الافتتاحية

الإنسان: بين أوجّ القرب الإلهي وحضيض الغرائزية المقيتة

223-224

 

مرة جديدة تُقبِل علينا الأشهر الحُرُم بما تحمله من معاني حرمة الإنسان وبسط الأمن والأمان، وتحكيم ضبط النفس والحكمة على الغرائز المقيتة، هذه الشهور التي كانت تُلزِم أبناء الجاهلية المقيتة العمياء بالخروج من جاهليتهم وعقليتهم القائمة على العدوان والشر، والغزو والثأر، ليلتقي ابن المقتول مع القاتل فلا ينال منه بأذى التزاماً بحرمة الشهور.

في ذلك العصر، كان أهل المآرب يحتاجون إلى تدوير زوايا والتفاف على القانون ليخترقوا هذه الحرمة ويمارسوا عدوانهم في الشهر الحرام، فاخترعوا النسيء ـ وهو تأجيل الشهر الحرام إلى شهر آخر ليستحلوا الاقتتال في الشهر الحرام، وقد أدان الله (عزّ وجل) هذه الممارسة الملتوية في كتابه العزيز حيث قال:

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.”[التوبة: 37].

ولكن الغريب المبكي هو أن هذه الأمة بعد خروجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام  ابتليت بانقلاب الجاهلية العمياء على الشرعية الإسلامية فتولى أمرها طغمة نزلت بها إلى درك أسفل من دركات الجاهلية، فلم يعد انتهاك الشهر الحرام يحتاج إلى حيلة النسيء، بل غدا ينتهك جهاراً نهاراً، فدُس الرجال لاغتيال ريحانة رسول الله (ص) في الحرم الآمن في موسم الحج، حتى عدل عن الحج إلى العمرة وخرج من مكة يوم التروية حفاظاً على حرمة الشهر والبلد والبيت.

وشنت حربها الغادرة على سفيره في الكوفة يوم عرفة حتى قتلته صبراً ومثّلت بجثمانه.

وأخرجت السجناء السياسيين من أمثال ميثم التمار في الثاني والعشرين من ذي الحجة لتنفيذ الحكم الجائر بالقتل والصلب والتمثيل، وهو أشد الثلاثة انتهاكاً، لأنه إن كان يمكن الاعتذار للحالتين الأوليين بضرورات الحرب والصراع. فأي ضرورة لانتهاك الشهر الحرام بإعدام سجين بات في القيود منذ سنوات؟!

ومنذ ذلك الحين وما زالت الأمة في سفال من الأمر حتى خرجت عن معظم مضامينها النبيلة وتعاليمها السمحاء، فلم يعد من حرمة لبيت ولا لشهر ولا لقيَم. بل تجاوز الأمر هذه الحدود مع دخول التمدن إلى مجتمعاتنا فتحول العدوان من ضرورة يمارسها المعتدي ولو للسلب وإرضاء المطامع، إلى هواية تُرتَكب عبثاً دون أدنى مكسب، في حيوانية مقيتة يترفع عنها السباع، فيسقط الشاب مضرجاً بدمه لأجل أولوية مرور، أو موقف سيارة، بل حتى لمشاجرة تشجيع تافهة في غمرة منافسات مهرجان كرة القدم العالمي.

هبوط مريع في قيمة الإنسان في بلادنا نتيجة غياب الوازع الديني، واضمحلال سلطة الرقابة الاجتماعية،و انعدام القانون، في أمة تُرك شعبها متخبطاً في غمرة من الهواجس من الأمن إلى المعيشة إلى الصحة والخدمات وغيرها، إضافة إلى إعلام مسموم يحقنه يومياً بجرعات من العنف والغرائزية والشذوذ ليخرجه من أي محتوى من محتويات الإنسانية.

فإلى أين؟

وكيف سنستمر إذا بقي المسار على نفس السكة؟

ومتى سيستيقظ أولي الشأن لتدارك المركب قبل أن يغرق بالجميع؟

أسئلة تنتظر الإجابة، وما من مجيب.

إغلاق