الافتتاحية

«ماذا تستقبلون؟! وماذا يستقبلكم؟!»

221-222

 

«سبحان الله، ماذا تستقبلون؟! وماذا يستقبلكم؟!» ثلاث مرّات ردّد الرسول الأعظم هذه الكلمات المثيرة للتشويق والترقّب على أسماع الناس، عندما حضر شهر رمضان المبارك… ومن المؤكّد أنَّ النبي (ص) إنّما أراد بهذا التكرار غير المعهود وبهذه الصيغة، أن يوقظ مسامع قلوب المسلمين، لا أسماعهم فقط، وأن يستنفر عقولهم ويحفِّز نفوسهم، للتأهّب والاستعداد الجديّ لأمرٍ مهمٍ وجليلٍ، ألا وهو استقبال وملاقاة أفضل الشهور وأفضل الليالي والأيام والساعات عند الله عزَّ وجلَّ، ملاقاةً واستقبالاً يليقان بمقامه الاستثنائي بين الشهور وبما أراده الله تعالى من جعله الفرصة الأثمن والآكد لارتقاء الإنسان المسلم في سبل نيل رضاه سبحانه، ومن أجل بناء شخصيته الإيمانية والإنسانية المجلّية.

كيف لا يستحقّ هذا الشهر المُعظَّم كلّ هذا الإهتمام وكلّ هذا التأكيد والإلحاح من نبيّ الرحمة (ص) على المؤمنين لِبذلِ الجهد وتوطين النفس للاستفادة القصوى من عطاءات وبركات هذا الشهر المبارك، فهو كما يقول سيد الرُّسل (ص): «شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامته». وهو كما يخاطب فيه الإمام السجّاد (ع) ربّه جلَّ وعلا: «إنّما آثرتنا به على سائر الأمم، واصطفيتنا بفضله دون أهل الملل … شهر الصيام، وشهر الإسلام، وشهر الطهور، وشهر التمحيص، وشهر القيام». وتدليلاً على عظمة وفرادة هذا الشهر الكريم، وما أعدَّه الله تعالى لعباده الذين يحيونه بالطاعات والقربات، واجتناب المحارم، من عظيم الفواضل والجوائز، يقول النبيّ (ص): «لو يعلم العبد ما في رمضان، لودَّ أن يكون رمضان السنة». وإذا كان شهر رمضان بأجوائه الايمانية النقيّة، مجالاً رحباً لتربية وترقية الفرد الصائم بحقّ، فإنّ له الأثر الأكبر والأفعل في توجيه المجتمع الصائم وتربيته على قيَم الخير والوئام والاستقامة، ولفظ الفساد، وعلى شدّ الأواصر والتعاون لتلبية الحقوق والحاجات المطلوبة لشرائحه وفئاته المختلفة. وهذا كلُّه يؤدّي بالضرورة إلى ما يصون وحدة الأُمَّة وكيانها وإلى ما يقوّي منعتها وصلابتها في مواجهة المخاطر والاستهدافات المتنوّعة.

وفي مقابل حرص المؤمنين الواعين، على الالتزام بما يَحفظ حرمة هذا الشهر وقدسيَّته من التجاوزات المُسيئة لمعانيه، يستمرُّ المتأرجحون المتذبذبون في توليد ونشر العادات والتصرّفات المؤذية والمظاهر المقيتة التي تتناقض مع رسالة الصوم وأهدافه السامية.

ويأتي في سياق ذلك، انتشار اللقاءات والتجمّعات العبثية اللّهوية، ومتابعة الكثير من البرامج التلفزيونية المنحرفة والهابطة، التي يروِّج لها الإعلام المفسد المستغل، تحت عناوين رمضانية مضللة. كما يُعتبر الإسراف والتبذير في المآدب المسماة رمضانية، والتي يعقبها إلقاء كمّيات كبيرة من الطعام ومنتجاته في القمامة، من أشدِّ الإساءات في هذا المجال.

ففي حين تُجرِّم الدول الحريصة على ثروات شعوبها وعلى حقوقهم وكرامتهم، وتعاقب بشدَّة كلّ من يُضبط متلبِّساً بهذا الفعل الشنيع بموجب القانون النافذ، تتفشّى هذه الظاهرة البغيضة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وقد أُعلن منذ مدَّة قريبة أنَّ دولتين عربيَّتين ثريَّتين، تتصدّران قائمة دول العالم التي تهدر الطعام في القمامة، وذلك بما يكفي لإشباع شعوب عدَّة دول فقيرة تعاني العوز والحرمان. يحدث هذا وسواه من أنواع التبذير والهدر والاسفاف، بينما يعلن الإسلام عبر رسوله الأكرم (ص) أنَّ من حكمة وجوب الصوم «أنَّ الله (ع) أراد أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغني مسَّ الجوع والألم ليرقَّ على الضعيف» لا ليستهتر به ويتشوّف عليه.

وهذا كلُّه يشكِّل حافزاً ومدعاةً ليبذل المخلصون الحريصون على نقاء صورة الإسلام وعلى سلامة ورفعة مجتمعاتنا، جهوداً أكبر للإرشاد والتوجيه والتصحيح الفعلي …

قال رسول الله (ص): «الصوم يورث الحكمة، والحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين».

مع خالص التهنئة بحلول الشهر الكريم، ندعوه سبحانه وتعالى، أن يتقبَّل طاعات المؤمنين وأن يثبِّتنا جميعاً على طريق الحقّ والعدل والإصلاح.

نور الإسلام
إغلاق