عقيدة

بحث حول التوسُّل (الجزء الأول)

217-218

بقلم: السيد حسّان الحسيني

 

إنّ الكلام حول عقيدة «التوسُّل» ليس بالأمر الجديد، ولكن بما أنّ الساحة أصبحَت مفتوحة ومتوفّرة لكلّ أفراد المجتمع. خاصةً على صعيد وسائل التواصل الإجتماعي، حيث نرى الناس قد انقسموا حول التوسُّل ومشروعيته. فترى منهم من يرفض التوسُّل ويعدّه من أبرز مظاهر الشِّرك بالله تعالى، وقسم يرى أن التوسُّل هو قمة الخضوع والعبودية لله تعالى، وتجد قسماً ثالثاً يقف على الحياد لا رأي له.

حينما تنقسم الأمة إلى عدّة أراء، فلا شكَّ أن كلمة الفصل هي الدليل العلمي، سواء من خلال العقل أو النص الديني أو كلاهما معاً. وبالتالي لا بدّ من طرح بعض الأسئلة:

هل التوسُّل جائز؟
وإذا كان جائزاً، هل هو مباح أم مستحبّ؟ أم هو مكروه أو محرّم؟

قبل الدخول في خضمّ هذا البحث، لا بد من إثبات التوحيد، لأن القاعدة العقلية تقول: «العرش ثم النقش». فالدليل على وجود الله تعالى هو الدليل الفطري الذي طبع الله به كلّ مخلوق وذلك لأنّ النفس الإنسانية يستحيل أن تتوجّه إلى ما تجهله، فإذا تقطّعَت بها السُّبل ويَئِسَت من البشر، توجّهت إلى قوة عظيمة تعتقد أنّها قادرة على إنقاذها، هذه القدرة العظيمة هي قدرة الله تعالى.

وقد يسأل سائل، هل هناك تعدّد في القدرة وإذا كان الجواب لا، فما المانع؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من نفي الشريك لله تعالى ثم بيان المانع من وجوده.

قال تعالى في كتابه المجيد: “لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا” [الأنبياء: ٢٢]. هذه الآية الكريمة تدلّ على التوحيد بالدليل العقلي، حيث إن إستقامة هذا النظام الكوني وإتقانه وخلوّه من الفساد أدلّ دليل على وجود مدبِّر عالم قادر، وإلّا لبَطل هذا النظام، ولا فساد، فخلوّ هذا النظام العظيم من ذلك دليل واضح بيِّن على وجود خالق ومدبِّر واحد لا شريك له، ولو كان له شريك لوجدنا الفساد ضرورة الإختلاف بين الإلهين ـ حسب الفرض ـ وبالتالي لا شريك له… ويمكن أن ننفي الشريك للباري تعالى بدليل آخر وهو أنّه لو كان هناك إله غير الله لبعَثَ رُسُله للناس ليخبروا عنه وليشيروا إليه، والوجدان يقطع بعدم وجود ذلك.

العبادة:

إن العبادة الحقيقية هي لله الواحد الأحد حيث أن أيّ طاعة لغيره تعالى لا شك أنها تمثل نوعاً من أنواع الشِّرك، لكن هذه الضابطة لا بدّ إذا كانت لغيره أن تكون مقيّدة بقيد من الله تعالى، ولتوضيح ذلك سوف نشير إلى عدّة أنواع من العبادة التي لا تنافي العبادة الحقيقية للباري تعالى اسمه.

فالعبادة تُطلق على عدّة معانٍ وعدّة حيثيات وسنذكر نماذجاً منها:

1 ـ تارةً تُطلق لفظة العبادة ويُراد منها مملوكية المنفعة أي أن السّيد يملك هذه المنفعة المعيّنة،  قال تعالى:“عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ” [النحل: ٧٥].

2 ـ وتارةً يُراد من العبادة الطاعة والسيادة بِلا حاجة، كقوله تعالى: “أَلَم أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”[يس: ٦٠] حيث عبَّر الباري تعالى عن طاعتهم للشيطان بالعبادة.

3 ـ وتارةً تُطلق العبادة ويُراد منها الخضوع التام لمعبود من حيث أنَّه مقدَّس أي أنَّه غني بالذات وهو مصدر كل النِّعَم على وجه الإستقلال والفيض ولأجل ذلك يستحقّ الطاعة المطلقة. وهذا المعنى المُراد الذي سوف يأتي الكلام عنه، حيث نرى هل يتنافى التوسُّل مع هذا المعنى من العبادة؟

أشرنا فيما تقدَّم أن الآراء حول التوسُّل قد تعدّدت بين مثبتٍ له وبين نافٍ وبين مَن فّضّل التوسُّل بالله تعالى دون الرجوع إلى الوسائط لأنّه هو عين التوحيد الخالي من أيّ شائبة شِرك.

وحتى يكون المشهد واضحاً للقارئ العزيز فإنّه من الأمانة العلمية والإنصاف أن نطرح أدلّة أصحاب كلِّ رأي ومِن ثمَّ نناقش هذه الأدلّة حتى نصل إلى النتيجة المبتغاة المؤيّدة بالأدلّة المتينة.

لقد تمسَّك أصحاب الرأي النافي مطلقاً للتوسُّل  ببعض الآيات القرآنية التي يظهر منها بدواً أن التوسُّل هو عين الشِّرك وقد قدّموا مقدّمة حتى يتضح وجه الإستدلال عندهم. منها:

  • 1) أن الدعاء هو النداء وطلب الحاجة وهو عين العبادة وهي لا تجوز ولا تصحّ لغير الله تعالى ولو كان ذلك من الأنبياء (ع) أو الأولياء الصالحين،  وما يؤيِّد ذلك ويقويه ورود نصوص مفادها أن الدعاء هو «مخ العبادة»وأنّه «بمنزلة الرأس من الجسد»، وبالتالي كيف يمكن أن يصحّ الدعاء لغير الله؟؟
  • 2) وقول «لا إله إلّا الله» يتنافى مع أيّ وسيلة تتَّخذ للدعاء لسواه والنتيجة القهرية هي الشِّرك، فتنصيب الوسائط من قِبل المخلوقين يُعدُّ تصرّفاً بالإدارة الإلهية، ولذلك أنكر الله تعالى في مُحكم كتابه على عَبَدَة الأصنام.

ولكنّ الحق أنّ من تأمّل الآيات الكريمة سَيجد أنّ الإنكار الإلهي لم يكن مُنصبّاً على نفس التوسّط والتوسُّل بل كان على الآلية التي لم يأمر الله تعالى بها أي إنكار خصوص الوسائط المقترحة من دون الله تعالى.

ولبيان ذلك سنتبيّن حقيقة الإنكار من خلال الآيات الكريمة.

قال تعالى:” أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ”[الأعراف: ٧١].

فلو تأمّلنا بالآية الكريمة نجد أنّها لم تنفِ أصل الوساطة أو الوسيلة، إنَّما أنكرت الوسائط  والأسماء المقترحة من قبل المخاطبين وآبائهم التي ما أنزل الله بها من سلطان أي أنّ الله تعالى لم يأذن لهم بتلك الوساط والأسماء. وإلا لا معنى لتقييد الآية بقوله تعالى:“مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ” وما يؤيّد ذلك قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى”[النجم: ٢٣] و قوله تعالى:” أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ” [الشورى: ٢١].

فنخلص ممّا تقدّم أنّ الآيات تنهى عن توسيط الوسائط التي لم يأذن الله تعالى بها، وليس نفس فكرة التوسّط أو التوسُّل، وبالتالي إذا أذن الله أو أمر بذلك فيكون ذلك عين الطاعة والتوحيد لأّنه تجسيد واضح وخضوع تام لإرادة المولى تعالى.

والشاهد على ذلك قضية نبي الله آدم (ع) حيت قال:“إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” [ص: ٧٢- ٧١] وقال تعالى:”وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين”[البقرة: ٣٤].

فعلى ما ذهب إليه النافون للتوسُّل يلزم من قولهم، أن الله أمر بالشِّرك حيث أمرَ الله الملائكة بالسجود لآدم (ع)، ومن المعلوم أن السجود هو أرفع أنواع الخضوع والإمتثال، وإلّا نفس الأمر بالسجود يؤيد ما تقدّم من الآيات حيث أن الأمر إذا كان منه تعالى فهو عين الطاعة.

وما يُراد أن نفهمه هو أنَّ العِبرة بنفس الإمتثال للأوامر الإلهية، أمّا شكل العبادة وهيئتها فليس هو العِبرة. ومن هنا يمكن أن نفرّق بين التوجُّه إلى الأصنام وبين التوجُّه نحو الكعبة ـ القبلة ـ التي هي عبارة عن أحجار لا تضرّ ولا تنفع.

إغلاق