قضية ورأي

الرجعة

219-220

بقلم: الدكتور زهير بيطار

 

لقد قيل في الرّجعة أقوال من بعض النّاس، كلّها تفارق الحقيقة، وبيانها يدلّ على عدم التدبّر في القرآن الكريم، والبعض رفضها لجهلهم بمدلوها العميق، من قبيل القول: وما الفائدة من الرجعة ما دام الناس سيحاسبون يوم القيامة!؟ وآخرون رفضوها بزعمهم أنها من عقائد اليهود والنصارى وأنها مقتبسة عنهم، وكلّ أولئك يعبّرون عن رفض نفسي لديهم، لا عن بحث موضوعي.

ما هي الرجعة:

الرجعة، أنّه في آخر الزمان وفي دولة العدل الإلهي التي ستقوم في قضاء الله المحتوم على يد البقية من آل محمد (ص) الإمام المهدي المنتظر (عج)، وحيث ينزل الله تعالى المسيح (ع) شاهداً له وناصراً، سيعيد الله جلّت قدرته على الحياة عدداً من الناس من كلّ أمة، يمثّلون أئمة الضلال الذين رفضوا الانصياع إلى الخط الإلهي القويم، واخترعوا الحجج والأباطيل التي أضلّت أممهم، فهم يؤنّبون وتفضح أباطيلهم ويؤخذ إقرارهم على أعين الناس، ثم يميتهم الله تعالى بانتظار يوم البعث الذي يحشر فيه الخلائق كلّها، وفي ظنّي أنّ الذين ذكرهم القرآن الكريم من أهل الضلال الذين يقولون أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين هم هؤلاء الذين أرجعوا ثم أميتوا.

الأبعاد العميقة للرّجعة:

إنّ الرجعة محطة هامّة مفصليّة في خط الصراع بين المشروع الإلهي لهداية البشرية بالموازين الربّانية وبين خط الطواغيت الذين يرون فيه نقضاً لمشاريعهم القائمة على أهوائهم ومصالحهم المادية في إقامة الممالك على الظلم والطغيان والسيطرة على الشعوب.

إنّ المشروع الإلهي يقدّم للبشرية الأسس والمعايير الربّانية التي لو اتّبعها البشر لسعدوا بمجتمعات يسودها العدل وتحكمها القِيَم وعالم يقوم على المساواة بين الناس والتفاهم والتفهم (التعارف) بين الشعوب من قوله تعالى:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  ” [الحجرات: 13].

فتكون العلاقات بين الأمم علاقات تفاهم لا علاقات احتراب وتسلط، ويكون التنافس بالتّقوى التي أساسها الإصلاح وتعميم الخير على البشر.

إنّ التدبير الإلهي للبشر الذي حمل لواءه الأنبياء والأوصياء والصالحون إنما يأتي من ضمن التدبير الإلهي العام للكون وهو في سياقه حلقة من حلقاته، ينسجم مع تكوين الإنسان ومع الحقائق الكونيّة. لأنّ أي مخلوق لا ينبغي له أن يتعارض في منحى حركته في هذا الوجود مع الكون كشرط ليستقرّ فيه آمناً، والإنسان الذي لا يعلم من الكون أكثر من قطرةٍ من المحيط، لم يتركه الله (عزّ وجل) ليتخبط بجهله، بل جعل له الدين الإلهي ضابطاً لنشاطه في الوجود بما يتوافق مع تكوينه ومع تكوين الوجود، وذلك انسجاماً مع الحقيقة الكونية والسنّة الوجوديّة حين نرى أنّ الله (عزّ وجل) قد جعل لكل مخلوق نظاماً يضبط حالاته في انسجام مع الكون ضماناً لاستقرار الكون واستقراره فيه. وهذا حال مليارات الموجودات مما يجعل هذا الحال حقيقة كونية راسخة، وسنة وجودية ….) والإنسان الذي هو حسب المعطيات القرآنية حامل الأمانة والخليفة في الأرض باستخلاف الرسل وأوصيائهم والذي سخّر الله (عزّ وجل) له السماوات والأرض يبدو من هذه المعطيات أنّه واحد من أهم حلقات هذا الوجود فيكون الأوْلى بنظام ربّاني ضابط لحالاته في توافق مع تكوينه ومع الحقائق الكونية، فلم يتركه يتخبط في أهوائه ومرديات الجهل والمصالح الموهومة.

إنّ هذه الإشارات الهامة، تؤكد خطورة سلوك الإنسان على نفسه وعلى محيطه الكوني، إيجاباً وسلباً، وخطورة خروجه عن الخط الرباني الذي أحكم الله (عزّ وجل) بنيانه ضمن السياق الكوني الإلهي النظم والتنظيم، والآثار تتفاوت بتفاوت مدى الانحراف عنه، قد ندركها من مثل ثقب طبقة الأوزون، أو لا ندركها فنحتاج إلى أهل العلم والبصائر.

“وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ” [الأعراف: 96].

إنّ المشروع الإلهي للبشر مصمّم لملاءمة وجودهم في هذه الحياة، فيجب أن يسود المعمورة في هذه الدنيا، وما هو مؤجل للحياة الآخرة التي يرتفع فيها العمل ويقع الحساب. وإن الصراع بين الحق والباطل محكوم في السنن الإلهية للكون والحياة أن ينتهي بغلبة الحقّ على الباطل لأنّ الباطل يدمّر نفسه حيث هو مشروع تدبرٍ قائم على الظلم والطغيان والعدوان، للك مهما طال الصراع سيصل البشر إلى الوقت الذي لا يستطيعون فيه الصبر على تفاقم الظلم والفساد والهوان ورؤية عشرات من طواغيت المال يتحكمون بالمعمورة ويملكون على الناس أرزاقهم ويعيثون فيها فساداً وطغياناً، ويستنزفون دماءهم في حروب التنازع على السلطان الجائر وامتلاك الثروة والقوّة الغاشمة، فتستيقظ فطرتهم التي فطرهم الله عليها بعد أن شوّهتها الحجج المفتراة والإعلام المجرم الكاذب، ليشعروا بضرورة الخلاص والمخلّص، فالمسلمون ليسوا مختلفين عن سواهم في هذا، فهم بعد أنْ أداروا ظهورهم إلى الوصية الربّانية الحافظة من الضلال باتّباع الثقلين الكتاب والعترة واختاروا لأنفسهم، فوقعوا في شرّ خياراتهم واكتووا بالظلم والنكبات، أصبحوا الآن يتوقون إلى الخلاص بالوصية الربّانية فيتوقون إلى المهدي الموعود من آل محمد (ص) وغدا النصارى واليهود يتوقون إلى المسيح المنتظر. وفي خضم صراع المهدي مع ممالك الجور ينزل عيسى (ع) ليكون شاهداً له على أهل الكتاب، مما يشكل عاملاً حاسماً في الرضوخ إلى دعوته الربّانيّة.

إنّ دولة العدل الإلهي حتميّة تاريخيّة وحتميّة ربّانية في تدبير الله (عزّ وجل) لهذا الوجود، ولو بقي ساعة من الدّنيا لطوّلها الله حتى يظهر المشروع الإلهي ويأخذ مجراه في هذه الحياة، ولولا ذلك لقال أهل الضلال: هذا المشروع ما كان ليلائم الحياة!

والله قد أكد ظهور الحق:“هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ “[سورة الصف، الآية: 9].

إنّ غلبة الحق على الباطل تحقيقاً للوعود الربّانيّة مهما طال الصراع، فضلاً عن كونه حتميّة تاريخيّة وربّانيّة، فإنّه أمر له بُعد وجداني عميق في الوجدان الفردي والجمعي للإنسان، حيث لا يقبل الوجدان بأيّ مبرّر أن يستمرّ الباطل وأهله غالبين على الحق وأهله إلى قيام الساعة، حتى لو كان الحساب واقعاً في الحياة الأخرى.

إنّ قيام دولة العدل الإلهي على يد القائم من آل محمد (ص) في نهاية الصراع بين الحق والباطل كحتميّة تاريخيّة وربّانية تتلاقى مع الوجدان الإنساني الذي يستيقظ بعد أن شوّهته الأكاذيب والإعلام المضل والحجج المفتراة ووسائل القهر. لكن تحقق هذه الحتمية لا يكفي حسماً نهائياً لغلبة الحق على الباطل، بل لا بدّ من تصحيح الخطأ التاريخي المزمن الذي قام على معارضة المشروع الإلهي والذي ساد فيه الباطل والظلم والفساد واكتوى البشر بنار ذلك، وهذا يكون باستحضار أئمة الضلال ليحاكموا على أعين الأمم في محكمة أممية على يد إمام الحق سليل رسول الله (ص) مشفوعاً بعيسى (ع) لأخذ إقرارهم على كذبهم وعلى ما أحدثوه في مسار التاريخ البشري من انحراف، بما يحقّق ما عقد المظلومون عليه آمالهم من الوعود الربانية، ويشفي جراحاتهم النازفة على مرّ الأحقاب ويحقّق على أعين الأمم أنهم هم كانوا أصحاب الحق، وظلّامهم كانوا أصحاب الباطل.

وهكذا أيضاً يُمحى من سجل البشريّة تلك الحقية المنحرفة عن الصواب، ويتمّ وصل التاريخ المصحح بالمسار الصحيح للبشرية في دولة العدل الإلهي. ثم إنّ إقرار أئمة الضلال يكشف الحقّ للأجيال الحاضرة التي ضلّت بهم كابراً عن كابر، فيؤمنون بالمهدي (عج) عن بصيرة لا عن نفاق، ففي دولته (عج) لن يبقى مكان للمنافقين بعد أن انكشفت الحقائق وجربت البشرية كل وسائلها ففشلت، وهذا خلافاً لما كان الحال عليه في بداية الدعوة الإسلامية التي كان الناس فيها حديثي العهد بالدين.

من هذا المنظور تكون الرجعة مرحلة ربّانية رائعة نورانية في حياة البشرية، فاصلة بين مرحلة غلب عليها الباطل والظلم، وبين مرحلة يسودها العدل والقيم الإنسانية.

إنّ أخبار الرّجعة متواترة في السنن المروية عن أهل بيت العصمة النبويّة (ع) لكننا سنكتفي بالدليل القرآني:

في سورة النملوَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ  حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ  أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ” [النمل: 83 ـ 87]

وهكذا نرى حشرين، الأول محدود لعدد من الناس من كلّ أمّة هم أئمة الضلال فيحاسبون على أعين الناس ويؤخذ اقرارهم، وهذا في الآيات ٨٣ و٨٤ و٨٥. ثم هناك حشرٌ آخر لكلّ الناس في الآية ٨٧ في ظاهرة كونية مخيفة حيث كلٌّ يأتوه داخرين.

ها هنا بكل وضوح حشران:

الأول: حشر لبعض الناس وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ فهؤلاء هم أئمة الضلال الذين أضلّوا أممهم.

فهذا الحشر ليس لكل الناس كما هو الحال يوم القيامة الواضح في الآية (87):

وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ“، فهذا حدث كوني مخيف يطال الكون كله وتُحشر فيه كل الخلائق.

كما أنّ في الحشر الأوّل يراد فضيحة أئمة الضلال أولئك وإقرارهم لتسقط الأعذار بها وتنقشع سحب العمى عن جموع الناس الذين أضلّوهم، فيؤمّن أتباعهم للإمام المهدي (عج) عن بيّنة وتجري الأمور على طريق الهدى في دولة العدل الإلهي، ويحقّ الحق في هذه الدنيا، فهذا هو المقدار الذي يظهر من هذه الآيات الكريمة في حشر الرجعة.

بينما في حشر يوم القيامة الشامل لكل الخلائق يكون الحساب الشامل على كل الأعمال.

فالفرق واضح لجهة محدودية الحشر الأول ومحدوديّة الحساب فيه، ولجهة شمولية الحشر الآخر وشمولية الحساب فيه.

ولعلّ توسط الآية (86) بين الحشرين أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إنما هو حسب ظنّي ـ والله أعلم ـ إشارة إلى أنّ هذا التدبير الإلهي الرجعة وظهور الحجّة المنتظر (عج) ونزول عيسى (ع) في هذه الحقبة، كما هو شأن الدين الإلهي كله، هو جزء من التدبير الإلهي للكون وما فيه، ويأتي في سياقه، وحلقة من حلقاته المترابطة في نطام كوني دقيق كما حال تدبير الشمس والقمر والنجوم وكل الظواهر الكونيّة وهو أمرٌ من واقع الحياة مرتبط بالغيب الذي لا يعلم تدبيره وارتداداته على الواقع الظاهر إلّا الله (عزّ وجل) بما يوحي بأنّ الإخلال بالدين معصية أو جهلاً أو تحريفاً أو إنكاراً له أو لجزءٍ منه، إنّما هو  بخطورة الإخلال بالنظام الكوني الإلهي التقدير، لكنّ آثاره تتفاوت وقد لا يشعر بها الإنسان، إنما يفهمها ويدركها أولو البصائر الذين منّ الله عليهم بفضله.

من كل ما سبق بيانه يظهر لمن يحاكم الأمور بموضوعية أنّ عقيدة الرّجعة وكذلك الاعتقاد بظهور البقيّة المنتظر من آل محمد (ص) ليقيم دولة العدل الإلهي على الأرض مشفوعاً بنزول عيسى (ع) الذي يشهد له من أثبت العقائد وأكثرها روعة وجمالاً ونورانيّة في منظومة الخط الإلهي القويم الذي قال فيه تعالى في سورة الجنّ: “وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا” [الجن: 16].

أخيراً، لقد بذلت جهدي لإيضاح حقيقة هذه العقيدة القيّمة الرائعة في سياق التدبير الإلهي العظيم للبشر وهدايتهم ضمن التدبير الربّاني للكون والخليقة راجياً من الله الكريم أن يكون فيما كتبت فائدة لمن يسعى إلى الحقّ ولا يريد أن يكون كمثل الذين سيُرجَعون ويقال لهم “أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” [النمل: 84] وأن يكون لي الثواب على ذلك، وأسأل الله (عزّ وجل) المغفرة إن لم يكن ظنّي راجحاً في المقاييس الربّانية الصحيحة.

إغلاق