الافتتاحية

الفساد شرٌ كبير … إنَّما ليس قدراً

كلمة افتتاح العدد 220-219

 

قال تعالى:ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

في زحمة المشاكل والأزمات الكبرى، المزمنة منها والمستجدَّة، التي كُتب على بلداننا وشعوبنا العربية والإسلامية، أن تعيشها وتواجهها بكثيرٍ من المرارة والتضحيات، ترمي بثقلها قضيةٌ باتت أكثر إلحاحاً وأكثر مدعاةً للمواجهة والمعالجة، ألا وهي آفة الفساد البغيضة المستشرية على كلِّ صعيد وفي مختلف الأوساط، بين كثيرٍ من أهل الحكم والنفوذ، كما بين أصحاب المصالح والمطامع الجشعة، وصولاً إلى تفشّي حالة واسعة من الرشى والمحسوبيات والإستحواذ على الأملاك العامة وغيرها، ناهيك عن تزايد صنوف المفاسد السلوكية، المتّصفة بالجرأة الوقحة على القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية. وإذا كان معظم المتصدّين في وقتنا الحاضر للفساد ومكوناته ينطلقون في توصيفه كما في مواجهته من زاوية مادية إجرائية مباشرة فقط، فإنَّ الإتجاه الموضوعي بعمقه الديني التاريخي ينظر إليه من خلال العوامل والخلفيات المهيِّئة له والمساعدة على استشرائه، معتبراً أنَّ الفساد بِشَتّى مجالاته، هو نتيجة لازمة لانحراف المفسدين ومن يحميهم عن جادة الحق والقيم الإنسانية العليا، التي جاءت الرسالات الإلهية العليا بعقائدها وتشريعاتها لتبني المجتمعات السليمة على أساسها، ولِتَمنع عنها بالتالي ظلم الفاسدين وقهرهم.

وإلى هذا يشير الإمام محمد الباقر (ع) عندما أوضح معنى قوله تعالى : وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا قائلاً :” إنَّ الأرض كانت فاسدة فأصلحها الله عزَّ وجلَّ بنبيِّه محمد (ص) “.

والفساد كان ولا يزال صنيعة السلطة المنحرفة وهو يستظلُّ بها كما يبيِّن أمير المؤمنين علي (ع) بقوله: «فإنَّما أهلك من كان قبلكم أنَّهم (الحكّام) منعوا الناس الحق فاشتروه (بالرشى والأموال) وأخذوهم بالباطل فأقتدوه». وذلك ظناً منهم أنَّه الحق لأنَّهم نشأوا على الباطل وألِفوه.

ويذهب الإمام علي (ع) على أنَّ دولة الحق والعدل التي هي نقيض دولة الفساد إنَّما تقوم على صلاح ونزاهة فئات خمسة هم: «العلماء وهم الأدلاء على الله تعالى، والزهّاد (أي المترفّعون عن الطمع) وهم الطريق إلى الله، والتجار وهم أمناء الله، والغزاة (الجنود) وهم أنصار دين الله، والحكّام وهم رعاة خلق الله». وهؤلاء إذا ما فسدوا وانحرفوا يصيرون أيضاً سبب فساد العامة وهلاك المجتمع، كما يؤكد الإمام علي (ع) قائلاً: «فوالله ما أتلف الناس إلّا العلماء الطمّاعون، والزّهاد الراغبون، والتجار الخائنون، والغزاة المرآؤن، والحكّام الجائرون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون».

وهؤلاء هم أنفسهم من تتعالى شكاوى وصرخات شعوبنا العربية والإسلامية من تمادي كثيرٍ منهم بالفساد الهائل في مختلف المجالات، وخصوصاً على صعيد نهب الأموال العامة وهدر وتبديد الثروات والمقدّرات الكبرى التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على بلادنا لتُستَثمَر في خير شعوبها وأجيالها، لا نهباً لمن يتصرّفون بها ويتوارثونها كأنَّها من مختصّات عائلاتهم وجماعاتهم، فيهدرون معظمها على تثبيت سلطاتهم وعلى تَرَفِهِم وبَذْخِهٍم المقيت. ومما يدعو إلى الأسف والخيبة، أنَّ بعضاً ممَّن عُقدت عليهم الآمال لإحداث نقلة في طرق الإصلاح ومحاربة الفساد، إذا بهم تسقطهم السلطة  في إمتحان النزاهة والأمانة لينضموا إلى رُعاة الفساد والإفقار. ومن المعيب والمؤلم حقاً أن تُصنَّف معظم دولنا وحكوماتنا وإداراتنا، في أسفل قائمة دول العالم الأكثر فساداً والأقل نزاهةً والأبعد عن المحاسبة وتحمُّل المسؤولية.

ولكن مع هذا المنحدر المثير للسخط والإشمئزاز، لا بدَّ من القول أنَّ الفساد ليس قدراً محتوماً لا يمكن الفرار من شروره أو الحدّ من تماديه، فإنَّ الوعي المتزايد تجاه مخاطره لدى مختلف الفئات، وحالات الترصُّد لأوكاره ورموزه ومساربه المقنَّعة، كما محاولات مواجهته فكرياً وإعلامياً وسياسياً وشعبياً، كلُّ ذلك آخذ بالاتساع والتركّز.

والمطلوب دائماً هو أن تتنامى الضغوط، وتتصاعد سُبل الملاحقة الجديَّة، حتى يمكن الوصول إلى لحظة الحقيقة، أي إلى المحاسبة الفعلية والمعاقبة واسترجاع ما يُنهب بيغير حقّ، كما يحدث فعلياً في كثير من الدول التي تحترم حقوق شعوبها وحرمة قوانينها.

وهنا نترقَّب بجديَّة، تفعيل الدور الريادي للعلماء المخلصين وعلى رأسهم المرجعيات الدينية العليا ومعهم كلّ الحريصين على نصرة الحق والعدل، ليكون لهم بهذا الخصوص، الفعل والأثر الكبير المماثل لما انجزوه بجدارة ونجاح في لجم وإستئصال شأفة الإرهاب التكفيري البغيض، وفي إحلال الأمن والإطمئنان بفضل عزيمتهم ودأبهم، وإن كانت المعركة مع الفساد المتغوّل في بعض جوانبها أكثر حراجة وصعوبة، لكنّها لن تكون خاسرة أبداً بإذن الله تعالى.

ومع حلول شهري رجب وشعبان المعظمين، حيث تشتدّ يقظة الأرواح والنفوس وتزداد تعلقاً بجمال الأنوار القدسية وفيض الرحمة الإلهية، نسأله تبارك وتعالى، قبول الأعمال من الجميع والسلامة لهم في الدين والدنيا.

نور الإسلام
إغلاق