من سير الأطهار/ أدب ملتزم

معدن العظمة

بين أشواق الأرض وأطواقها تترنم تسبيحة الوجود....

بقلم:  رجاء بيطار

 

بين أشواق الأرض وأطواقها تترنم تسبيحة الوجود، وتزخر أرواح القدس بأنوار الملكوت، وتشقّ جيوبَ الليل صرخاتُ الفجر الثاكل!

وبين أفواج الملائكة المسبّحة المهلّلة على وقع نجواه، وهي التي طالما اصطفّت خلفه متسابقةً متزاحمةً لتقتدي بصلاته، متنتشّقةً شذى قربه من مولاه، يتسلّل ملكٌ حييّ الطرف مكفهرّ الوجه يروم لقياه، ملكٌ عايش الإنس منذ آدم، ونظر في وجوه الأنبياء والأولياء، والجبابرة والضعفاء، فرأى اشتداد النزع وذروة الاحتضار، وهمدت بين يديه الأنفاس بعد طول صراع، واستلّ الأرواح من الجثامين المقدّسة تارةً والمدنّسة أخرى، بأمرٍ من المحيي المميت الواحد القهّار..ولكنه الساعة قد غصّ بريقه وكاد يختبر بنفسه لحظة النزع وهو يلقي عليه نظرةً آيسة.

للمرة الأولى، بل ربما الثانية أو الثالثة، يغصّ الملاك القابض بعبرته ويختنق بحسرته وهو ينفّذ أمر ربه، .. ويهبط من عليائه ساجداً خاشعاً وهو يتهيأ لقبض روح بشر، فينتحب له وهو في قبضته، ويكاد يكون هو المقبوض لا القابض وهو في حضرته.

كان ذلك منذ بضع عقود، حينما قبض خاتم الأنبياء، ثم بضعته الزهراء، وها هو اليوم يرفّ بجناحه المنكسر وقلبه المعتصر ألماً فوق بيت الإمام، ويسترجع بولهٍ وهيامٍ تلك الأيام…

ولكنه الأمر الإلهي، وذا عبدٌ صالحٌ هو خير عباد الله بعد نبيه الخاتم، وقد استسلم لمشيئة الله ولم يكن ليقاوم، .. هذا الطود الأشمّ الذي ما تهاوى قط ولا استسلم، وهو مولى كل مسلمة ومسلم، ها هو الساعة منطرحٌ بين يدي ربه يحوقل ويبسمل ويتمتم، ويذكر الله ذكراً كثيرا، رغم أنه متوجّع متألّم!

ترى، .. هل أقبلت الملائكة على مفرّق الأحباب تسأله أن يمهل أيتام الزهراء هنيهاتٍ ريثما يتزوّدون من سيد الأحباب؟!.. هل اختلطت دمعاتهم وآهاتهم بنحيب الآل والأصحاب؟!.. ثم هل راحوا يطوفون على قلوبهم المنفطرة حزناً لينثروا عليها رذاذ السكينة عساهم يخففون عنهم هول المصاب بعد أن لاحت بوادر الغياب؟!

هيهات، .. وإنه لحزنٌ لا تطفئ جذوته السنون والقرون والأحقاب، بل هو باقٍ رغم تواليها، تزيده التهاباً واضطراماً دقائقها وثوانيها، فهي له وقودٌ وهو مخلّد فيها، طالما أن البلاء مستمرٌ يعيش ويتغذى بالآلام؛ آلام كل من هوى علياً ورأى فيه ولياً، فحلا له في سبيل هواه كل مرير، وهان له كل صعبٍ عسير.

إيه يا أبا تراب، يا شهيد المحراب..

إن دماءك التي لم تلامس قط وجه التراب، رغم كل ما خضتَه من حروبٍ وضراب، وتشابك أسنّةٍ وسيوفٍ وحراب، ها هي ذي قد انسكبت وامتزجت بتراب المحراب، كما انسكبت قبلاً في شخص وليدك المحسن بين الحائط والباب.

هي ذي ليلة القدر، خيرٌ من ألف شهر، هي ذي تبسط وشاحها النوراني لتكفّن به سيد الأوصياء، بعدما بسطت أختها وشاحها قيل ليلتين لتضمّد جراحه.

هي الليلة التي اختُصّت بها الحبيبة الصدّيقة الزكية، تُسرج نجومها وتوقد عيون الليل ليسبّح ضياؤها بنور نظراته العلوية، وتضمّه بين حناياها الوالهة ضمّة المشتاق منذ عقود، منذ شهادتها مظلومة مقهورة أبية، أفلا يحق لهما اللقاء بعد طول فراق، كي يجتمعا سوية من جديد في تلك العشية القدسية؟!

وهي الليلة التي يُفرق فيها كل أمرٍ حكيم، وأول ما خطّته أنامل القدر وفرقته أنسام اللحظات المتقلّبة على جمر الآهات، مع أول خيوط الفجر المتسللة قسراً عبر شقوق السماء الثاكلة، كانت ضربة أشقى الآخرين لسيد الوصيين!

ترى، هل كان إبليس من أمسك بذاك السيف المسموم لينتقم به من هامةٍ لم تسجد لصنمٍ قط؟!

بلى، فإن من جعل قلبه مسكناً للشيطان ومرتعاً لنفثه وهمزه ولمزِه، ليس غريباً عليه أن يجعل يده أداةً ليضرب بها من الخير عنوان رمزِه وعزِّه.

وحينما سقط الإمام لوجهه المشرّف المعظّم، ترى ألم تسقط القلوب وتتهاوى الأرواح المستمدة عزمها من عزمه؟!

ويلاه …

 وحينما صاح برفيع صوته «فزت ورب الكعبة»، ألم تتأوّه أشتات البشر حوله، وهم يستشعرون قمة خسارتهم له في فوزه؟!

وحينما أعول جبريل بين السماء والأرض منذراَ بني آدم بهول المصاب بندائه «تهدّمت والله أركان الهدى، وانفصمت والله العروة الوثقى»، أولم تتدكدك السموات والأرضون وتتساوى الأزمنة بين ما كان وما هو كائن وما سيكون، حتى صار الكون كله ريشةً في مهبّ الريح، ترصدها القيامة وينفخها الصور، ولولا رحمةُ قلبه المعطاء الحنون، ورأفته حتى بذلك السفاح، لقامت قيامة الأرواح، ولكانت نهاية الدنيا بين فكي ليلة وصباح!

رباه،.. هل يقدر اليراع أن يصف ما قصّرت عن وصفه ورؤيته العيون، وهل في الكلام ما يترجم ذاك العشق المجنون، الذي اخترق حجب الزمان والمكان ووصل إليه رغم بعد الشقة  وطيف المنون؟!

… وكيف لا أدعو عشقي له بالجنون، والمنطق في رحاب فقده قد تعطّل، تماماً كما يتوقف النهر عن الجريان إذا نفد ماؤه وأمحل.

مولاي، ولعمري فأنت الماء العذب وري القلب وغاية الحب، ولئن استطاعت يد البغي أن ترميك بالردى، فلقد عشنا ولا زلنا نعيش بعدك كما يتردد بعد الصوت الصدى، فلسنا إلا ظلالاً لنورك، وانعكاساتٍ باهتةٍ من سنا نورك الأبهى.

ولئن وقفت الملائكة عند سريرك تنعاك وتبكيك، وتواسي بنيك فيك، فلقد تناثرت كل حروف الوجد الساعة لترثيك، ولكنها لم تجد في أبجديات العالم ما ينبئ بحقيقة ما جرى، وما يعبر عن ذاك العشق المتشامخ نحو الذرى، المتغلغل في معانيك.

مولاي، أي قربٍ تحسه الساعة من باريك، وإنما أنت إليه قريب مذ أولدك في بيته قبل ستين عام ونيف، فهل إلى أكثر مما أنت فيه من قرب سبيل؟!

مولاي،…

أوليس هو معشوقك الأوحد، الذي «وهبك كمال الانقطاع إليه، وأنار بصر قلبك بضياء نظره إليك، حتى خرقت أبصار ذاك القلب الأنقى حجب النور فوصلت إلى معدن العظمة، وصارت روحك الأرقى معلّقةً بعزّ قدسه، ناداك فأجبته، ولاحظك فصعقت لجلاله، فناجاك سراً وعملت له جهراً..».

هي روحك الساعة قد بلغت الحلقوم، فرَوحٌ وريحانٌ وجنة نعيم

… هي ليلة القدر قد فتحت ذراعيها تستقبلك بضلعها المكلوم، .. هي كل أحزان الإنسانية منذ آدم إلى يوم يبعثون، قد اجتمعت الساعة على قلوب آل محمد.

فواهاً ثم واهاً لدمعهم المسجوم…

وواهاً ثم واهاً لبعدنا عنهم، إذ يتعذّر علينا أن نواسيهم ونمسح جراحهم، …وتقف حجب الزمان حداً فاصلاً بيننا وبينهم…

ولكن، ترى أكنا لنطيق ذلك، أن نعزي ونواسي في من هو لنا مصدر العزاء والمواساة، وبلسم القوة وسر الحياة، أم لعلنا لو كنا حضرنا بينهم لكانوا هم لنا المعزون، إذ المصاب الجلل اقسى من أن يحتمله كياننا الضعيف المحزون؟!

مولاي… سلاماً لروحك التي بلغت التراقي، ..سلاماً لك من عاشقة وقفت في طابور العشاق تلتمس تحمل هذا الفراق…

سلاماً لك أيها الساقي، سلاماً مضمخاً بري الكوثر وعطر الأشواق، من روحٍ تنتظر لقياك في غدٍ حينما تبلغ التراقي، عساها تلتحق بركابك وتعيش في عالم البرزخ والآخرة في ظل براقك، وتكون لك خادمة في عالم الخلود كما كانت في عالم الفناء، وبذا تكتمل السعادة الأخروية ويتحقق الأمل المنشود!..

إغلاق