أحيوا أمرنا

حدائق الأنوار في محاسن سيرة سبط المختار

ولد الإمام الحسن (ع) في شهر رمضان،....

بقلم: سماحة المرجع الديني الكبير الشيخ الوحيد الخراساني ـ دام ظله

 

ولد الإمام الحسن (ع) في شهر رمضان، والأشهر أنّ ولادته يوم الثلاثاء، منتصف شهر رمضان، في سنة اثنتين من الهجرة، وقبض في شهر صفر من سنة تسع وأربعين، فعمره سبع وأربعون سنة وأشهر.

كنيته وألقابه:

سماه الله الحسن. وكنيته أبو محمد.

وألقابه: السيد، والسبط الأول، والأمين، والحجة، والبَر، والتقي، والأثير، والزكي، والمجتبى، والزاهد.

مناقبه:

وهي أكثر من أن تستوفى في هذا المختصر، وقد كان أشبه الناس برسول الله (ص) خلقاً وهدياً وسؤدداً.

أتت فاطمة (ع) بابنيها الحسن والحسين إلى رسول الله (ص) في شكواه التي توفي فيها، فقالت: يا رسول الله، هذان ابناك، فورثهما شيئاً.

فقال: أمّا الحسن فإنّ له هديي وسؤددي، وأمّا الحسين فإنّ له جودي وشجاعتي(1)  ويكفي في جلالة مقامه ما ورد من طرق العامة بأسناد متعددة، عن النبي (ص): اللهم إنّي أحبه، فأحببه وأحب من يحبه(2). وكفاه منزلة أنه حبيب الله، وحبيب رسول الله (ص)، وحبه براءة من النار، وجواز دخول الجنة، وإذا كان محبه محبوباً لله تعالى فهو في مقام ومنزلة عند الله دونه كل مقام ومنزلة، لأنّه (ع) بإفنائه حبه في ذات الله وإفنائه رضاه في رضوان الله، صار حبه إكسيراً يقلب الحديد إلى الكبريت الأحمر، فيصير محبه محبوباً لله تعالى.

ولقد خاب من يدّعي حبّه ومع ذلك يحب عدوه، فكيف يجتمع الضدان؟!

وكفاه منقبة أنّه ريحانة رسول الله في عالم الملك، يستشم منه رائحة الملكوت، وأنّه هو الذي سماه سيدُ العالَم سيداً، وهذا بيان لإمامته، لأنّ السيادة عنوان إضافي، فهو سيد مَن سواه مِن الأمة، فإنَّ الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا(3).

كان (ع) إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك. فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفرّ لونه، وترتعد مفاصله(4).

وعن محمد بن علي (ع) قال: قال الحسن (ع): إنّي لأستحيي من ربي أن ألقاه، ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه(5).

وعن علي بن زيد بن جذعان، قال: «خرج الحسن بن علي من ماله مرتين، وقاسَم الله ثلاث مرات»(6).

وعن الصادق (ع) قال: حدّثني أبي عن أبيه (ع) أنَّ الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشياً، وربما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وإذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه (عزّ وجل)، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله تعالى الجنة، وتعوذ به من النار، وكان (ع) لا يقرأ من كتاب الله (عزّ وجل)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا” [الأحزاب:41].

إلا قال: لبيك اللهم لبيك، ولم يُرَ في شيء من أحواله إلا ذاكراً لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقاً(7). هذه معاملته مع الله.

وأمّا معاملته مع خلقه، فقد كان ماراً في بعض حيطان المدينة، فرأى أسود بيده رغيف يأكل ويطعم الكلب لقمة، إلى أن شاطره الرغيف.

فقال له الحسن (ع): ما حملك على أن شاطرته ولم تُغابنه فيه بشيء؟

فقال: استحت عيناي من عينيه أن أغابنه.

فقال له: غلام من أنت؟

فقال: غلام أبان بن عثمان.

فقال: والحائط (البستان)؟

قال: لأبان بن عثمان.

فقال له الحسن (ع): أقسمت عليك، لا برِحت حتى أعود عليك، فمرّ واشترى الغلام والحائط، وجاء إلى الغلام، فقال: يا غلام قد اشتريتك.

قال: فقام قائماً، فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي.

قال: وقد اشتريت الحائط، وأنت حر لوجه الله، والحائط هبة مني إليك.

فقال الغلام: يا مولاي قد وهبتُ الحائط للذي وهبتني له(8).

هذه معاملته مع الضعيف مع قبض يده، فكيف كان الأمر لو كانت يداه مبسوطتان؟

وأمّا معاملته لعدوّه، فقد قال لأخيه الحسين (ع) عند وفاته: وإنّي لعارف من أين دُهيت، فأنا أخاصمه إلى الله تعالى، فبحقي عليك لا تكلمت في ذلك بشيء(9).

فهو الذي تخلّق بأخلاق الله، وتجلت فيه أسماء الله، بغفرانه الذنوب، وستره العيوب، وظهور الرحمة العامة والخاصة من حضرته.

وقد أمره أمير المؤمنين (ع) يوماً أن يخطب، قام فقال: «الحمد لله الواحد بغير تشبيه، الدائم بغير تكوين، القائم بغير كلفة، الخالق بغير منصبة، الموصوف بغير غاية، المعروف بغير محدودية، العزيز لم يزل قديماً في القِدَم، ردعت القلوب لهيبته، وذهلت العقول لعزته، وخضعت الرقاب لقدرته، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته، ولا يبلغ الناس كنه جلاله، ولا يفصح الواصفون منهم لكنه عظمته، ولا تبلغه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكر بتدبير أمورها، أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه، يدرك الأبصار، ولا تدركه الأبصار، وهو اللطيف الخبير.

أمّا بعد، فإنَّ علياً بابٌ مَن دخله كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم».

 فقام علي بن أبي طالب وقبّل بين عينيه، ثم قال: «ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم»(10).

فقد جمع (ع) في هذه الخطبة القصيرة جميع ما يتعلق بالمعارف الإلهية، مما يتعلق بذاته تعالى وصفاته وأفعاله.

وقد اشتمل قوله (ع): «الحمد لله الواحد بغير تشبيه» في بدء خطبته على الإثبات والنفي، أي حقيقة التوحيد، وإخراج العقول عن حد التعطيل والتشبيه.

وفي قوله (ع) في ختامها: «أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه» إبطال التفكر في ذاته وصفاته، وأن كل وصف إلا ما وصف الله به نفسه ينتهي إلى التحديد، وهو التثنية التي تبطل بواحديته بغير تشبيه، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنعام:100].

ففي كل جملة منها مجمل من مفصل، لا يصل إليه إلا الراسخون في الحكمة الإلهية .

وقد سأل أعرابي أبا بكر، فقال: إنّي أصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا مُحرِم، فما يجب علي؟

فقال له: يا أعرابي أشكلت علي في قضيتك.

فدلّه على عمر، فدلّه عمر على عبد الرحمن، فلما عجزوا قالوا: عليك بالأصلع.

فقال أمير المؤمنين: سَلْ أيّ الغلامين شئت.

فقال الحسن: يا أعرابي ألك إبل؟

قال: نعم.

قال: فاعمد إلى عدد ما أكلت من البيض نوقاً فاضربهن بالفحول، فما فضل منها فاهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه.

فقال أمير المؤمنين: إنَّ من النوق السلوب ومنها ما يزلق.

فقال: إن يكن من النوق السلوب وما يزلق، فإن من البيض ما يمرق.

قال: فسُمع صوت: معاشر الناس، إن الذي فهّم هذا الغلام هو الذي فهمها سليمان بن داود(11).

وفي الموثق عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله يقولان: بينا الحسن بن علي (ع) في مجلس أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذ أقبل قوم، فقالوا: يا أبا محمد أردنا أمير المؤمنين.

قال: وما حاجتكم ؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة، قال: وما هي تخبرونا بها.

فقالوا: امرأة جامعها زوجها، فلما قام عنها، قامت بحموتها، فوقعت على جارية بِكر فساحقَتها، فألقت النطفة فيها، فحملت، فما تقول في هذا؟

فقال الحسن: معضلة وأبو الحسن لها، وأقول : فإن أصبت فمن الله، ثم من أمير المؤمنين، وإن أخطأت فمن نفسي، فأرجو أن لا أخطئ إن شاء الله.

يعمد إلى المرأة، فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة، لأن الولد لا يخرج منها حتى يشق فيُذهب عذرتها، ثم تُرجم المرأة لأنها محصنة، ويُنظَر بالجارية حتى تضع ما في بطنها ويُرَد إلى أبيه صاحب النطفة، ثم تُجلد الجارية الحد.

قال: فانصرف القوم من عند الحسن فلقوا أمير المؤمنين (ع) فقال: ما قلتم لأبي محمد، وما قال لكم؟

فأخبروه، فقال: لو أنني المسؤول ما كان عندي فيها أكثر مما قال ابني(12).

ولمّا أحاط أصحاب الجمل براية الطغيان على خليفة الرحمن، وعجز عن مقابلتهم الفرسان، دعا أمير المؤمنين(ع) محمد بن الحنفية فأعطاه رمحه وقال له: اقصد بهذا الرمح قصد الجمل، فذهب فمنعه بنو ضبة فلما رجع إلى والده انتزع الحسن رمحه من يده، وقصد قصد الجمل، وطعنه برمحه ورجع إلى والده، وعلى الرمح أثر الدم، فتمغر وجه محمد من ذلك، فقال أمير المؤمنين (ع): لا تأنف فإنّه ابن النبي وأنت ابن علي(13).

وقد شيبت هذه الشجاعة في نفسه القدسية بالحلم، ذلك الحلم الذي روى فيه المبرد وابن عائشة أن شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه والحسن لا يرد، فلما فرغ أقبل الحسن (ع) فسلّم عليه وضحك، فقال: أيها الشيخ أظنك غريباً ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفاً إلى وقت ارتحالك كان أعوَد عليك، لأن لنا موضعاً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً.

فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، والآن أنت أحب خلق الله إلي، وحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم(14).

ولمّا مات (ع) أخرجوا جنازته، فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين (ع): تحمل اليوم جنازته وكنت بالأمس تجرّعه الغيظ؟

قال مروان: نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(15).

ولقد ساد الخلائق في الفضائل، من العلم والحلم والمعرفة والعبادة والفصاحة والسماحة والجود والشجاعة والعفو والرحمة، فهو السيد على الإطلاق كما سماه جده(16) وأمضاه الله سبحانه وقال: ” وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7].

ولا بد من التأمل في سبب انتهاء أمر الأمة إلى نقض بيعة هذا السيد ابن السيد، والدخول إلى بيعة ذلك الطليق ابن الطليق، وهل كان مبدأ هذا المنتهى إلا تمهيداً للحكومة في الشورى لبني أمية وأبناء الطلقاء؟!

كراماته (ع)

ومن كراماته (ع) ما عن أبي عبد الله (ع) قال: خرج الحسن بن علي في بعض عمره، ومعه رجل من وُلد الزبير، كان يقول بإمامته، فنزلوا من تلك المناهل تحت نخل يابس قد يبس من العطش، ففرش للحسن (ع) تحت نخلة، وللزبيري تحت أخرى، فقال الزبيري: لو كان في هذا النخل رُطب لأكلنا منه.

فقال له الحسن (ع): وإنك لتشتهي الرُطب؟ فقال الزبيري: نعم، فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه، فاخضرت النخلة، ثم صارت إلى حالها، وأورقت، وحملت رطباً، فقال الجمّال الذي اكتروا منه: سحر والله.

فقال له الحسن (ع): ويلك ليس بسحر، ولكن دعوة ابن نبي مستجابة، فصعدوا، وصرموا ما كان في النخلة وكفاهم(17).

والعجب من قوم اعترفوا بأن الحسن والحسين (ع) ممن نزلت فيهم آية التطهير، وأنهما اللذان أرادهما الله من كلمة الجمع في أبنائنا، واختارهما للمباهلة التي هي من أعظم الآيات لإبطال النصرانية، وإحقاق الاسلام، ومن أظهر البينات لإثبات من يكون وجيهاً عند الله بإجابة الدعاء، وأنهما من آل محمد الذين يصلى عليهم في كل الصلوات، وأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وأنهما بضعة من رسول الله(18)، وأنهما ريحانتا رسول الله(19)، وأنهما أحب أهل بيت رسول الله إليه(20)، وأنّ الله زيّن الجنة بهما(21)، وأنّهما خير الناس جداً وجدة وأباً وأماً(22) ، وأنّهما سبطا هذه الأمة، وأنّ النبي ورثهما سيادته وجوده وشجاعته، وغير ذلك مما جاء في مناقبهما من الفضائل الخَلقية والخُلقية والعلمية والعملية، مما ملأ كتب التفسير والحديث والرجال والتاريخ، ومع ذلك جوزوا استبدال الحسن بمعاوية، والحسين بيزيد بملاك بيعة الأكثرية الذين لا يعقلون!

لقد أخذوا ما استندوا إليه عن معاوية، حيث قال للحسن بن علي (ع): أنا خير منك يا حسن.

قال: وكيف ذلك يا ابن هند؟

قال: لأنَّ الناس قد أجمعوا عليَّ ولم يُجمعوا عليك.

قال: هيهات، هيهات، لشدَّ ما علوت ياابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان، بين مطيع ومكرَه، فالطائع لك عاصٍ لله، والمكره معذور بكتاب الله، وحاشا لله أن أقول: أنا خير منك، فلا خير فيك، ولكن الله برّأني من الرذائل كما برّأك من الفضائل(23).

ونقل ابن أبي الحديد عن أبي الفرج: خطب معاوية بالكوفة حين دخلها، والحسن والحسين (ع) جالسان تحت المنبر، فذكر علياً (ع)، فنال منه، ثم نال من الحسن (ع)، فقام الحسين ليرد عليه، فأخذه الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله، وجدك عتبةبن ربيعة، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة. فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حَسَباً، وشرنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً.

فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.

قال الفضل: قال يحيى بن معين: وأنا أقول آمين.

قال أبو الفرج: قال أبو عبيد: قال الفضل: وأنا أقول آمين.

ويقول علي بن الحسين الأصفهاني: آمين.

قلت: ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب: آمين(24).


شهادته:

استشهد (ع) ـ بعدما جاهد في الله حق جهاده، ومضت أيام حياته في طاعة الله وعبادته ـ بالسم الذي دس معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس.

وعندما كان يجود بنفسه، قال له جنادة بن أبي أمية: يا مولاي ما لك لا تعالج نفسك؟

فقال: يا عبد الله، بماذا أعالج الموت؟

قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم التفت إليّ وقال: والله إنه لعهد عهده إلينا رسول الله (ص)، أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي (ع) وفاطمة (ع)، ما منا إلا مسموم أو مقتول

فقلت: عظني يا ابن رسول الله.

قال: نعم، استعد لسفرك، وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم أن في حلالها حساباً، وفي حرامها عقاباً، وفي الشبهات عتاباً، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فإن كان ذلك حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر، فأخذت كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فإن العتاب يسير.

واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.

وإذا أردت عزاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله (عزّ وجل)، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صُلت شد صولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت منك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتدأك، وإن نزلت بك  إحدى الملمات أسألك، من لا يأتيك منه البوائق ولا يختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما  منقسماً آثرك.

قال: ثم انقطع نَفَسه، واصفرّ لونه حتى خشيت عليه(25).

هكذا انقطع نفسه في الدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأذهب عن كل من عمل بهذه الكلمات حسرة الفوت وسكرة الموت، وأحيا بمماته كل نفس بحياة طيبة.

وقال لأخيه: ولقد عرفت من دهاني، ومن أين أتيت، فما أنت صانع به يا أخي؟

فقال الحسين (ع): أقتله والله.

قال: فلا أخبرك به أبداً حتى تلقى رسول الله (ص)، ولكن اكتب: هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي، أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حق عبادته، لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذل، وأنّه خلق كل شيء فقدّره تقديراً، وأنّه أولى من عُبِد، وأحق من حُمِد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب إليه اهتدى، فإنّي أوصيك يا حسين بمن خلّفتُ من أهلي وولدي وأهل بيتك، أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفاً ووالداً، وأن تدفنني مع جدي رسول الله (ص) فإنّي أحقّ به وببيته ممن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاءهم من بعده، قال الله تعالى فيما أنزله على نبيّه (ص) في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب:53]، فوالله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرّف فيما ورثناه من بعده .
فإن أبت عليك المرأة فأنشدك بالقرابة التي قرّب الله منك، والرحم الماسة من رسول الله (ص) أن لا تهريق فيَّ محجمةً من دم حتى نلقى رسول الله (ص) فنختصم إليه، ونخبره بما كان من الناس إلينا بعده، ثم قُبض (ع)(26).

ومن رَزَقه الله دراية الروايات، وتدبّر في قراءة أوراق حياة هذا القرآن الناطق، مِن اصفرار لونه بالنظر إلى أبواب المساجد، باتصال روحه إلى نور عظمة الله، وتحمّله أثقال المصائب التي رآها من أصحابه وأعدائه لحفظ أمانة الله، وتأمَّل في معاملته لخلق الله، من عدم مؤاخذة قاتله في بيته بشيء، لأنها كانت قبل الجناية، وكتمانه عليه بعدها، وإيكال الأمر إلى الله، يعلم أنّ مثله يقدر أن يقول: أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّه يعبده حق عبادته.


المصادر:

(1)  الإرشاد ج2 ص7، ومصادر أخرى للخاصة. مجمع الزوائد ج9 ص176 و185، ومصادر أخرى للعامة.

(2)  صحيح البخاري ج3 ص20 وج7 ص55، صحيح مسلم ج7 ص129، ومصادر أخرى كثيرة للعامة. الأمالي للطوسي ص249، مناقب آل أبي طالب ج4 ص25، ومصادر أخرى للخاصة.

(3) مناقب آل أبي طالب ج3 ص367.

(4) مناقب آل أبي طالب ج4 ص14 في مكارم أخلاقه .

(5) البداية والنهاية ج8 ص39، ومصادر أخرى للعامة. مناقب آل أبي طالب ج4 ص14، ومصادر أخرى للخاصة.

(6) السنن الكبرى للبيهقي ج4 ص331، ومصادر أخرى للعامة. كشف الغمة ج2 ص190، مناقب آل أبي طالب ج4 ص14 ومصادر أخرى للخاصة.

(7) الأمالي للصدوق ص244، المجلس الثالث والثلاثون ج10.

(8) تاريخ بغداد ج6 ص33 ترجمة الإمام الحسن (ع) ومصادر أخرى.

(9) الإرشاد ج 2 ص 17.

(10) تفسير فرات الكوفي ص 80 ذيل آية 34 سورة آل عمران.

(11) مناقب آل أبي طالب ج4 ص10.

(12) الكافي ج7 ص203.

(13) مناقب آل أبي طالب ج4 ص21.

(14) مناقب آل أبي طالب ج4 ص19.

(15) مقاتل الطالبيين ص 49.

(16) مسند أحمد بن حنبل ج3 ص62 و64 و82 وج5 ص391 و392، ومصادر أخرى للعامة. من لا يحضره الفقيه ج4 ص132، ومصادر أخرى للخاصة.

(17) الكافي ج1 ص462.

(18) مسند أحمد ج6 ص340 ومصادر أخرى للعامة. كشف الغمة ج2 ص523، ومصادر أخرى للخاصة.

(19) صحيح البخاري ج4 ص217 باب مناقب الحسن والحسين (ع) وج7 ص74 باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، ومصادر أخرى للعامة. الكافي ج6 ص2، ومصادر أخرى للخاصة.

(20) الجامع الصغير ج1 ص37، ومصادر أخرى للعامة. مناقب آل أبي طالب ج3 ص382 ومصادر أخرى للخاصة.

(21) مجمع الزوائد ج9 ص184، ومصادر أخرى للعامة. الإرشاد ج2 ص127، ومصادر أخرى للخاصة.

(22) مجمع الزوائد ج9 ص184، ومصادر أخرى للعامة. الأمالي للصدوق ص522 المجلس السابع والستون ح2، ومصادر أخرى للخاصة.

(23) مناقب آل أبي طالب ج4 ص22.

(24) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص47، الإرشاد ج2 ص1، ومصادر أخرى للعامة والخاصة.

(25) كفاية الأثر ص227.

(26) الأمالي للطوسي ص159، المجلس السادس ج18.

إغلاق