أحيوا أمرنا

محطات نورانية من حياة الإمام الكاظم (ع)

ولد لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومئة،....

بقلم: سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ الوحيد الخراساني ـ دام ظله

 

ولد لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومئة، وقبض لخمس بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومئة، وله خمس وخمسون سنة، وكانت مدة إمامته خمساً وثلاثين سنة.

كنيته وألقابه (ع):

كنيته أبو الحسن، وأبو إبراهيم، وأبو علي.

ألقابه: العبد الصالح، والنفس الزكية، وزين المجتهدين، والوفي، والصابـر، والأميـن، والـزاهر، والكاظم.

فضائله ومناقبه (ع):

اعترف الفريقان بفضائله ومناقبه التي استحق بها الإمامة والخلافة:

قال ابن طلحة: هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجد، الجاد في الاجتهاد، المشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظماً، كان يجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل الجاني عليه بعفوه عنه، ولكثرة عباداته كان يسمى بالعبد الصالح، ويعرف بالعراق بباب الحوائج إلى الله، لنجح المتوسلين إلى الله تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بأن له عند الله قدم صدق لا تزل ولا تزول(1).

وقال ابن حجر: وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم(2).

عن أحمد بن عبد الله عن أبيه، قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح، فقال لي  أشرف على هذا البيت وانظر ما ترى؟ فقلت: ثوباً مطروحاً.

فقال: انظر حسناً.

فتأملت فقلت: رجل ساجد

فقال لي تعرفه؟ هو موسى بن جعفر، أتفقده الليل والنهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على هذه الحالة، إنه يصلي الفجر فيعقّب إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة، فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وكَّل من يترصد أوقات الصلاة، فإذا أخبره وثب يصلي من غير تجديد وضوء، وهو دأبه، فإذا صلّى العتمة أفطر، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر.

وقال بعض عيونه: كنت أسمعه كثيراً يقول في دعائه: اللهمَّ إنني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهمَّ وقد فعلت فلك الحمد(3). وكان (ع) يقول في سجوده: قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو والتجاوز من عندك(4).

وكان (ع) يتفقد فقراء أهل المدينة فيحمل إليهم في الليل العين والورق وغير ذلك ، فيوصله إليهم وهم لا يعلمون من أي جهة هو(5).

وكان (ع): يصل بالمائتي دينار إلى الثلاثمائة دينار، وكانت صرار موسى مثلاً(6).

وكان يستغفر في كل يوم خمسة آلاف مرة(7).

وقال أبو حنيفة: رأيت موسى بن جعفر وهو صغير السن في دهليز أبيه فقلت:

أين يحدث الغريب منكم إذا أراد ذلك؟ فنظر إلي ثم قال: يتوارى خلف الجدار ويتوقى أعين الجار، ويتجنب شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، وأفنية الدور والطرق النافذة، والمساجد، ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ويرفع ويضع بعد ذلك حيث شاء.

قال: فلما سمعت هذا القول منه، نبل في عيني، وعظم في قلبي، فقلت له: جعلت فداك: ممن المعصية؟ فنظر إلي ثم قال: اجلس حتى أخبرك ، فجلست فقال: إن المعصية لابد أن تكون من العبد أو من ربه أو منهما جميعاً، فإن كانت من الله تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله، وإن كانت منهما فهو شريكه؛ والقوي أولى بإنصاف الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر، وإليه توجه النهي، وله حق الثواب والعقاب  ووجبت الجنة والنار، فقلت: “ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” [آل عمران: 34].

وقال المطران، وهو أعلم العرب والعجم بالنصرانية لعالم نصراني، سأله عن الأعلم: «إن كنت تريد علم الإسلام، وعلم التوراة، وعلم الإنجيل، وعلم الزبور، وكتاب هود، وكل ما أنزل على نبي من الأنبياء في دهرك ودهر غيرك، وما أنزل من السماء من خبر، فعلمه أحد أو لم يعلم به أحد، فيه تبيان كل شيء، وشفاء للعالمين، وروح لمن استروح إليه، وبصيرة لمن أراد الله به خيراً، وأنس إلى الحق فأرشدك إليه» فأرشده إلى موسى بن جعفر(8).

كراماته (ع):

ومن كراماته مما رواه العامة والخاصة:

ما عن شقيق البلخي، قال: خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومئة فنزلت القادسية، فبينما أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم، فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف، فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة، في رجليه نعلان وقد جلس منفرداً، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كَلاً على الناس في طريقهم، والله لأمضين إليه ولأوبخنه، فدنوت منه، فلما رآني مقبلاً قال: يا شقيق “اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” [الحجرات: 12] ثم تركني ومضى، فقلت في نفسي: إن هذا لأمر عظيم قد تكلّم بما في نفسي ونطق باسمي، وما هذا إلا عبد صالح لألحقنه ولأسألنه أن يخالّني فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني، فلما نزلنا واقصة وإذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري، فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه وأستحلّه، فصبرت حتى جلس، وأقبلت نحوه فلما رآني مقبلاً قال: يا شقيق أتلُ “وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ “[طه: 82] ثم تركني ومضى فقلت: إن هذا الفتى لمن الأبدال، قد تكلم على سري مرتين .فلما نزلنا زبالة إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه، فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول: أنت ريي إذا ظمئت إلى الماء، وقوتي إذا أردت الطعام اللهمَّ سيدي ما لي غيرها فلا تعدمنيها.

قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها، فمد يده وأخذ الركوة وملأها ماء فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب، فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد عليّ السلام.

فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم الله عليك، قال: يا شقيق لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر، فوالله ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحاً، فشبعت ورويت، وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً.

ثم لم أره حتى دخلنا مكة، فرأيته ليلة إلى جنب قبة الميزاب في نصف الليل قائماً يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلمّا رأى الفجر جلس في مصلاه يسبِّح ثم قام فصلّى الغداة، وطاف بالبيت أسبوعاً وخرج فتبعته وإذا له غاشية وموال، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس من حوله يسلمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه: من هذا الفتى؟ فقال: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد(9).

وفي المناقب: حُكي أنّه مغص بعض الخلفاء فعجز بختيشوع النصراني عن دوائه، وأخذ جليداً فأذابه بدواء ثم أخذ ماء وعقده بدواء وقال: هذا الطب، إلا أن يكون مستجاب دعاء ذا منزلة عند الله يدعو لك.

فقال الخليفة: علي بموسى بن جعفر، فأتي به فسمع في الطريق أنينه، فدعا الله سبحانه، وزال مغص الخليفة فقال له: بحق جدك المصطفى أن تقول بم دعوت لي؟

فقال (ع): قلت: اللهم كما أريته ذل معصيته، فأره عز طاعتي، فشفاه الله من ساعته(01).

وفي الصحيح، قال عبد الله بن مغيرة: مرّ العبد الصالح بامرأة بمنى وهي تبكي وصبيانها حولها يبكون، وقد ماتت لها بقرة، فدنا منها ثم قال لها: ما يبكيك يا أمة الله؟

قالت: يا عبد الله إنّ لنا صبياناً يتامى وكانت لي بقرة معيشتي ومعيشة صبياني منها، وقد ماتت وبقيت منقطعاً بي وبولدي لا حيلة لنا.

فقال: يا أمة الله هل لك أن أحييها لك.

فألهمت أن قالت: نعم يا عبد الله.

فتنحى وصلّى ركعتين، ثم رفع يده هنيئة وحرّك شفتيه ، ثم قام فصوت بالبقرة فنخسها نخسة أو ضربها برجله، فاستوت على الأرض قائمة!

فلما نظرت المرأة إلى البقرة صاحت وقالت: عيسى بن مريم ورب الكعبة، فخالط الناس وصار بينهم ومضى(ع)(11).


المصادر:

(1)  مطالب السؤول ص 83، كشف الغمة ج 2 ص 212 بتفاوت يسير.

(2)  الصواعق المحرقة ص 203.

(3) مناقب آل أبي طالب ج4 ص 318، عيون أخبار الرضا (ع)، ج2 ص 107، باب 8 ح10.

(4)  مناقب آل أبي طالب ج4 ص 318، ومصادر أخرى للخاصة. وقريب منه في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج6 ص 191، ومصادر أخرى للعامة.

(5)  الخرائج والجرائح ج2 ص 896، مناقب آل أبي طالب ج4 ص 318، كشف الغمة ج 2 ص 228.

(6)  كشف الغمة ج2 ص 229، وقريب بهذا المضمون في تاريخ بغداد ج13 ص 28، ومصادر أخرى للخاصة والعامة.

(7) كتاب الزهد ص 74 رقم 199، وسائل الشيعة ج16 ص 86، كتاب جهاد النفس باب 92 ح 8.

(8) الكافي ج1 ص 478 باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) ح4.

(9) مطالب السؤول ص 83 وبتفاوت في نوادر المعجزات ص 159، دلائل الإمامة ص 318، كشف الغمة ج 2 ص 213.

(10) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 305.

(11) الكافي ج 1 ص 484.

إغلاق