أخلاق

كلمات في حبّ الدنيا

217-218

بقلم: د. محمد الصادق بوعلاق(*) 

 

يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف»(1).

الحب والمعرفة ركيزتا الوجود: حب بلا معرفة ضرب من النفاق، ومعرفة بلا حب سلوك ناقص مشين.

الحب محلّـه القلب، وليس المقصود بالقلب تلك المضخة التي بنبضها تضخّ الدم نحو العروق وسائر الجسم: بل المقصود بالقلب هو قوة وراء طور العقل.

أودع الله سبحانه وتعالى في القلب أسراراً ملكوتيةً تجعله قادراً على استيعاب اللامتناهي؛ يقول الحق تعالى في الحديث القدسي: «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»(2)…. قلب المؤمن الذي يفوح صدقاً، وإخلاصاً، وإيثاراً قادر أن يكون محلاً للعناية الربانية فيسع ما لم تقدر السماوات برحابة فضائها، والأرضون بوسع أقطارها أن تسع.

تعالوا أيُّها الأعزاء والعزيزات نعرض قلوبنا على محك القرآن الكريم ليتعرف كل منا عن طبيعة الحب الذي استقر في سويداء قلبه….. تعالوا نستكشف طبيعة ذلك الحب، ولمن ولاؤه؟

لا يجمع الله سبحانه وتعالى في قلب واحد حبين مستقطبين، ولا يستودع فيه ولاءين متجاذبين. إمّا أن يستقرّ في القلب حب الله، وإمّا أن يستوطن فيه حب الدنيا، أمّا حب الله وحب الدنيا معاً فمحال أن يجتمعا في قلب واحد(3). الذي يعتقد أنه قادرٌ على الجمع بينهما في قلبه فهو كمن يجري وراء سراب كبير ووهم خطير.

تعالوا أيّها الأعزاء والعزيزات نمتحن هذه القلوب… تعالوا نستكشف حقيقة أغلى ما أودع الله فينا، لنرى هل تعيش (هذه القلوب) حبَّ الله جلّ جلاله وتستشعر عظمة الباري، أم تعيش حبّ الدنيا وتقنع بظل زائل تستبدل به الذي هو أدنى بالذي هو خير. إن كانت قلوبنا تحيى وتعيش حب الله سبحانه وتعالى فهنيئاً لنا، ووجب الثبات على ذلك؛ وإن كانت «لا قدّر الله» تعيش حب الدنيا، وتلهث وراء سرابها وأوهامها، فعلينا أن نراجع أمورنا، ونستدرك أحوالنا، ونحاول التخلص من مرض فتاك يـُلقي بصاحبه إلى أسفل سافلين.

كل حب يطرق باب القلب ويستوطن داخله يكون على إحدى درجتين(4):

الدرجة الأولى: هي أن يشكِّل هذا الحب قاعدةً لمشاعر وعواطف الإنسان، ومصدراً لآماله وطموحاته، ومحلاً لأنسه، قد ينشغل عنه (الإنسان) لفترة ما بعمل، أو دراسة، أو علاقة، أو كلام، أو طعام، أو غيرها، لكن سرعان ما يعود إلى القاعدة، ويرجع إلى المركز لأنها متأصّلة فيه.

أما الدرجة الثانية: فهي أن يستولي هذا الحب على كل وجدان المـُحـِب فيهز كيانه، ولا يترك له مجال الانشغال بسواه، فأينما توجه المُحـِب حمل معه ذلك الحب في الحـِلّ والترحال، فلا يرى سوى محبوبه أين توجّه، وفي أي ظرف، وعلى أي حال كان.

هذا تقسيم ثنائي مطلق للحب، بمعنى أنه ينطبق على جميع الحالات: ينطبق على الحب لله تعالى، وكذلك على حب الدنيا الدنية.

لو أسقطنا هذا التقسيم على حالة حب الله عزّ وجل، فإنه يتخذ إحدى هاتين الدرجتين التصاعديتين(5):

الدرجة الأولى: تخص عباد الله الصالحين، ذوي النفوس الطاهرة: شحذوا الهمم، وشمّروا عن السواعد، فزكّوا النفوس، وطهّروا القلوب، وحسّنوا السلوك، وجعلوا من حبِّ الحق تعالى قاعدةً لمشاعرهم، ومحوراً لعواطفهم، ومصدراً لآمالهم؛ وقد ينشغلون بشيء حلال مباح لقاء مع صديق، أو وجبة طعام، أو عمل في متجر، أو نزهة في حديقة، لكن بمجرد الانتهاء من هذا العمل الطارئ يعودون إلى محورهم الأصلي، ويرجعون إلى مركزهم.

أما الدرجة الثانية: فهي للخلَّـص من خاصة أولياء الله تعالى، درجة الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين عليهم صلوات رب العالمين، والكُـمَّـل من خاصة الأولياء المكرمين …. هؤلاء استقطب حب الله تعالى وجدانهم وهيمن على أعماق كيانهم، لا يرون حيثما توجهوا إلّا الله ” فأينما تـُولوا فثم وجه الله ” [البقرة: 115]، فصارت كل مظاهر الكون رموزاً تشير إلى الحقائق الإلهية. لنُنصِت إلى أمير الموحدين علي بن أبي طالب (ع) يقول: «إني ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه، وقبله، وبعده.

نفس التقسيم يتطابق مع حالة حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة حسب التعبير النبوي.

الدرجة الأولى: تخص أناساً ركنوا إلى هذه الدنيا الدنية فصارت قاعدة عواطفهم، ومحور تصرفاتهم، ومنبع سلوكهم.

هم يدورون أينما دارت مصالحهم الدنيوية، يفسقون إذا تطلّبت المصلحة الشخصية ذلك، ويتعبّدون إذا تطلّبت المصلحة ذلك؛ قد يفلتون أحياناً من قبضة الدنيا وينشغلون بأعمال طيبة: قد يصلّون لله، قد يتصدّقون بسخاء، قد يصومون، لكن سرعان ما يعودون إلى مركزهم الأصلي….. يعودون إلى الآمال الواسعة، والأحلام الكبيرة…. يعودون إلى حبال الشيطان، وتزيين النفس، وزخارف الدنيا…. يدورون، ويلهثون، ويتعبون، ولا يجنون سوى السراب…. هذه الدرجة الأولى من مرض حب الدنيا ـ وللأسف ـ محل ابتلاء العديد من العباد.

الدرجة الثانية: أكثر إهلاكاً، وأشد خطورةً، وأشنع عاقبةً…. هي درجة يسيطر فيها حب الدنيا على وجدان الإنسان فيعمي بصره وبصيرته، ويشلّ تفكيره، ويسيطر على إمكاناته، ويستولى على حركاته…. إنسان هذه الدرجة لا يرى شيئاً إلّا ويرى مصلحة دنيوية فيه، وقبلها، وبعدها، ومعها…. حتى الأعمال الصالحة ـ إن وفِّق لأدائها ـ تتحول عنده بمنظار دنيوي رخيص: تتحول عنده العبادات إلى نزوة، أو متعة، أو شهوة، أو مصلحة شخصية…. لا يقوم بأي عمل إلا بمقدار ما يمكن أن يربح من ذلك العمل حفنة مالٍ، أو جرعة جاهٍ.

الدرجتان مهلكتان، إلا أن الثانية أشد إهلاكاً من الدرجة الأولى، لذلك قال الرسول الأكرم (ص): «حب الدنيا رأس كل خطيئة».

فعلى المرء ملازمة الحذر، فإنّه مع أيّ خطوة تخطوها نحو الدنيا، تزداد قدميك غرقاً في أوحالها، ومع كل جرعةٍ دنيويةٍ يزداد بك العطش، ومع كل مكسب دنيّ يزداد قيدك إحكاماً.

هل الدنيا مذمومة في حد ذاتها؟

ما حقيقة الدنيا المذمومة خاصة وأن الرسول الأكرم (ص) يقول لنا: «إن حب الدنيا هو رأس كل خطيئة»، وليست «الدنيا رأس كل خطيئة»؟……

الدنيا دار ممر، ومحل التحصيل والإعداد لحياة أخروية أبدية سعيدة…..

لولا الدنيا لما أمكن للإنسان أن يحصد المقامات الرفيعة، ويجني الدرجات العليا، ويظفر بالأجر الكبير والقُربة إلى الله تعالى التي بسببها ينال حياة أبدية، أخروية يتنعم بنعيمها، ويبتعد عن جحيمها…..

لولا دخول الإنسان النشأة الدنيوية لما أمكن له نيل ما يجعله من المقربين والمكرمين في الآخرة، لذلك يقول أمير الموحدين علي ابن أبي طالب (ع): «… إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلّى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله. اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة….»(6).

وعليه يتبيّن ممّا سبق أن المذموم ليست الدنيا في ذاتها…. ليست الدنيا من حيث حقيقتها، ولا من حيث ما فيها، بل المذموم هو كيفية التوجه نحو هذه الدنيا، وكيفية انشداد القلب بها وتعلقه بزخارفها، والوقوع في حبائل النفس وشرك الشيطان اللذين يصنعان الأوهام، ويزينان السراب انطلاقاً مما في الدنيا من مظاهر الجمال.

المذموم إذاً هو كل أمر يمنع الإنسان من طاعة الحق تعالى، ويحول دون حبه وتحصيل الآخرة.

كل ما يوجب مرضاة الله تعالى والقربة إليه هو من الآخرة، وإن كان في ظاهره أعمال دنيوية كالتجارة، وتحصيل المعاش، والعيش مع الأهل وغيرها؛ وفي المقابل كل ما يُبْعد عن مرضاة الله تعالى هو من الدنيا وإن أخذ في ظاهره أشكالاً تعبّديةً كالرياضات المبتدعة والطقوس الخارجة عن حوزة الشرع.

إن المذموم هو تعلّق القلب بالدنيا، والافتتان بما فيها من مظاهر الجمال، والوقوع في حبها. فكل تعلّق للقلب، وميل لأمر من الأمور الدنيوية المبعدة عن الحضرة الإلهية، يشكِّل حجاباً بين الحق سبحانه وتعالى وقلب الإنسان. وكلّما كان تعلّق القلب أشدّ كان الحجاب أقوى وأغلظ، وكلّما تعدّدت الأمور الدنيوية محلّ التعلّق والحب كلما تعدّدت وتكاثرت الحجب الفاصلة بين الحق والقلب. ورد في الحديث النبوي الشريف ما معناه أن لله تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة، لعلّ المقصود من حجب الظلمة هذه التعلقات القلبية، والانجذاب نحو الأمور الدنيوية، وما تعددت الحجب إلّا لتعدُّد الميولات. وفي المقابل كلّ خطوة لتزكية النفس، وتطهير القلب، واستغلال ما في هذه الدنيا للتقرّب إلى الله تعالى هو تمزيق لحجاب. فكلّما مزق الإنسان حجاباً ازداد قربة من الحضرة الإلهية، وهكذا حتى يصير كمن قال فيهم أمير الموحدين علي بن أبي طالب (ع): «… وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى»(7).

علينا أيّها الأعزاء والعزيزات أن نفرغ قلوبنا من حب الدنيا …. علينا أن نخرج الدنيا وحبها من ساحة قلوبنا ونجعلها بأيدينا، ففرق كبير بين من يدخل معترك الدنيا والدنيا في يده وليس في قلبه سوى الله تعالى : : ” …. وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ” [الرعد: 29]. وبين من يدخل المُعترك والدنيا وحبها مسيطران على قلبه …..

من أول أعمال تزكية النفس هو تخلية القلب من حب الدنيا، وإخراج ما فيها من دائرة القلب حتى يكون نبض القلوب خالص لله تعالى.


(٭) دكتور مهندس، باحث في مجال الفكر الإسلامي.

المصادر:

(1) تجدر الإشارة إلى أن هناك خلاف في اعتبار هذا الحديث ضمن الأحاديث القدسية، فممن أنكره نذكر مثلا السيد المرعشي في «إحقاق الحق ـ ج6، ص 431»، أما الذين ذكروه، واستشهدوا به، وارتضوه في كتبهم ـ من جميع المدارس الإسلامية ـ فكثير نذكر منهم: الآلوسي في تفسيره، ابن أبي الجمهور في «غوالي اللآلي»، السبزواري في «شرح الأسماء الحسنى»….

(2) ذكره الغزالي في «إحياء علوم الدين» بلفظ قال الله: «لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع»؛ وقال الحافظ العراقي في تخريجه: «لم أر له أصلا»؛ كما اورده ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم»، وكذا الآلوسي في عدة مواضع من تفسيره.

(3) حول هذه الفكرة راجع كذلك الشهيد محمد باقر الصدر (ق س): «السنن الإلهية في القرآن»، ص 63، دار التعارف للمطبوعات، بيروت 2005.

(4) حول هذه الفكرة راجع كذلك الشهيد محمد باقر الصدر (ق س) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق.

(6) نهج البلاغة، الحكمة رقم 131، ص 709، مؤسسة المعارف بيروت.

(7) نهج البلاغة، «147 مـن كلامه (ع) لكميـل بن زيـاد النخعـي»، ص 712، مؤسسـة المعـارف ـ بيروت.

إغلاق