أعلام وشخصيات

الشيخ عبدالحسين صادق : قبسات من سيرة حياته ونبوغه

في أواسط القرن التاسع عشر ميلادي، وعقب الإعلان عن إقامة نظام المتصرّفية....

بقلم: الدكتور يحيى شامي

 

في أواسط القرن التاسع عشر ميلادي، وعقب الإعلان عن إقامة نظام المتصرّفية في لبنان الذي مزّقته الأحداث السياسية والفتن الطائفية، وتحديداً سنة ١٢٧٩هـ/ ١٨٦٢م، أبصر النور في بلدة الخيام العاملية غُلامٌ ذكيٌّ سمّاه والده الذي يرجع نسبه إلى أسرة آل صادق، سمّاه عبدالحسين، لا بالمعنى الشائع للعبودية أو الرِّق، بل تعبيراً عن صدق ولاءٍ للإمام الحسين (ع)، ونهج الحسين فكانت ولادته فاتحة يُمن وسعادة، لا لأبويه فحسب، بل لجميع أفراد تلك الأسرة الكريمة المنحدرة من آل فياض، فآل عطوة، فآل يحيى المخزومي العاملي، تلك الأسرة التي كان منها العديد من العلماء والشعراء، وحسب وليدنا شرفاً أن يكون من أجداده إبراهيم بن يحيى، أحد أبرز شعراء عاملة في عصره، وصاحب البيت الشعري المشهور:

سنحتْ جآذر جاسمٍ فرمقْتها                  فتوهّمت أنّي جنحتُ إلى السّوا

دراسته الاولى ونبوغه:

سنة ١٢٨٤هـ، وإثر وفاة والد من نترجم له، وكان فقد الوالدة، حملته أخته الكبرى إلى قرية مجدل سلم ليتلقّى في مدرستها الدينية مبادئ القراءة والكتابة، وما تيسَّر من علوم النحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان، ثم إلى مدرسة كفرا، فمدرسة عيتا الدينيتين ليحصّل بعض المعارف الفقهية والأصولية، حيث راحت تظهر بواكير نبوغ الشيخ، وتتفتَّح أكمام مواهبه الكلامية، حدَّث الشيخ محي الدين المحمد، في مخطوطته التي اطّلع عليها زميلنا الدكتور عبد المجيد الحر، قال إنّ الشيخ عبدالحسين وكان لا يزال طالباً للعلم، صغير السِّن، قدَّم أحدهم له هدية من حلوى، فرفضها، فلمّا سأله أستاذه عن سبب رفضه للهدية، أجاب قائلاً: «من أعطاني شيئاً وقبلته، فقد ملكني بهديَّته، وإن طلب مني ما لا يليق بكرامتي أجبته لطلبه لِدَيْنٍ عليّ».

جواب من الوضوح وسداد الرأي، ومن الأنفة  والعفّة والإباء بمكانٍ رفيع(1).

هذا في مدرسة مجدل سلم، أمّا في مدرسة عيتا الجبل فما كان نبوغ الشيخ بأقلَّ، إذ لقد دخل على المدرسة التي كان يتعلم فيها الشيخ، ثُلَّةُ من العلماء فسألوا الأستاذ عن المجلّي من طلّابه، فأشار إلى عبدالحسين، فطرح احدهم عليه سؤالاً هو: ما هي العقائد الخمس؟ قال: التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة والمعاد. فلمّا قيل له: وهل تسلم من معاداة الناس إذا عشت بينهم  بما وعيت من تلك العقائد؟ قال: يسلم من معاداة الناس من لم يظهر منه خيرٌ ولا شرٌ، قيل له وكيف ذلك؟ قال: لأنّه إن ظهر منه خيرٌ عاداه الأشرار، وإن ظهر منه شرٌ عاداه الأخيار. فقيل له: وهل عندك من قريضٍ يعزز هذا المعنى؟ فأنشد قائلاً:

لا تحسبَنَ بين الرجال عداوةً                     أو في محبة بعضهم من أنعم

إنَّ التودُّد والتباعد واحدُ                             في همّتي وإرادتي وتقدُّمي

إنشاد بهر ثلَّةَ العلماء، مثلما بهر أستاذه الذي توجَّه إليهم بالقول: كيف رأيتم وسمعتم؟ فقال بعضهم: كريمٌ وابن كِرام، وقال بعضهم الآخر: ابن النجيب لا ينجب، وإن نجب فاق أباه(2).

في النجف الأشرف:

في سنة ١٣٠٠هـ، وبعد أن ضاقت بالشيخ مدارس عاملة، ورغبةً في تحقيق أجلِّ ما كان يصبو إليه، وهو التبحُّر في العلوم الدينية ونيل شرف درجة الإجتهاد، حطَّ عبدالحسين رحاله في فناء مرقد الإمام علي (ع) حيث جامعة النجف الأشرف، منارة الإشعاع الديني والفكري، غير عابئ بصوت نشازٍ كان يصدر عن أحدهم لما سأل الشيخ قائلاً: لو توجهت بعلمك في طلب الدنيا لأغنتك من نفسها، وأبعدت عنك مشاق التحصيل العلمي؟ فأجابه الشيخ: «ألسنا نقتدي بالأئمة في طلب العلم؟ قال: بلى، قال: إذاً، إسمع ما يقول إمام الفصحاء والبلغاء فيك وفي أمثالك:

إن الذين بنوا فطال بناؤهم                      واستمتعوا بالمال والأولاد     

جرت الرياح على محل ديارهم                 فكأنهم كانوا على ميعاد

جوابٌ خنس عن سداده السائل الثقيل الظل، وانقبض مثلما خنس ثقيلٌ آخر عن سداد جواب الشيخ الآخر لما قال له السائل: فلنتعلَّم، لا لعمائم نضعها فوق رؤسنا، بل لأموالٍ تمتلئ بها جيوبنا، فنريح من سار على مذهب عليٍّ من غائلة الفقر، إشارةً إلى قول عليّ: لو كان الفقر رجلاً لقتلته. أمّا جواب الشيخ لهذا المتفاصح فهو: ليس من المهم ما ذكرته على لسان عليّ (ع)، بل المهم ما قاله بك وأمثالك:

أبنيَّ إنَّ من الرجال بهيمة                         في صورة الرجل السميع المُبصرِ

فطِنُ لكل رزيَّة  في ماله                           وإذا أصيب بِدينه لم يشعُرِ

وأمّا ردّه على الذي قال له: يا شيخ عبدالحسين، لم أركَ يوماً تكدّر أحداً، أو تغتاب فرداً من الناس، فهو: لست عن حالي راضياً حتى أتفرَّغ لذَمِّ الناس، ثم أنشد مستشهداً:

لنفسي أبكي، لستُ أبكي لغيرها                  لنفسي من نفسي عن الناس شاغلُ (3)

ولمّا حضر الشيخ مجلساً محور الحديث فيه صروف الدهر وحدّثانه، وما أكثر مجالس النجف التي كانت تدور فيها مثل تلك المباحث والحوارات، قال احدهم: المتعارف عليه في الأمثال قولهم: الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك. فرَدَّ الشيخ عبدالحسين معقباً: وقد يكون أكثر من ذلك، ثم راح يشرح ويوضح قائلاً: الأيام خمسة: يومٌ مفقود، ويومٌ مشهود، ويومٌ مورود، ويومٌ موعود، ويومٌ ممدود. والمفقود هو الأمس الذي فاتنا ما فرَّطنا فيه، والمشهود هو الذي نحن فيه فعلينا التزود فيه من الطاعات، والمورود هو الغد الذي لا ندري هو من أيامنا أم لا، والموعود هو آخر أيامنا من أيام الدنيا، فلنجعله نُصب أعيننا، والممدود هو آخرتنا وهو آخر يومٍ لا انقضاء له، فعلينا الإهتمام به، إذ هو إمّا نعيم دائم، أو عذاب مخلَّد(4).

وعدَّ عن هذه التعقيبات أو الشروحات أو التعليمات الذكية الراشحة بالحكمة والمعرفة والنباهة رسوخ الذهن، فإنَّ الشيخ عبدالحسين لم يُفرِّط أبداً وهو في النجف، في تحصيل العلم ومدارسته، ألم يقل للذي طلب إليه يوماً أن يكتفي بالقليل منه التماساً للراحة: أنا لا أقنع من علم يومي هذا بما أدركت، لأنَّ القناعة فيه زهد، والزهد فيه ترك، والترك له جهل(5).

قناعةٌ، أو قل زهادةٌ، ما أحسنها في طلب متاع الدنيا، لكن ما أسوأها في الإستزادة من العلم، ومن الرغبة فيه، فها هو شيخنا الفاضل ما انفكَّ مشمِّراً عن ساعد الجد، مثابراً على دراسة عِلمَي الفقه والأصول ما مكّنه من الحصول على درجة الإجتهاد  المطلق، على أيدي كبار الأساتذة من علماء الحوزة الدينية في النجف الأشرف، أمثال كلٍ من السيد ياسين طه، والسيد علي البحريني، والسيد عبد الكريم البغدادي، والشيخ رضا الهمداني، والشيخ جعفر الشروقي، والشيخ محمود ذهب، والشيخ علي الخاقاني، والشيخ محمد حسين كاظمي، والشيخ محمد طه نجف…

في الخيام والنبطية :

في سنة ١٣١٦هـ/١٨٩٨م، كانت عودة الشيخ عبدالحسين إلى الربوع العاملية، فأقام في مسقط رأسه الخيام ثماني سنوات حفلت بالعلم النافع، والعمل الجاد المثمر، إذ هو ومنذ أن وطئت قدماه أرض الآباء والأجداد، رفع شعاره القائل: «العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإن خالطوه ودخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل»، فعمل على تأسيس مدرسة دينية ضمّت العديد من طلاب العلم ما مكّنهم من الإلتحاق بجامعة النجف، هذا فضلاً عن تأسيس العديد من المساجد في هذه القرية أو تلك، وإنَّ من أشهرها المسجد الجامع في بلدة الخيام التي أتى عليها حينٌ من الدهر ضاقت فيه بِهِمَّة الشيخ وطموحه، إذ وإثر وفاة العلامة المجاهد السيد حسن يوسف إمام النبطية، حطَّ الشيخ رحاله في تلك الحاضرة العاملية العريقة، فعمِل على توسيع مسجدها الجامع، وحسينيتها التي كانت تُقام بفنائها مراسيم إحياء ذكرى عاشوراء من كلِّ عام، وهكذا أضحت دارة الشيخ في النبطية موئل طلاب العلم وذوي الحاجات، ومقصد الزوار على اختلاف طبقاتهم الإجتماعية ومشاربهم السياسية، ظلّت هكذا حتى وفاة الشيخ 5 في سنة ١٣٦1هـ/ ١٩٤2م.

مؤلّفاته وأشعاره:

ترك الشيخ عبدالحسين صادق عدداً يسيراً من المؤلفات الدينية في الفقه والأصول هي التالية:

  •  المواهب السنية في فقه الإمامية.
  •  الشذرات في مباحث العقود.
  •  الإيقاعات.

ولو قُيِّض له الوقت الكافي، وأنّى ذلك، وهو الذي ما فرغت مجالسه يوماً من جموع الحاملين إليه نزاعاتهم وخصوماتهم ومشاكلهم … وأقول لو قُيِّض للشيخ ما يسمح من الوقت لترك من المؤلفات والمصنفات الكثير، وإن كان الكثير قد يُغني أحياناً عنه القليل.

هذا في النثر، أمّا في الشعر، فكان شاعراً أكثر منه كاتباً وناثراً. ترك رحمه الله منظومتين أولاهما في الرّد على مشايخ الوهابية، والثانية في المواريث، هذا فضلاً عن ثلاثة دواوين شعرية هي التالية:

  • سقط المتاع.
  •  النظرات والمناظرات.
  •  عرف الولاء.

غلب على ديوانيه الأولين النزعة الإجتماعية والغنائية، وغلب على الثالث النزعة الدينية ذات المنحى الحسيني الكربلائي، وإنَّ من شعره الإجتماعي الغنائي الوجداني قوله:

بدعٌ تشبُّ فتلهب المحن                     وهوًى يهبُّ فتطفأ السنن

وثلاثة عُمر البسيط بها                        فتنٌ وفتّانٌ ومفتن

والناس لا ناس فيحفظهم                   ما أنكرته العين والأذن(6)

أو قوله الآخر وفيه يكاد يذوب أسىً وحسرةً على ما أصاب عاملة من تفتُّت وتشرذُم وجور وظلم وفساد:

ذُبْ مهجةً،  وأذلْ عقيق دموعِ                        متوجداً للعاملي الشيعي

مشقتْ سموم الظلم هيكله فلم                  تستبقِ غير كلاكلٍ وضلوع

يا عاملاً، ذُقْ من أخيك ضراعةً                       مستطعماً منها وبيل ضريع

ولو استقمت على الطريقة لم تزل                في عزَّةٍ، والعزّ في المجموع

أتسود عاملة وكلّ سوادها                            فوضى، وما من سيّدٍ متبوع(7)

وإنَّ من عيون شعره الكربلائي، وهو شعرٌ يمتاز عموماً بالجزالة والحماسة وحرارة الوجدان، قصيدته اللامية التي ما انفكَّ خطباء المجالس الحسينية ينشدونها من على أعواد المنابر، وهي تبدأ بهذا المطلع:

سلْ كربلا والوغى والبيضَ والأسلا             مستحفياً عن أبيّ الضيم ما فعلا

أحلّقت نفسه الكبرى بقادمتي                   إبائه أم على حكم العدا نزلا

يا ابْنَ النبيّ، وصنو المجتبى، وأبا               الأئمة التسعة المستوجبين وِلا

سلْ مقلتي هل جرت إلّا عليك دماً             سلْ مهجتي أجنتْ، سل خاطري أسلا

سواد عيني وسوداء الحشا مريا                 فكنت برزخ بحريْ ظلمة وُصلا

لا قرَّ لي ناظرٌ إن لم أكن أبداً                     عليك في مرود التسهيد مكتحلا(8)

 

ختاماً رحم الله شيخنا عبدالحسين، وطاب ثراه، وإنَّ لنا في الخَلَف الصالح من بعده، أخصُّ منهم بالذكر سماحة العلامة الشيخ عبدالحسين، السائر أبداً على خطى الآباء في إحياء مراسم ذكرى عاشوراء، خير عزاء.


المصادر:

(1) العرفان: ص٧٦، عدد١ و٢، مجلد ٧٥.

(2) المصدر نفسه، ص ٧٦.

(3) العرفان: ص٧٨، عدد ١ و٢، مجلد ٧٥.

(4) نفسه، ص80.

(5) سقط المتاع، ص ٢٥٦.

(6) سقط المتاع، ص 31.

(7) نفسه، ص147.

(8) عرف الولاء، ١١٠/٢، المطبعة العصرية ـ صيدا.

إغلاق