ـ إلى أدنى مراتب الوجود، وإلى أقصى دركات الحضيض…. ” أسفل سافلين ” [التين: 5]….. ينزل مستوى الإنسان حتى يصير أدنى من مرتبة الأنعام “أولئك كالأنعام بل هم أضل ” [الأعراف: 179].

ما السر في هذا الرقي وهذا الإنحدار؟

ما الذي يجعل الإنسان يتخطى مقامه الوجودي، فإما يرتقي ويرتفع إلى ذلك المقام الشريف، وإما ينحدر ويسقط إلى ذلك المقام الوضيع؟

تزكية النفس هي التي تجعل من مقام الإنسان إما فوق مقام الملائكة المقربين، بل أشرف منه؛ أو أدنى من مقام الأنعام والشياطين.

القرآن الكريم حافل بالآيات الشريفة التي تحث الإنسان على تزكية نفسه، ولعل من أهمها قوله تعالى في أول سورة الشمس: “ والشمس وضحاها. والقمر إذا تلاها. والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها. والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها “[الشمس: 1 ـ 10].

مقطع قرآني غزير المعاني، نستل منه بعض الملاحظات الثمينة التي يبرز من خلالها الاهتمام الكبير للقرآن الكريم بتزكية النفس:

لعله من المواضع القرآنية القليلة التي يقدم الحق تعالى لجواب القسم بعدد كبير من الأقسام. الله سبحانه وتعالى عظيم، ولا يقسم العظيم إلا بعظيم. قدم العظيم لجواب قسمه، أي قوله تعالى: قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها “ بـ إحدى عشر (11) قسماً: أقسم الحق تعالى بـ الشمس، وضحى الشمس، والقمر، والنهار، والليل، والسماء، وبناء السماء، والأرض، وطحي (دحو) الأرض، والنفس، وتسوية النفس ليقول سبحانه أن الذي ينجح في تزكية نفسه يُعد من المفلحين، والذي يفشل في تزكية نفسه يُعتبر من الفاشلين.

أقسم سبحانه وتعالى بـ إحدى عشر (11) قسماً فشملت أقسامه كل عالم المادة (عالم الملك والشهادة)، وكأني به سبحانه ينبه الإنسان أن كل ما خـُلـِق في هذا الوجود مُسخَّر لأجله ” وسخـّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون “[الجاثية: 13].

وردت مفردات القسم: «الشمس» و«القمر» و«النهار» و«الليل» و«السماء» و«الأرض»، في المقطع القرآني المبارك كلها معرّفة بالألف واللام غير أن مفردة «نفس» جاءت نكرة؛ حيث يقول تعالى: ” ونفس وما سواها “، ولم يقل سبحانه: «والنفس وما سواها». لبيان الغاية من هذا التنكير، ذكر المفسِّرون عدة وجوه، لعل ما ذهب إليه العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، رحمة الله تعالى عليه،  في تفسيره الميزان يُعد من أفضلها، حيث يرى أن السبب من جعل الخطاب القرآني الشريف النفس نكرة هو بيان عظمتها وفخامتها(1).

من يتولى عملية تزكية النفوس؟

نقرأ في القرآن الكريم قول الله تعالى: ” ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ” [البقرة: 129]، وكذلك: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين “ [آل عمران: 163].

يتضح جلياً أن الهدف من بعثة الأنبياء والمرسلين هو التعليم والتزكية. وردت التزكية قبل التعليم في مواضع قرآنية محددة، كما ورد التعليم قبل التزكية في موارد أخرى؛ لهذا التقديم والتأخير في الموارد بُعد تفسيري، الخوض فيه يخرجنا عن محدودية هذه الورقات، ينبغي أن يُبحث في محله.

إستناداً إلى آيات الذكر الحكيم، يمكن إيجاز الهدف الأساسي من بعثة الأنبياء والمرسلين (ع) في بعدين رئيسيين:

  • تعليم معارف الدين
  • تربية الإنسان وتزكيته

مهمتان جليلتان بهما يقع صلاح النفوس، تمهيداً لصلاح البلاد والعباد. هذان الواجبان يقعان في المرتبة الأولى على عاتق الأنبياء (ع)، ومن بعدهم على عاتق الأوصياء المنتجبين، ومن بعدهم على عاتق العلماء العاملين.

العلماء العاملون، الحافظون للحدود، الجامعون للفضائل، الناهون النفوس عن زيغ الأهواء، المهتدون إلى صراط الاستقامة، والمحفوظون بالألطاف الربانية …. هم ـ دون غيرهم ـ يتولون أمر التزكية والتعليم بعد الأنبياء.

من خلال واقع المجتمع الإنساني في هذا العصر، وما تشهده مجتمعات البشرية من انحطاط في الأخلاق، وتدهور في القـِيم، وانهيار للفضائل، وطغيان للرذائل، حيث أصبح الإنسان يعاني أزمات في الأخلاق، والمعنويات والمُثُل….. من خلال هذا الواقع المتردي، يمكن القول جزماً أن حاجة الإنسان للتزكية والتربية أكثر بكثير من حاجته للتعليم.

«التزكية» مفهوم قرآني، ولفظة عربية استخدمها القرآن الكريم في مقابل «التدسية» حيث يقول الحق تعالى: “قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها “.

لتقريب الصورة إلى الأذهان، نسوق مثالاً كثير التداول عند المربين العارفين: مثال البستاني والشجرة. لكي تنمو الشجرة نمواً سليماً متكاملاً، وتثمر إثماراً جيداً، على البستاني أن يسقيها ويسمّدها ويوفر لها الضوء والحرارة من ناحية، ومن ناحية أخرى عليه أن يقص أغصانها الزائدة ويقلّمها. لعمل البستاني إذن وجهان: وجه إيجابي يتمثل في توفير الماء، والسماد، والضوء، وآخر سلبي يتمثل في تقليم الأغصان، وقص الزائد منها.

هناك وجه شبه كبير بين تزكية الشجرة وتزكية النفس الإنسانية. فهذا المثال ينطبق على عملية تزكية نفس الإنسان.

لتزكية النفس الإنسانية كذلك بُعدان أساسيان:

ـ بُعْد أول يتمثل في إزالة الرواسب، بتطهير النفس من العادات السيئة، والأخلاق البذيئة، والطبائع المذمومة، ومخالفة الأهواء، وهي العملية التي يـُطلق عليها «التخلية»؛

ـ بُعْد آخر يتمثل في إحداث أمور أخرى حيث يُزرع فيها العادات الحسنة، والأخلاق الإلهية، وأسرار العبودية، وهي العملية التي يُطلق عليها «التحلية».

«التخلية قبل التحلية»، فمن كان يملك كأساً به أوساخ، وأراد أن يشرب ماءً صافياً بذلك الكأس، وجب عليه أولاً إزالة الأوساخ من الكأس (التخلية)، ثم ملأه (الكأس) بالماء للشراب (التحلية).

عمليتيّ «التخلية» و«التحلية» تتمّان عبر المجاهدة بحمل النفس على مخالفة الهوى وتهذيب الأخلاق النفسية.


المصادر:

*دكتور مهندس، باحث في مجال الفكر الإسلامي

(1): الصافات : 164

(2): القمر : 55

(3): الفجر : 27 – 30

(4) : التين : 5

(5): الأعراف : 179

(6): الشمس : 1 -9

(7): الجاثية : 13

(8): راجع : ” الميزان في تفسير القرآن “، العلامة محمد حسين الطباطبائي (ق س)، ج 20، شرح السورة، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت – لبنان

(9): البقرة : 129

(10): آل عمران : 163

(11 ): الشمس : 8 – 9

(12): راجع كتاب ” اصطلاح الصوفية ” للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي (ق س)، ضمن ” رسائل ابن عربي “، دار إحياء التراث العربي

(13): راجع كتاب ” اصطلاح الصوفية ” للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي (ق س)، ضمن ” رسائل ابن عربي “، دار إحياء التراث العربي

إغلاق