أخلاق

الاختيار الصحيح

219-220

بقلم: السيد حسين نجيب محمد

 

الخُلق القرآني:

لم يَرِدْ لفظ الاختيار صراحةً في كتاب الله تعالى، ولكنَّه يستفاد من دلالات الآيات القرآنية وأقربها قوله تعالى:

” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا” (الأحزاب : ٣٦ ).

فالآية تدل على أن اختيار المؤمن تابع لما يختاره الله ورسوله، وللوقوف على هذا الخُلق القرآني لا بدّ من بيان معنى الاختيار وموارده في القرآن الكريم والروايات الشريفة.

معنى الاختيار وحقيقته:

الاختيار هو «إرادة ما هو خير»(1).

وهو ناتج عن الحرية التي أعطاها الله تعالى للإنسان في اختيار الخير أو الشر كما هو الثابت في علم العقائد، ويدل على ذلك قوله تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ” (الشمس: ٧ – ١٠) وقال تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” (الإنسان: ٢ – ٣ ) وقال تعالى :“إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا” ( المزمل: ١٩)[1].

[1]  وللتوسع في هذا الموضوع راجع موضوع ” الجبر والأختيار ” في كتب العقائد كالإلهيات للشيخ السبحاني.

ثم إنَّ طبيعة الإنسان تدفعه لطلب الخير في كل المجالات الدينية والمالية والأُسرية والإجتماعية، إلا أنَّه قد يخطئ في التشخيص الخارجي، ولذلك ينبغي له أن يكون على وعي كامل كي يُشَخِّص ما فيه الخير والصلاح.

ولأنَّه قد يخطئ في التشخيص ـ لضعفه أمام الشهوات والرغبات ـ فلا بدّ أن يلجأ إلى التشريعات والنصائح الأخلاقية المأثورة عن لسان المعصومين (ع). فعن الإمام الحسين (ع) أنَّه قال: «من اتّكل على حُسن اختيار الله تعالى له لم يتمنَّ غير ما اختار الله (عزّ وجل) له»(3) .

ولهذا نجد أن أهل الإيمان والتقوى يرفضون اختيارهم الشخصي ويطلبون اختيار الله ورسوله، كما حدث في قصة زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش.

فقد كان زيد غلاماً لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد فاختارته خديجة ثمَّ وهبته لرسول الله (ص) ولمّا دعاه الرسول (ص) قَبِل الإسلام، ولمّا علم والده أنَّه ما زال على قيد الحياة جاء إلى مكة وقال لأبي طالب: «إنَّ ابني وقع عليه السبي، وبلغني أنَّه صار إلى ابن أخيك محمَّد، فاسأله إمّا أن يبيعه أو يفاديه أو يعتقه»، فجاء أبو طالب وعرض الأمر على رسول الله (ص) فقال (ص): «هو حرّ، فليذهب حيث يشاء» ولمّا علم زيد بذلك قال: «لستُ أفارق رسول الله»، وهكذا اختار زيد رسول الله (ص).

وأحب رسول الله (ص) أن يزوجه فاختار له أجمل النساء وهي زينب بنت جحش، وهي بنت عمَّة الرسول (ص)، ولكن زينب ثقل عليها ذلك فقالت: أنا خير منه حسباً، أنا ابنة عمَّتك فلم أكن لأفعل. فنزلت الآية: :” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا” (الأحزاب : ٣٦ ). فأرسلت الى رسول الله (ص) زوِّجني من شئت، فزوجها الرسول (ص) من زيد.

موارد الاختيار:

إنَّ الاختيار يجري في كلّ مورد يُخيَّر فيه الإنسان بين الخير والشر والحق والباطل والصواب والخطأ، وفيما يلي نستعرض أبرز تلك الموارد في القرآن والسُّنَّة الشريفة:

1 ـ اختيار الدِّين، فينبغي للعاقل أن يختار الدِّين الصحيح، ولا يكون تابعاً للوالدين أو البيئة التي عاش فيها.

2 ـ اختيار الخليفة بعد رسول الله (ص)، قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص: 68].

وعن الإمام الرضا (ع) في حديث طويل في فضل الإمام وصفاته يقول فيه: هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمَّة فيجوز فيها اختيارهم ـ إلى قوله (ع) ـ: لقد راموا صعباً وقالوا إفكاً وضلّوا ضلالاً بعيداً ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة، زيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصدَّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين، رغبوا في اختيار الله تعالى واختيار رسول الله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم: “وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ “[القصص: 68]. وقال (عزّ وجل): “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا”[الأحزاب: 36](4).

3 ـ اختيار الآخرة على الدُّنيا، قال تعالى: ” وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ “( القصص : ٦٨).

وقال تعالى: ” مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ” (الشورى : ٢٠)..

وجاء في تفسير قوله تعالى: “اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ،الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” [الشورى: 20]. إنَّ معنى يستحبون أي يختارون(5).

وقد ضرب “الحرّ الرياحي” أفضل مثل في الاختيار الصحيح، عندما وقف يوم عاشوراء، يقول: إنّي أُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، والله لا اختار على الجنّة شيئاً».

ويتجلى هذا الاختيار في نفس الإنسان عند الاحتضار، حيث يُخيَّر بين ترك الدنيا والقدوم إلى الآخرة، فإن كان مؤمناً يختار الآخرة، وإلَّا آثر الدنيا على الآخرة، وقد ترك لنا الأولياء دروساً في هذا الأمر، فهذا رسول الله (ص) ينزل عليه جبرئيل ويُخيِّره بين الدنيا ولقاء الله تعالى فيقول (ص): «لقاء ربي خيرٌ لي» وقد قال (ص) للإمام علي (ع) عندما استغفر في آخر حياته لأهل البقيع: «يا علي إنِّي خُيِّرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنّة، فاخترت لقاء ربي والجنّة»(6).

4 ـ الاستخارة، وهي طلب الخير من الله تعالى في كل الأمور وخصوصاً في أمر الزواج كما ورد في الروايات، ففي الحديث القدسي قال الله تعالى: «من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال ولا يستخيرني»(7) .

5 ـ اختيار الزوجة، ففي الحديث عن رسول الله (ص): «تخيَّروا لنطفكم فإنَّ النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن»(8). وفي هذا المجال ينبغي الإشارة إلى أنّ على الأهل أن يختاروا الزوج المناسب لابنتهم، فقد روي أن الإمام الحسن (ع) قال لرجلٍ إستشاره في زواج ابنته: «زوِّجها من رجل تقي، فإنَّه إذا أحبها أكرمها وإذا أبغضها لم يظلمها»(9).

ثمرات الاختيار:

إن التسليم للاختيار الإلهي يجعل العبد في مصاف الأولياء والمقرّبين، كما جرى مع لقمان الحكيم (ع)، فعن الإمام الصّادق (ع) أنّه قال في حياة لقمان: «… وإن الله تبارك وتعالى أمرَ طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأًت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض، تحكم بين الناس؟».

فقال لقمان: إن أمرني ربي بذلك، فالسمع والطاعة، لأنّه إن فعل بي ذلك أعانني عليه وعلّمني وعصمني، وإن خيّرني قبلت العافية.

فقالت الملائكة: يا لقمان لِمَ؟

قال: لأن الحكم بين الناس بأشدّ المنازل من الدّين، وأكثر فتناً وبلاءً ما يخذل ولا يُعان، ويغشاه الظلم من كلّ مكان، وصاحبه منه بين أمرين: إن أصاب فيه الحق فبالحريّ أن يسلم، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً وضعيفاً كان أهون عليه في الميعاد من أن يكون فيه حكماً سريّاً شريفاً، ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما، تزول هذه ولا تدرك تلك.

قال: فعجبت الملائكة من حكمته، واستحسن الرَّحمن منطقه.

فلمَّا أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشّاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم، وغطّاه بالحكمة غطاءً، فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه، وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويُبيِّنها فيها(01).

ومن ثمرات التدبُّر:

جاء في وصية آية الله الشيخ عبدالله المامقاني لولده: إيّاك واختيار سوء لنفسك بقول: اللَّهمَّ أمتني أو خذ عمري أو نحو ذلك، فإنَّ يوسف (ع) لمّا شكى في السجن إلى الله تعالى فقال: يا رب بماذا استحققت السجن؟ فأوحى إليه: أنت اخترته حيث قلت: السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ”” [يوسف: 33] وهلَّا قلت: «العافية أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ»(11).


المصادر:

(1)  مجمع البحرين: مادة «خير».

(2)  وللتوسع في هذا الموضوع راجع موضوع «الجبر والاختيار» في كتب العقائد كالإلهيات للشيخ السبحاني.

(3) معين الخطباء: ص ٢٦١.

(4) الفرقان: ج٢٠، ص ٣٨٧.

(5) مجمع البحرين: مادة «حبَّب».

(6) سيرة سيد المرسلين للشيخ السبحاني: ج٢، ص ٦٤٦.

(7) ميزان الحكمة: مادة «الاستخارة».

(8) نهج الفصاحة: ص ٤٠٣.

(9) ميزان الحكمة: ج٣، ص ١١٨٢.

(10) نهج نصائح لقمان لولده ص ١٦.

(11) مرآة الرشاد ص ١٦٤.

إغلاق