آفاق معرفية

أي خرّيج نريد؟

إنّ الخلل الحاصل في البنية الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي....

بقلم: رائـد شـرف الديـن – النائب الأول لحاكم مصرف لبنان

 

إنّ الخلل الحاصل في البنية الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي سبّب أنماطاً غير متوازنة في النمو الاقتصادي. وهذا الأداء، وانعكاساته على استحداث فرص عمل، خاصةً في صفوف الشباب يعرض هذه الفئة وكل الفئات الأخرى للخطر لناحية مستوجبات العيش الكريم والرفاهية.  والتساؤل اليوم:

«أي خريج نريد؟» مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرتنا حول: «أي اقتصاد نريد؟»

خصائص سوق العمل اللبناني

لقد فشلت المدَّخرات ورؤوس الأموال القادمة من الخارج  في تمويل الاستثمارات الإنتاجية وتنويع الاقتصاد اللبناني. فمنذ العام 1997 ولغاية العام 2007 بلغت الاستثمارات الإجمالية الثابتة المحلية (GDFI) أكثر من 18 %، بحد أقصى 30 % في عام 1997. وقد تم توجيه هذه الاستثمارات بشكل أساسي في قطاع العقارات، حيث بلغ متوسط نسبة الاستثمار في البناء والأشغال العامة أكثر من 68 % من مجموع الاستثمارات، وذلك بين عام 1997 وعام 2007. وقد أدى هذا التركيز في قطاع البناء إلى استبعاد قطاعات وأنشطة أخرى. وانتقلت الاستثمارات المتبقية إلى الصناعات المرتبطة بهذا القطاع والتي تزوده بالسلع الوسيطة. وبما أنّ البناء والصناعات المتعلقة تعتمد أساساً على عمالة غير لبنانية، فإنّنا نستخلص أنّ المرونة (Elasticity) في استحداث الوظائف والإنتاج في لبنان متدنية جداً.

بالإضافة إلى مشكلة تقلّص فرص العمل فهنالك قلق حول نوعية الوظائف التي تستحدث بحيث أنَّ العديد منها ذو طبيعة غير رسمية يفتقر إلى الحمايات الاجتماعية. إنَّ القطاعات التي توسعت فيها مستويات العمالة بين عام 1997 و2007 كانت الخدمات وقطاعات النقل والاتصالات التي وصلت الى 80 %، وقد شكّلت هذه القطاعات نسبة 20 % من صافي الوظائف الجديدة. ومن ضمن قطاع الخدمات، فقد استحدثت معظم الوظائف في الفنادق والمطاعم والتجارة في حين تراجعت فرص العمل في القطاع المالي وفي جميع القطاعات الأخرى خلال نفس الفترة. وفي ظل غياب إحصاءات دقيقة، من الواضح أنَّ جزءاً كبيراً من هذه الفرص الجديدة غير مسجلة رسمياً حيث أنَّ تغطية الضمان الاجتماعي لم تشهد أي ارتفاع منذ تلك الفترة وحتى اليوم، بل استمرت على نفس نسبة التغطية البالغة 38 % من القوة العاملة.

الحاجات على صعيد القطاعات
السياحة:

هي إحدى القطاعات الواعدة في لبنان. وقد أشارت الأرقام الصادرة عن منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أنّ لبنان سجَّل أكبر معدل نمو على مستوى العالم في عدد السياح الوافدين إليه في العام 2009 إذ بلغت الزيادة نحو 29 % عن العدد المسجَّل في 2008، في حين تراجع نمو عدد السياح عالمياً بنسبة 4,2%. ومع أنّ السياحة هي ركن من الاقتصاد الوطني الذي يؤمن مداخيل هامة ومع تنوع السياحة التي تضم السياحة الإستجمامية، الصحية، الدينية والثقافية لكنّها وحدها لا تبني اقتصاداً، ولا بد من الالتفات إلى قطاعات أخرى.

الصناعة ذات القيمة المضافة

صحيح أنَّ لبنان لا يستطيع أن ينافس الصين  أو الهند  أو تركيا في حجم الإنتاج على نطاق واسع (Mass Production)، ولكن بإمكان لبنان المنافسة على مستوى الجودة، وعلى سبيل المثال، فإنَّ المجوهرات احتلت في الفصل الثالث من العام 2009 المرتبة الأولى من الصادرات (24%) وذلك بسبب القيمة المضافة، والذوق اللبناني المرغوب. ينطبق هذا أيضاً على الصناعات الأخرى التي تتطلب إبداعاً مثل تصميم الأزياء. (Haute Couture)

هناك أهمية للالتفات للقطاع الصناعي، عموما،ً بشكل أكثر جدية. فمن المعلوم أنّ القطاع الصناعي من أهم القطاعات التي تتمكن من استيعاب العمالة حيث تقدر وحدها بإمكانية استيعاب 140 ألف موظف، وهذا رقم غير مبالغ فيه نظراً لأنّ قيمة الصادرات قد ارتفعت من 889 مليون دولار في العام 2001 إلى حوالي 3,5 مليار دولار في العام 2009. وإن تكرّرَ الحديث حول الكلفة العالية للطاقة وللعمالة، لكن للصناعة أهمية تكمن بقدرتها على تحفيز بقية القطاعات. مثلاً، إن تفعيل الصناعات الغذائية، والتي تشكل منتجاتها رابع أكبر صادرات في الفصل الثالث من العام 2009، له تأثير إيجابي على القطاع الزراعي، العمال، المهندسون، المصارف، شركات التأمين، والنقل وغيرها.

التكنولوجيا:

وحيث أن لبنان قد فاته التطور الصناعي الذي يلي عادة قطاع الزراعة ويسبق قطاع الخدمات في التطور الاقتصادي للدول، فلا بد أن يلحق بالثورة التكنولوجية التي نعيشها. لقد احتلّ قطاع التكنولوجيا المركز الثاني من الصادرات في الفصل الثالث من العام 2009 بنسبة  16,8%  وهو يضم صناعة تجميع الأجهزة الكهربائية  والإلكترونية. وهذه فرصة مهمة للعمالة حيث بإمكانها استيعاب شريحة واسعة من الخريجين الجامعيين والمهنيين في مختلف الاختصاصات، خاصة أنّ الاتجاه العام العالمي هو لاقتصاد المعرفة.

الزراعة:

إنّ قدرات القطاع الزراعي في لبنان هائلة نظراّ إلى طبيعة لبنان الجغرافية، وتوفر الأراضي الزراعية (الساحل، الجبال وسهل البقاع) إضافة إلى توفر مياه الريّ واليد العاملة لكن دونها عوائق عديدة. ومن الملفت أنّ البلدان المجاورة وبلاد الخليج قد تحدّت عدة معوقات واستطاعت أن تنهض بقطاعها الزراعي وذلك ليس فقط لتلبية حاجاتها الداخلية بل للتصدير. لكن هذا القطاع أيضاً بحاجة إلى دعم الدولة، وبحاجة إلى التمايز عبر جودة الإنتاج.

 الطاقة:

وفي ظلِّ الحديث عن وجود احتياطيات نفطية وغازية كبيرة في لبنان، لا بد من الإعداد لهذا القطاع بما يشمله من اختصاصات تتضمن هندسة البترول، والطاقة المائية، والطاقة المتجددة، وهندسة البيئة، واختصاصات مُعمّقة في القوانين المتعلقة بالطاقة، إضافةً إلى اختصاصات في الحفر والتنقيب  والصيانة.

وفي حين استعرضنا القطاعات الواعدة في لبنان وأهمية توجيه الاختصاصات لتلحق بركبها، فلا بد من الالتفات إلى الاتجاهات المستقبلية لسوق العمل في البلدان العربية، خاصة أنّ الاستفادة من التطور الكبير في مستوى الموارد البشرية اللبنانية لا تقتصر فقط على السوق اللبنانية بل تتعداه لتشمل بلدان العالم العربي بشكل أساسي، ومن ثم أوروبا وأميركا الشمالية وأفريقيا.

قبل تحديدي للمهارات المطلوبة في سوق العمل أودّ أن أعرض لعدَّة نقاط.

أولاً: لا أعتقد أنّ التعليم في لبنان يواكب سرعة المتغيرات في سوق العمل. وعليه، فلا بد من النظر بتمعُّن في جدوى منح الرخص بشكل شبه مفتوح للجامعات ومعاهد التعليم العالي لا لمساهمتها التربوية والبحثية وإنَّما للمحاصصات الطائفية مما يربك مستوى التعليم وسوق العمل على حد سواء.

ثانياً: إنّ الإعداد لسوق العمل لا يبدأ في الجامعات، بل منذ الدراسة الثانوية حين تتحدد رغبة التلامذة ويتم توجيههم من قبل الخبراء في مدارسهم أو المراكز المتخصصة للتوجيه.

ثالثاً: أتحفظ على التعبير المُستخدم وهو «إلحاق الجامعات بسوق العمل». للجامعات دور يتعدى رفد السوق بالعمالة، فلها دور اجتماعي ووطني وسياسي يوازي أهمية دورها الاقتصادي  والتنموي. وعليه فإذا اختزلنا الدور بتوفير ما يحتاجه السوق من اختصاصات اليوم، فهذا بالتأكيد سبب كساداً لاختصاصات أساسية في المجتمعات مثل الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية واللغات والفنون وغيرها بين المعارف التي تحفظ للوطن توازناً حضارياً وديمقراطياً وثقافياً.

المهارات المطلوبة  

ليس بالاختصاص وحده يبرع الإنسان. فهناك الكثير من الأدلة في سوق العمل المحلي إلى عدم تطابق المهارات بين حاجات سوق العمل وخريجي الجامعات وبرامج التدريب المهني بحيث يواجه الخريجون توقعات منخفضة من حيث فرص العمل ومستويات الدخل. وهنا تكمن الحاجة إلى تدخُّل مباشر من وزارة التربية والتعليم العالي وتحديداً من المركز التربوي للبحوث والإنماء كي تحقق المواءمة المطلوبة بين مستوى الخرجين واختصاصاتهم وحاجة السوق.

الأمثلة معروفة حول نسبة الأطباء للممرضات أو نسبة المهندسين للتقنيين. ويشير إحصاء أجرته شركة InfoPro لحوالي 300 شركة لبنانية، أنّ 30% من طالبي العمل لديهم اختصاصات لا تشكل أي قيمة مضافة لأرباب العمل. مثال ملفت آخر وهو الصعوبة التي يجدها خريجو الـ  BT وTS في إختصاصيّ «المصارف» أو «العلاقات العامة  والإعلانات» في إيجاد فرص عمل بوجود خريجين جامعيين في نفس الاختصاصات. وهذا يطرح سؤالاً حول جدوى هذه الاختصاصات وغيرها الشبيهة على مستوى التعليم المهني.

كما يجب التأكيد على أهمية اكتساب خريجي الجامعات والمعاهد العليا مهارات تتعدى المعرفة التقنية في اختصاصاتهم. وهذه المهارات تكتسي اهتماماً كبيراً في سوق العمل في ظلّ الوعي لأهمية أبعاد أخرى مثل تلك التي يعبر عنها بالذكاء العاطفي (Emotional Intelligence). من هنا لا بد من التفات إلى أهمية إكساب الطلاب الجامعيين مهارات شخصية واجتماعية، تساهم في نجاحهم و إنجاح الفريق الذي ينتمون إليه، يُعبَّر عنه بال “Soft Skills” مثل: قدرة التحليل، إمكانية التعامل مع الآخرين بفعالية ـ تناغم مع أعضاء الفريق، المرونة في مواجهة المتغيرات، الإيجابية، الاندفاع، روح المبادرة والتواصل بفعالية شفهياً وكتابياً. وحيث أنّ هنالك 300 ألف مؤسسة في لبنان وأنّ 98,5% من هذه المؤسسات دون 10 عمال، فهنالك حاجة أكبر إلى مهارات تجمع الكثير من تلك المذكورة أعلاه.

ختاماً، أودّ أن أشير إلى مبادرة مهمة أطلقها البنك الدولي في بداية العام 2010 وهي عبارة عن برنامج تعاون فني يختص بسوق العمل اللبناني لدعم الحكومة اللبنانية في وضع وتنسيق السياسات المتعلقة بالقطاعات التي يمكن أن تسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وتسهيل إيجاد فرص عمل ذات نوعية جيدة على المدى المتوسط.

إغلاق