أسرة ومجتمع / صحة

اختيار المنزل المبارك

من صفات أهل الإيمان اختيار المكان الذي يسكنوا فيه....

بقلم:  السيد حسين نجيب محمد

 

الخلق القرآني:

من صفات أهل الإيمان اختيار المكان الذي يسكنوا فيه، فيقول تعالى في قصة نوح (ع): ):أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ”[المومنون: 29].

فالله تعالى يعلّم نوحاً (ع) أن يدعو ربّه ليوفِّقه للنزول ـ بعد الطوفان ـ من السفينة إلى مكان مبارك، وهذا درسٌ لكلِّ مؤمن قرآني أن يدعو ربّه ليختار له المنزل والمقام المبارك.

وذلك لأنَّ للأمكنة التي ينزلها الإنسان دورٌ في البركة وعدَمها، فهناك أماكن مباركة وأماكن ملعونة، فقد يسكن الإنسان بيتاً يرى فيه الخير والراحة والبركة في الأهل والمال، وقد يسكن بيتاً يكون عليه شقاءً وضنكاً كما هو المُجرَّب، ولذا يُقال في المثل الشعبي: «البيوت وجوه وأعتاب».

فمن هنا ورد في الروايات إرشاد الناس لاختيار الأماكن المباركة و«ليس بلد بأحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك» كما قال الإمام علي (ع)(1).

بركة المتزل:

البركة هي دوام الخير وزيادته، وهي في كلّ الأمور التي فيها نفعٌ للناس، وبركة المنزل وهي كثرة خيره على العائلة، ويُعبَّر عن البركة بـ «الطاقة الإيجابية».

وللحصول على البركة لا بدَّ من اختيار المنزل المناسب… واختيار المؤمن المتوقِّف على اختيار الله تعالى، ولذا فإنَّ المؤمن يدعو ربَّه ليختار له، كما تعلمنا الآية المباركة.

عن الإمام علي (ع): «وإذا نزلتم فقولوا: اللهم أنزلنا منزلا مباركاً وأنت خير المنزلين»(2).

صفات المنزل المبارك:

1 ـ أن لا يكون في مكان يكثر فيه الظلم والفساد، فقد أمرنا القرآن الكريم بالهجرة من هكذا بلاد، قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا۞ فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا”.[النساء: 97 ـ 100].

وقد استفاد الفقهاء من هذه الآيات وجوب الهجرة من أماكن لا يتمكَّن فيها المؤمن من إقامة أحكام دينه، وفي الحديث: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كانت شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه ابراهيم ونبيه محمد (ص)»(3).

ويقول تعالى: ” وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا”[النساء: 75].

2 ـ أن لا يكون في مكان حدث فيه خسف وقتل وفساد. فقد ورد آن رسول الله (ص) قال لأصحابه: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلّا أن تكونوا باكين، حذراً أن يصيبكم ما أصابهم»(4).

وروي أنّه لمّا سار النبي محمد (ص) إلى غزوة تبوك مرَّ بـ «الحجر» وهي ديار «ثمود» فاستقى الجيش من بئرها فأمر النبي (ص) منادياً ينادي: لا تشربوا من ماء بئرهم ولا تتوضوا منه للصلاة، فجعل الناس يهرقون الماء وقالوا: قد عجَّنا، فقال (ص): إعلفوا الإبل خوف أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثمَّ غطّى النبي (ص) وجهه بثوب وإستحثَّ الراحلة بالمشي وفعل الجيش كذلك، وقال (ص): «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون».

وجاءه رجلٌ بخاتمٍ وجده في «الحجر» فأعرض النبي (ص) عنه واستتر بيده عن النظر إليه وقال له: ألقِهِ.

وقد ورد النهي عن الصلاة في بعض الأماكن كأرض العذاب وبيوت الجنّ. فقد رُوي أنَّ الإمام علي (ع) مرَّ بأرض بابل وقال لأحد أصحابه: «إنَّ بابل أرضاً خُسف بها فحرِّك دابتك لعلّنا نُصلّي العصر خارجاً منها»(5).

وعن الإمام الصادق (ع): «الصلاة تُكره في ثلاثة مواطن من الطريق: البيداء، وهي ذات الجيش، وذات الصلاصل، وضجنان»(6).

وعنه (ع): «لا تصلِّ في وادي الشقرة فإنَّ فيه منازل الجن»(7).

وروي أنَّ الإمام زين العابدين (ع) سافر إلى مكَّة المكرَّمة مع بعض مواليه فلمّا بلغ عسفان ضرب مواليه الفسطاط في الأرض فقال لهم (ع): «كيف ضربتم في هذا الموضع وهذا موضع قوم من الجن»(8).

3 ـ أن يكون بجوار الأماكن المقدّسة التي تذكِّر بالآخرة، كمجاورة المساجد والقبور، قال تعالى:“رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ” [إبراهيم: 37].

عن أبي ذرّ الغفاري قال لي رسول الله (ص): «يا أبا ذرّ أوصيك فاحفظ لعلَّ الله أن ينفعك به، جاور القبور تذكر بها الآخرة»(9).

4 ـ أن يكون بجوار المؤمنين فإنَّ «الجار قبل الدار» . فقد جاء رجل إلى رسول الله (ص) وقال له: يا رسول الله أردت شراء دار، أين تأمرني أن أشتري في جهينة أم في مزينة أم في ثقيف أم في قريش؟ فقال (ص): «الجوار ثمّ الدار»(10).

وعن الإمام علي (ع) أنّه قال: «سلْ عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار»(11).

5 ـأن يسكن في الأماكن التي يكثر فيها الزرع والشجر، قال تعالى: ” لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ” [سبأ: 15].

وعن الإمام علي (ع) أنّه قال حول بركة البيت: «وإنَّ لها بركة وبركتها جودة موضعها وسعة ساحتها، وحسن جوار جيرانها»(12).

6 ـ مراعاة الاتجاه الصحيح، قال تعالى: ” وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:87]. يُستفاد من هذه الآية في عدة أمور:

  • أنّ الأنبياء (ع) تدخلوا في أهم مشكلة بيئية وهي السكن وتخطيط المدن والقرى.
  • كما نجد ذلك أيضاً في حياة رسول الله (ص) فقد روي عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: لمّا دخل النبي (ص) المدينة خطَّ دورها ثمَّ قال: «من باع رقعة من أرض فلا تبارك به»(13). 
  • ما يعني أنّه (ص) اهتمّ بنفسِه بالتنظيم المدني باعتبار أنّه الحاكم الشرعي لأمور الدّين والدّنيا.
  • وقد اختار النبي محمد (ص) مكان بناء المسجد النبوي الشريف وبقيّة البيوت من خلال «الناقة» حيث قال (ص): «دعوها فإنّها مأمورة»، ثمَّ بنى المسجد في المكان الذي بركت فيه، وجاء العِلم الحديث ليكشف لنا أنَّ الجمل والحمار من الحيوانات التي تدرك بغريزتها مكان الطاقة الإيجابية.
  • إنَّ المخطّط الذي وضعه النبي موسى (ع) ـ هو جعل البيوت متقابلةـ له أسباب عديدة أهمّها : الشعور بالترابط والتقارب بين الناس، والتكتّل ضد المجتمعات الظالمة، وهذه سياسة الحياد والحياة لكلِّ شعب مشرّد مطرود في سبيل الله تعالى أن ينضموا ويتضامنوا مع بعضهم البعض، بدلاً من شتاتهم بين الأعداء، وهذه تعبئة نظامية وروحية(14).
  • ـإنَّ تقابل البيوت يساهم في دخول الهواء بشكل تيار لطيف ممّا يجعلها في وضع بيئي ومناخي جيد، وبذلك يُؤمِّن السكن الصحي لكافة المجتمع.

وصية عامة:

يقول الشيخ المامقاني في وصيته لولده: أوصيك ـ بُني أرشَد الله تعالى أمرك، وأطال عمرك، ووفّقك لما يُحبّ ويرضى، وجعل مستقبلك خيراً ممّا مضى ـ بسكنى النجف الأشرف، ما دام معاشك داراً فيها على الوجه الأوسط، بل الأدنى من غير ارتكاب محرَّم، ولا تحمل مذلة، لأمور:

منها: أنَّ لمولانا أمير المؤمنين (ع) خصوصية في حماية الجار، وحفظه من شرِّ الأشرار، كما قضت بذلك التجربة في هذه السنين المشؤومة، والقرون السالفة، وكشف عن ذلك قوله (ع): «والنجف حرَمي، ما قصده جبّار بسوء إلّا وقصم الله تعالى ظهره».

وقوله (ع) مشيراً إلى ظهر الكوفة: «ما قصده جبّار بسوء إلّا ورماه بقاتل».

وقوله (ع): «إذا كان البلاء في سائر الأقطار إلى شحمة الأذن، ففيك إلى الخلخال».

ومن تأمَّل في الوقائع المحيّرة للعقول في هذه السنة التعيسة فهم معنى هذه الرواية، وعرف مقدار حمايته (ع) للجار.

ومنها: ما في زيارته (ع)، وفي الصلاة عنده من الفضل العظيم الذي لا يحرم العاقل نفسه منه.

ومنها: ما فيها من البعد عن جملة من المعاصي قهراً، لعدم تهيؤ أسبابها في كلّ زمان على نحو تهيئتها في سائر الأماكن، كالرياسات الميسورة للعلماء في سائر الأقطار سيّما بلاد إيران ـ صانها الله تعالى من الحدثان ـ إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتدبّر المنصف.

وإن لم يتيسر لك سكناها، أو توقف على ارتكاب خلاف الشرع أو تحمّل مذلة، فعليك بالخروج منها وسكنى عتبة أخرى من الاعتاب المقدّسة، مقدماً غير كربلاء، المشرفة عليها.  لما ورد من كراهة سكناها بل المُجرّب المعلوم إيراث سكناها قسوة القلب، وبذلك تقتضي السليقة المستقيمة أيضاً.

وإيّاك ـ بُنيَّ ـ سكنى غير الأعتاب المقدّسة ما دامت معيشتك فيها بغير ارتكاب محرم وتحمل ذل، فإنّ للعتبة فوائد أُخروية، بل ودُنيوية ليست في غيرها، فإن لم يتيسّر لك ذلك، فعليك باختيار ما غلب على أهله التقى والصلاح الوزانة والرزانة والفهم والعلم من البلاد للسكنى.

وعليك ـ بُنيَّ ـ إن سكنت الاعتاب المقدّسة أو زرتها  اختيار دار قرب العتبة التي بها، فإنَّ بُعد المنزل عن المزار يتسبَّب منه ترك الزيارة في جملة من الأوقات، لِوَجَل أو مطر أو فساد في البلاد أو ضيق وقت أو نحو ذلك. و إن سكنت غير العتبة فعليك بوسط المعمورة، فإنَّه أسلم وأبعد من الآفات.

وعليك بتحصيل مسكن مُلك أو وقف يشرع سكناه مهما أمكن ولو كان محقَّراً، فإنَّ الدار المملوكة أو الشبيهة بالملك ـ وإن كانت محقّرة ـ أسلم دنيا وديناً من الواسعة بالإجارة فإنَّ فيها مذلّة.

وعليك إذا أردت شراء دار أو إجارتها بالفحص الأكيد عن حال الجيران، فالجار ثمَّ الدار. وإنّي قد غفلت عن ذلك فأصابني مدّة مديدة من الجيران ما كان يخرج تحمُّل بعضها عن طوع طاقتي، ولولا فضل الله تعالى وحفظة لوقعت فيما لا ينبغي.

وإن احتاج ـ بُنيَّ ـ مسكنك إلى التعمير، فإيّاك أن تعمّره جميعاً في سنة واحدة، بل عمِّر في كلّ سنة جهة، ولا تقلع تمام التعمير السابق بل إبقِ منه ما كان محكماً، لأنَّ من المُجرّب أنَّ من عمَّر داره من أصولها في سنة واحدة لا يسكنها ولا يهنأ بها، مضافاً إلى أنَّ هدم المحكم إتلاف للمال وإسراف.

وإيّاك، وأن تختار التعمير المنظّم من جميع الجهات، بل اقتصر على مقدار قضاء الحاجة، وإن كنت ذا مال وثروة، لأنَّ الدنيا ليست بدار قرار وسرور، فَخُذ منها ما يكفيك، واقتصر منها على ما يرفع حاجتك، واصرف الباقي في تعمير دارة الآخرة بِصِلَة الذريَّة الطّاهرة وأخيار الشيعة المطهَّرة، وتزويج الأعزب منهم، وإعانة المضطرين منهم، ونحو ذلك.

وعليك ـ بُنيَّ ـ اختيار الدار الواسعة إن أمكنك فإنَّ من سعادة الرجل سِعة داره في الدارين، رزقني الله تعالى وإياك بُنيَّ ذلك(15).


المصادر:

(1) نهج البلاغة، قصار الحكم.

(2) الخصال: ج٢، ص٦٣٤.

(3) مواهب الرحمن: ج ٩، ص ٢٢٣.

(4) المستدرك. جزء ١، ص ١٤٧.

(5) عقائد الإسلام: ج١، ص ٢٣٧.

(6) مهذب الأحكام: ج ٥، ص ٤٥٤.

(7) المصدر نفسه.

(8) الأمان: ص ١٣٥.

(9) المستدرك. جزء١، ص ٢٤٦.

(10) المستدرك. جزء١، ص ٢٤٦.

(11) بحار الأنوار: ج ٧٣، ص ١٥5.

(12) بحار الأنوار: ج ٧٣، ص ١٥4.

(13) الإسلام والبيئة: ص ١٣٥.

(14) الفرقان: ج ١١، ص ١٤٦.

(15) مرآة الرشاد.

 

إغلاق