آفاق معرفية

حجر الفلاسفة حافزٌ للإبداع

من الناس من يتوهم أنه قادرٌ على أن يغيّر التاريخ، أو الطبيعة.....

بقلم: حسن العاملي(*)

 

من الناس من يتوهم أنه قادرٌ على أن يغيّر التاريخ، أو الطبيعة. بعضهم يحاول أن يأتي بمعجزاتٍ، أو يتحدى المستحيل. هو رجل صادف في حياته نجاحاتٍ متكررةٍ، تجعله يركض وراء حلمٍ صعب المنال. ومع ذلك، فهو لا يستسلم. فطموحُه لا يعترفُ بالفشل، وقواه أشدُ من اليأس. إنه رجلٌ من صنع التمني والخيال.

أين هو ذلك الرجلُ الذي يرافقُ الشمس عند شروقها، ويستقبل القمر حينما يطلُ؟

في كل لحظةٍ عنده حركةٌ، وفي كل ساعةٍ لديه هدفٌ. في الليل يتأمل، وفي النهار، يكافحُ ويعمل، بلا مللٍ. يحاربُ المرض بالمرض، والتعب بالتعب، والجوع بالجوع، حتى يصل إلى الهدف. إنه كَرُبّان السفينة، يغازلُ الريح، ويلوي الموج. رحلاتهُ، من بحرٍ إلى بحر، ومن شاطئٍ إلى شاطئ. إن مشى، ظلهُ يحسبُ له خطواته، وإن جلس، تشعُ من حوله هالةٌ من الوقار. هو، يرفض التحدي من أحد، ولا يتحدى أحداً، بل يتحدى نفسه فقط. هو قويٌ، يقطع الفولاذ بحجرٍ، ويثقبُ الحجر بإبرةٍ، ويذيبُ الحديد بالنار، ويطفئ النار بالماء. من أين له هذه القوةُ وذلك النشاطُ؟

لا فرق بين رجلٍ وأمرأةٍ منها ينبعُ الجمال وعندها كل الحنان. صمتُها قوةٌ، وكلامُها ينطقُ بالحكمة. بالبصيرة ترى، وبالحلم تُطفئ الغضب. تستقبلُ الأحبّة بضحكةٍ، وتعادي العدو ببسمةٍ. إنّها أمٌ للحياة وأهلٌ للعطاء، هي كنزٌ للفضيلة، وبهجةٌ للفرح. من أين لها ذلك السموُ وتلك الرفعةُ؟

حجر الفلاسفة 

في العصر العباسي، ازدهرت حركةُ العلوم، وعمّ النشاطُ الفكري. اهتمّ العلماء والصاغةُ والتجارُ بفن الكيمياء، بحثاً عن طريقةٍ سحريةٍ  لتحويل العناصر الرخيصة إلى ذهبٍ. لهذا الغرض استعملوا الحوامض والقلى والنار ومواد أخرى، بغية تحويل الفضة والنحاس والقصدير والزئبق إلى ذهبٍ. لكنَّهم، بعد كل ذلك الجهد، لم يُوفَّقوا.

وأخيراً، جاء أشهرُ علماء ذلك العصر (جابر بن حيان)، كان يبحثُ عن (مادةٍ وحيدةٍ)، من وحي خياله، تستطيعُ تحويل تلك العناصر الرخيصة إلى ذهبٍ. سُمِّيَت تلك الإفتراضية بـ (حجر الفلاسفة). ذلك التعلق بتلك الفكرة، ألهم جمهور الكيميائين والصاغة وقوَّى عزيمتهم للحصول على الذهب. وقد شهد (الإمامُ جعفرُ للصادق) ذلك النشاط، كما يبدو من الصورة المرفقة، من المكتبة البريطانية.

في ذلك العصر، كان لأشهر الكيميايين، (أبو بكر الرازي)، تجارب مخبريةٍ  واسعةٍ، في هذا الحقل. ثمَّ جاء آخرون، مثل الكندي، والفارابي، والدمشقي، وغيرهم، الذين عملوا أيضاً، في حقل الكيمياء، بحثاً عن الذهب. لكن أحلامهم لم تتحقق حتى اليوم.

الفحم يتحدى:

الفحم أي (الكاربون بلغة الكيمياء)، هي مادةٌ رخيصةٌ، في متناول الجميع. يستعملها الإنسان للتدفئة والحريق، ثم يرمي رمادها مع الفضلات. لكن، لولا الفحم والماء، لما كانت هناك مخلوقاتٌ حيةٌ. “وجعلنا من الماء كل شيٍ حيٍ” [الأنبياء: 30]. فالإنسان، وكلُّ حيوانات الماء، والنباتات، والفطريات، والجراثيم، والأغذية، والأدوية، هي مركباتٌ عضويةٌ من صنع الفحم.

فالفحم، هو تلك المادة السحريةُ التي تحولُ العناصر الميتة إلى مركباتٍ حيةٍ. مثلاً: الفحم مع الماء هو السكر، ومع الماء أيضاً، الطحين، ومع الماء، هو خشبٌ. والفحم، مع الهيدروجين، هو البترولُ والزيوتُ والدهونُ واللحومُ وكذلك، الأغذيةُ السكرية والنشوية. جميعها تُسمى (الكاربوهيدرات)، أي (الفحميات المائية).

وأيضاً يتفاعل الفحم مع عناصر أخرى، فينتج العطورُ والروائحُ المنعشة وألوان الزهور الجميلة.

الفحم أي (الكاربون)، هو عنصرٌ كيميائيٌ فعّالٌ، له أربعُ أيادٍ أو مشابك للتفاعل. كذلك للهيدروجين، مثلاً، يدٌ واحدةٌ، أو مشبكٌ واحدٌ. وللأوكسجين مشبكان، ولغيره ثلاثةٌ… بهذه الآلية، يستطيعُ الفحم أن يرتبط بأربع جهاتٍ. هذه الجهاتُ الأربعُ، تستطيع أيضاً أن ترتبط بأربعٍ أخرياتٍ وأخريات، فتشكلُ ملايين السلاسل من المركبات.

بهذه الميزة، يصبح حجر الفلاسفة الخيالي، هو الفحم. لكنَّ للفحم قصةٌ اُخرى، فيها خيارٌ أخرٌ : فهو إن تماسكت أياديه الأربع مع بعضها، تصبح حجر الماس.

الحجر الكريم:

الماس، هو من الأحجار الكريمة، لكنَّه يتميز عن أمثاله من الزمرد والياقوت والعقيق والفيروز وغيرها، بأنه بلورةٌ شفافةٌ نقيةٌ. في هذا الحجر الكريم، سرُّ الحياة والجمال والطهارة. الماس، لا يفنى، ولا يتفتت، ولا يتسخ، يحافظُ على شفافيته وتشعُ منه ألوانُ قوس القزح، كأنه كوكبٌ دريٌ، نزل من كوكبٍ أخرٍ. إنَّه من فحمٍ نقيٍ، مائةٌ بالمئة. بعكس جميع الأحجار الكريمة الأخرى، التي تتكوَّن من عناصر معدنيةٍ مختلفةٍ متبلورةٍ. الماس نادرُ الوجود، ثمنه غالٍ جداً، به تُرصَّعُ تيجانُ الملوك، و به تتزينُ نساءُ المدينة، وتلبسه أصابعٌ ناعمةٌ، على خواتم براقةٍ . كذلك، تحمله جيوبٌ كأيقونةٍ مباركةٍ. إنه صلبٌ وقاسٍ جداً.

سرُ الماسة، أنها عندما كانت فحمةً، عانت كثيراً، وهي في باطن الماء. فعلى مدى ملايين السنين، من الحرارة العالية والضغظ الشديد، تقوقعت على نفسها وانكمشت ولم تسمح لأياديها الأربع أن تتفاعل مع عناصر خارجية، وإلّا ستصبح ذات رائحةٍ كريهةٍ مثل: البترول والبلاستيك والغازات السامة التي تنتشر في الهواء، ثم تتبدد. كذلك لم تستسلم، وهي على سطح الماء إلى عناصر أُخرى، وإلّا ستصبح مركباتٍ لدنةٍ طريةٍ ناعمةٍ مثل (الكاربوهيدرات) التي تؤكل. وهكذا تحوَّلت إلى ماسةٍ صلبةٍ  قويةٍ مستقلةٍ. ولأنها قاسيةٌ استُعملت في الصناعة، والأدوات القاطعة، والثاقبة، والآلات الحسّاسة وغيرها. هذه الصلابةُ وتلك الإستقلاليةُ، لم تسمح لعنصر آخر أن يدخل بين طيّاتها. ذلك بفضل التقوقع الذي حفظ لها طاقتها.

متى تظهر قوى الإنسان الكامنة؟

سرُّ ذلك الرجل المميزُ، وتلك المرأةُ الفاضلةُ، أن كلاً منهما احتفظ بكامل طاقاته وإمكانياته الحيوية.

الرجل، كما حجرُ الماس، لا يبدد طاقاته فيما لا يلزم، ولا في توافه الأمور، بل يتعالى ويتسامى عن المضايقات.

الرجل، كما حجرُ الماس، إرادته صلبةٌ، وفكره شفافٌ، لا يسمح لمتطفلٍ أن يُشتِّت قواه ويجعله هشاً متراخياً مثل الفحم.

أما سرُ تلك المرأة، فإنها تقضي أوقاتها في حياكة سجادةٍ مزينةٍ بأحلى الصور، وترسم أجمل المناظر بأبهى الألوان. كلُّ ذلك، بخيطٍ فوق خيط وقطبةٍ تحت قطبة. فقط بإبرةٍ واحدةٍ ومغزلٍ صغيرٍ. ما أجملها وهي تجمع قطن الحقل وصوف الغنم ووبر الجمل، من أجل تلك السجادة. من أين لديها أوقاتٌ تضيعها في القيل والقال؟

أليس «حجر الفلاسفة» هو حافزٌ لتحويل مادة إلى مادةٍ اُخرى؟ أمّا حجرُ الماس، فهو يغيِّر أحوال الإنسان الفكرية والروحية والصحية، إلى حالٍ أفضل. أليست صفاتُ ذلك الرجل وتلك المرأة، هي صفات حجر الماس المبارك، الذي يبعث في النفوس السرور ويُحسِّن المزاج، بنظرةٍ واحدةٍ؟

ومثلما في داخل الماسة خزّانٌ للطاقة الكامنة، كذلك توجد مثلُها في داخل الإنسان. إنّ جميع أعمالنا وحركاتنا ونشاطنا اليومي، لا يستهلك إلا القليل القليل من طاقتنا الداخلية.

فمن يحمل عشرين كيلوغراماً، يتعب، ومن يمشي عشرين كيلومتراً، يتعب ، ومن يعمل عشرين ساعةٍ يتعب، ومن يسهر عشرين ساعةٍ متواصلةٍ، يتعب ، ومن يعطش عشرين ساعةٍ، يتعب، ومن يتألم عشرين ساعةٍ، يتعب. وهكذا، نشعر بالتعب والجوع والألم والنعاس.

لكن تلك الطاقة الجبارة تُحرِّر الإنسان، من كل ذلك التعب والألم في لحظات: حينما يبادر شخصٌ لانتشال شخصٍ يغرق، أو يُبعد آخر عن حريقٍ ملتهبٍ، أو يصدّ هجوماً لعدو غازٍ، أو يُدافع عن نفسه ضد حيوانٍ مفترسٍ، أو يواجه كوارث طبيعية. في تلك اللحظات تتدفق الطاقة الدفينة وتستيقظ الحواسُ، وتنزل دموعُ الحزن أو الفرح.

في تلك اللحظات، يختفي التعبُ والجوع والعطشُ والنعاسُ والألمُ.

في هذا السياق، هناك مشهدٌ تلفزيونيٌ يصور طفلاً يلعبُ على سفح جبل، إلى جوار حفرةٍ، ومن خلفه أنبوبٌ حديديٌ طويلٌ وثقيلٌ. في هذه الأثناء، مرّ رجلٌ من هناك وشاهد ذلك الأنبوب، وهو يتدحرج فجأة، ويسقطُ الطفل في تلك الحفرة، وهو يستغيث. وبصورةٍ عفويةٍ ، بادر الرجل ورفع ذلك الأنبوب الحديدي من فوق رأس الطفل، وحرَّرّه. ولمّا جاء من يُحقق في هذه الواقعة، لم يصدِّق رواية الرجل، فطلب إليه أن يرفع ذلك الأنبوب الحديدي ثانية. لكن الرجل حاول بكل طاقته تحريكه، فلم يستطع. من أين جاءت إليه تلك الطاقة، وهو أمام ذلك الحادث؟

للمرأة أيضاً طاقةٌ جبارةٌ تظهر حينما تتفجع في مأتم، أو تلملم عائلتها أثناء كارثة، أو عندما تواجه مفاجآتٍ مصيرية، أو حينما تكون أُماً لعروسٍ. مثل هذه الطاقة (طاقة الماس)، يمكن إطلاقها بلحظةٍ واحدةٍ وقرارٍ واحدٍ، وكلمةٍ واحدةٍ: هي (الآن).

في (الآن)، مفتاحٌ للمستقبل:

في هذه الكلمة، ولادةٌ جديدةٌ ويقظةٌ دائمةٌ وآمالٌ واعدةٌ وفرحٌ داخلي. فيها دواءٌ للحاضر وسحرٌ في المستقبل. فالذي كان في الماضي كان، والذي بقى، يُرحَّل إلى المستقبل. فلا إزعاج، ولا تعبٌ في الفكر، ولا ألمٌ دائمٌ .

ضمان الصحة، بِتَجَنُّب أسباب المرض، وإبعاد الهموم، بسد أبوابها قبل مجيئها. (الآن): تُصنع القرارت، وتُحسب الخطى، وتُرسم الألوان. بعد (الآن)، لا مكان لمتطفلٍ يشوش الأفكار، ولا لفضولي يضيع الأوقات. (الآن) : تحجب المزعجات، وتُبعد المضايقات، وتُفتح أبواب المستقبل، كما قال أحدهم:

«من، اليوم تعارفنا، فلا كان، ولا صار، ولا قلتم، ولا قلنا».

السفرُ إلى قلب الماسة

(الآن)، كانت البدايةُ، للدخول إلى قلب الماسة. فيها طاقةٌ لا تنضب وينبوعٌ من الأشعة التي تتكسر بألوانٍ جميلةٍ، في الماسة، نفحةٌ من بهاء الجنة، تبعث في النفوس الفرح والسرور. ومن يدخل إلى قلب الماسة مرةً، يبقى هناك، ولا يستطيع الخروج.  من هناك يشاهد الرجل الذين يتخاصمون على قطعة أرضٍ، ثمّ يدفنون فيها. أو الذين يكدِّسون أموالاً، ثمّ يكفّنون بها. من هناك سيحزن الرجل على يتيمٍ لم يذق غير مرارة الحياة، أو على مظلومٍ لم يطلق لعنتهُ على ظالمٍ.

هو الرجل، وهي المرأةُ، كما حجرُ الماس. ذوي إرادةٍ صلبه، وفكرٍ شفاف. الأوجه تبتسم بألوان الفرح من (الآن)، الشمسُ مشرقةٌ، والقمرُ مضيءٌ، والسماءُ صافيةٌ، والطيور تُغرِّد، وأزهارُ الربيع ترقص مع النحل في الغابة، وموسمُ العسل قادمٌ.

أليس «حجرُ الماس» المشعُ، هو أفضل من «حجر الفلاسفة» الخيالي؟ وكما قال أحدهم، تماشياً مع فرضية حجر الفلاسفة، ماذا لو حوّلنا رماد دماغٍ ميتٍ إلى ماسةٍ صغيرةٍ، فهل لهذه الماسة علاقةٌ بدماغ ذلك الميت؟

في اللغة الانجليزية، تعبيرٌ جميلٌ عن العلاقة بين الإنسان وحجر الماس، ما نصّه: إن (الدرةُ المكنونةُ)، هو (شخصُ الماس) المميز، رائع الصفات، ينقصه صقلٌ. وبعبارة أخرى، هو:

شخصٌ فظٌّ، لكنه طيبُ القلب.   Diamond in the rough.

أمّا الأكثر جمالاً من حجر الفلاسفة وحجر الماس، فالآيةُ  190 من آل عمران، التي تحثُ الإنسان على التأمل في خلق الله، سبحانه وتعالى.

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران: 190].   


    (*) مهندس، عضو في معاهد الهندسة البريطانية، مدرِّب تقني، كاتب ومترجم.

إغلاق