أسرة ومجتمع / صحة

القلق الزوجي

يدخل العروسان قفص الزوجية ضمن الطموحات المثالية...

بقلم:  السيد علي مكي العاملي

 

يدخل العروسان قفص الزوجية ضمن الطموحات المثالية، وعلى رأسها الكيان المستقر حيث تسوده الطمأنينة والراحة والخلاص من شجون الأسر السابق والتي سئماها معاً.

فإنّه وإن أغواهما عصر الطفولة بلعبه ومرحه لنقص إدراكهما، وضعف غرائزهما الجسدية.

فإنّه لن يستهويهما اليوم بعد توفر الإحساس بالحاجة إلى الشريك، ونضوج الأفكار الباحثة عن الطمأنينة، ولذا يَعتبر العروسان ـ ولا سيما العروس ـ أن زوجيتهما هي فترة الخلاص والراحة والوصول.

ومن هنا ضُرب المثل بنومتها لبيان الإستقرار والطمأنينة في الزواج حيث ورد في المؤمن إذا إنتقل إلى رحاب الله أنه يُقال له : نمْ نومة العروس.

وهذه النظرة جميلة جداً بما فيها من طموح، ولكنها عليلة جداً بما هي إيمان بلزوم ذلك دائماً.

إنَّ الله سبحانه أودع في مخلوقاته الثنائية شؤون العلاقة وسكنها.

قال تعالى: ” وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً” [الروم: 21].

وقال تعالى: ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا” [الروم: 21].

فالمرأة من الرجل بمعنى أنّها رُكِّبت بنفس تركيبته إحساساً وشعوراً وقوى وانفعالات، وإن تفاوتت نسبياً. وإمّا أنّها اشتقّت من الرجل كما ذكرته الروايات من دون تفصيل واضح.

فتارةً هي مأخوذة من ضلعه، وتارةً أخرى من فاضل طينته… إلخ.

وعلى أيّ حال فالمراد أنّها وسيلة فعلية لطمأنة الرجل ومصدر أساسي لسعادته واستقراره وكماله…

الإنسان يعمل ويهاجر ويتعلم ويسعى كادحاً حياته كلها بأمل الإستقرار في مستقبله الغامض.

فالمرأة زوّدت بهذه القابلية، والمُستفاد من الآية في تفسير طبيعة هذه القابلية أحد أمرين:

  • أنها زوّدت بهذه القابلية التي لن ترى النور إلا بسعي الزوج لتحقيق ذلك شأن كل العلاقات والصداقات.
  •  أن تكون المرأة بنفس كيانها المخلوق من موجبات الأنس والطمأنينة والراحة ولو لم تستعمل في ذلك أيّة أساليب.

وهذا المعنى الأقرب فقوله:” لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا”، ظاهر في ترتيب السكن على نفس وجودها ككائن قابل للزوجية وهذا ما يؤيّده الوجدان الخارجي أيضاً.

ولا بد من التسلل إلى عمق هذا الأنس لنعرف كوامنه وأسبابه وبالتالي لنستطيع التعرف على أمده وديمومته.

قال تعالى: ” وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، فالمودة يفرضها عامل الشوق والجانب الجسدي العاطفي، والرحمة يفرضها الشعور بالضعف من بنية الشريك وخصائصه بالقياس إلى الآخر، في رحلة التفاعل بين القوة والضعف، وبين اللطيف والكثيف.

ولذا ورد «اتقوا الله في الضعيفين يعني بذلك اليتيم والنساء»(1).

وبمقدار توفر عنصري الشوق والشعور بالضعف بمقدار ما تلتئم الحياة بينهما.

فإنّ ميول الزوج من جهة، وإنقياد الزوجة له من جهة أخرى يحققان الاستقرار المرحلي في سنيّ الزوجية الأولى، ولكن بتقادم الزمن يتضاءل العامل الأول ولأسباب كثيرة تفرضها العوامل الخارجية وطبيعة الإنسان الضعيفة فالمرأة تغدو قلقة، مريضة، في معاناة، مع بداية انحسار النضارة والجمال.

كما أنّ العامل الثاني سوف يتراجع أمام تفتّح مدركات الزوجين وعدم القدرة على الإنقياد في مظلومية طويلة الأمد.

فإن كانت السنيُّ الأولى مشفوعة بدافع الشوق والرضى بواقع الأمور، فمن سيشفع في المشكلة بعد ذلك.

ومن هنا تتكوّن معادلة جديدة كميزان الذهب فإنّ رجحان أحد العاملين سيكون على حساب ارتفاع الآخر لا محالة.

ولذا كان على كلّ عروسين أن يكونا منطقيين في الإعتراف بأن الحياة تتحول إلى كيان ذهبي لا أنّها تبدأ كذلك.

فالنظرة الواعدة والمستقرة للعملية الزوجية هي محض خطأ، لأنّها إن صحّت على المستوى العاطفي والجسدي ومن نظرة واحدة، فلن تصحّ على المستوى النفسي والإندماج الفكري.

فإنّ المستوى الأخير يحتاج إلى ردح من الزمن ليكتمل ويستقر، بل ربما ناهزت مدته السنين العشر الأولى للزوجين. فإنّ السعادة كالشقاء لها مراتب ودرجات، وقد تتحقق من الأيام الأولى مَرتَبَةٌ منها، ولكنّ المراتب الباقية والأساسية والثابتة سوف تتأخر طويلاً إلى أن تتقارب ظروفهما فكراً ومسلكاً وبيئةً.

ومن هنا كان على الزوجين أن لا يتهيّبا الخلاف، ولا تأسرهما المشكلة ما دام ذلك من مقتضيات الحياة، وأن لا يُثيرا الحدث بمستوى أكبر من حدود المشكلة الطارئة والطبيعية.

فقد يتولّد القلق من اثارات من هذا القبيل نذكر منها:

  •  طلب الزوجة لحاجاتها بإصرار وإلحاح.
  •  قتل الشعور العاطفي بإطلاق العبارات الموحية بالكراهية وانعدام المحبة، فإن كان لفظ «أحبك» لن يَذهب من قلب العروس أبداً، فإن لفظ «لم أحبك يوماً» سوف يصدع قلبها.
  •  التهديد الدائم بالطلاق وفي أبسط المشكلات سواءً كان من الزوج إقداماً، أو من الزوجة مطالبةً.
  •  إعراض الزوج المتكرر عن تأمين الحاجات، والذي يوحي بخلفيات ونوايا مشؤومة خصوصاً في حالة قدرته على تأمينها.
  •  الجفاف الزوجي في علاقتهما اليومية، كالتثاقل في رد السؤال، أو الفرار المتعمّد من اللقاء الثنائي، أو الإجابة المشحونة بالتبرّم أو غير ذلك…

المصادر:

(1) الوسائل ج ١٤ باب ٩٠ من مقدمات النكاح حديث ٦.

إغلاق