قضية ورأي

التعامل العقلائي مع أخبار السنّة ذات الطابع الغيبي

223-224

بقلم: الدكتور زهير بيطار

 

إنَّ بعض المؤمنين يتّخذون موقفاً من أخبار السنة ذات الأبعاد الغيبيّة على أساس أنّه إذا لم يستطيعوا إدراك مضامنيها معرفياً بالمقاييس البشرية ينفرون منها ولا يقبّلونها بدعوى أن العقل لا يتقبّلها.

في هذه المقالة نُبيِّن للقارئ العزيز الموقف العقلائي عندما يكون أمام مثل هذه الأخبار.

وبما أنّ الكثير من المواضيع الدينية إمّا غيبيّة بالكامل أو هي متحقِّقة في الواقع الملموس لكن لها امتدادات غيبيّة، لذلك قال تعالى:  ”الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ”  [البقرة: 1 ـ 3].

إنَّ الله (عزّ وجل) أنزل الرسالات من أجل بناء الحياة البشرية على أُسُس سليمة، إذ من نافلة القول أنَّ أيّ نظام يضبط حياة الفرد والجماعة لا يكون منسجماً مع الحقائق التكوينية للكون والإنسان لن يكون قادراً على وضع الإنسان في الوضع الأمثل لأجل القيام بالوظيفة الموكلة إليه ربانياً.

إنَّ المعرفة البشرية ذات طابع تراكميّ تسعى إلى التكامل عبر القرون، لذلك تكون ناقصة في أيّ لحظة من الزمن، مما يجعله لازماً الحاجة إلى الدين الإلهي لتحقيق النظام الأمثل المنسجم مع حقائق التكوين.

نقص المعرفة يجعل كثيراً من المعطيات الدينية ذات الطابع الغيبي المتعلّقة بالكون أو بحياته فوق طاقة إدراكه، ويبقى كثير مما يغيب عنه، فإذا جاءه خبرها بالوحي فلا مفرّ من قبوله و الإفادة منه، لذلك قرّر الله (عزّ وجل) أنّ هذا الكتاب هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب.

إنَّ أئمة أهل بيت العصمة (ع) أوضحوا لنا الموقف الصحيح في مثل هذه الحالة، فقد ورد عن الإمام محمد الباقر (ع): «والله إنَّ أحبّ أصحابي إليّ أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا وإنّ أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم الذي إذا سمع الحديث يُنسب إلينا ويُروى عنّا فلم يقبله واشمأز منه وجحده وكفّر من دان به وهو لا يدري لعلّ الحديث من عندنا خرج وإلينا أُسند، فيكون بذلك خارجاً عن ولايتنا (الكافي، ج ٢، ص ٢٢٣)».

هذا يتوافق مع طبيعة المعارف البشرية، فما كان مجهولاً في عصر قد تتجلى أسراره في عصر لاحق، فمن الحكمة في مثل هذه الأمور العمل بالقول المشهور: ذروه في سنبلة والوقت كفيل إنباته.

الإنسان يعلم أنَّ معرفته عن الوجود محدودة وكثيرٌ منه يبقى غائباً عنه، كذلك يرى في حياته اليومية كثيراً من النتائج تأتي مغايرة لمقدّماتها الموضوعية، فمِن ذلك يدرك أنَّ الغيب أمرٌ واقعٌ في هذا الكون هو في عِلم الخالق العظيم فإذا جاء خبره بالوحي كان من الحكمة الأُنسُ به والإفادة منه، ويبقى أن نعرف المقاربة الصحيحة في مثل هذه الحال كما سيأتي لاحقاً.

ولا يظنَّن أحدٌ أن العقيدة بالله (عزّ وجل) هي عقيدة غيبيّة، بل هي إيمان بما لا يُرى ولكن يُعقل بالمنطق السليم، من خلال آثار وجوده الواقعية التي هي هذه الخليقة، مما يجعله إيماناً موضوعياً واقعياً ولقد بحثنا مرتكزات هذه المقاربة في دراسةٍ قرأنية في كتابنا أواقعيّة أم غيبيّة، المنهج الواقعي في منطق الإيمان، وفيه أوضحنا أنَّ تكليف الإنسان من خلال التوجيه القرآني هو في أن يتعامل مع الأشياء موضوعياً من خلال المعطيات الواقعية. لكن هناك أشياء في الدين غيبيّة بالكامل مثل الملائكة والجنّ وقضايا أخرى واقعية ولها أبعاد غيبيّة.

من مثل ولادة عيسى، وخفاء ولادة موسى والحجّة المنتظر (عج) عن أئمة البغي الذين كانوا يترصّدون ولادتهم ليقتلوهم، وكطول عمر نوح (ع) وعيسى (ع) وبقائه حياً ليعود في آخر الزمان ليكون شاهداً للإمام المهدي (عج) على أهل الكتاب بدلالة سورة النساء: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا” [النساء: 157 ـ 159].

فمن الواضح أنّ الإيمان به المذكور هو أمرٌ مستقبليّ، بداية قرر أنه على قيد الحياة وأنّ موته أمر مستقبلي حيث يجمع أهل الكتاب على الإيمان به قبله، فعودته في آخر الزمان تحقق ذلك. وطول عمر المهدي قائم آل محمد (ص) يقع في هذا السياق، وإن كان يغيب عنّا الحكمة الإلهية العظيمة والمبرّرات والأهداف والوسائل من جعل الأمور تسير على هذا النحو حتى تصل الأمور إلى الوعد الأكيد بقيام دولة العدل الإلهي وظهور الدين على الدين كلّه.

وهناك أمور واقعية بالكامل لكن لا قدرة للإنسان عل فهم الحكمة الإلهية منها، مثل جعل فروض الصلاة خمساً لا غير، وعدد الركعات. وجعل الطواف سبعة أشواط وعكس عقارب الساعة في توافق مع دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ودوران المجرّات أيضاً بنفس الاتجاه كما يعتقد العلماء في الوقت الحاضر.

أردنا من هذه المقدّمة أن نظهر بوضوح أنّنا لو اتّبعنا نهج البعض في رفض ما يخرج عن إدراكاتهم لأنكرنا معظم الدين، وهذا منهج الملاحدة والذين لا يعقلون، فهم ينكرون ما ينكرونه استناداً إلى علم ناقص لا يبلغ مقداره من الكون إلّا كمثل غرفة الكف من البحر المحيط، وهذا موقف غير عقلائي حتماً. فلا بدّ من إظهار المنهجية العقلائية الصحيحة في التعامل مع أخبار السنّة التي لها أبعاد غيبيّة، التي يجد أولئك الصعوبة في تقبّلها في بعض الأحيان.

وذلك على النحو الآتي:

1 ـ عدم تعارض المضمون مع مبادئ المعقولية، وهي مبدأ السببية أي لكل حادث سبب ومسبّب والهدفيّة في مقابل العبثيّة حيث أنّ الإنسان حتى المقصر في إيمانه يعلم يقيناً أنّ هذا الكون قائم على نظام بديع يفوق قدرته على الإحاطة الكلية به، ولا مكان فيه للعبثية الهدّامة.

ومبدأ الهويّة: أي أنّ الشيء لا يكون هو وشيئاً آخر في الوقت ذاته، فالحجر لا يكون حجراً وحصاناً في وقت واحد.

2 ـ أن لا يتعارض مع اليقينيّات:

وهي قد تكون حسيّة، من مثل أنّ الشمس جسم يُصدر ضوءاً وحرارة.

أو علميّة: من مثل أنّ الماء مركب من جوهري هيدروجين وجوهر أوكسجين.

أو عقليّة: من مثل أنّ الجزء أصغر من الكل، وأنّ المركب قابل للتجزئة، وأنّ القابل للتجزيء مركب، وأنّ المركب هو مجموع أجزائه المحدودة وبالتالي فهو محدود، أنّ المحدود لا بدّ أنه حادث أي لم يكن موجوداً أزلياً لأنه لا بدّ أنه بدأ في نقطة من المكان وفي نقطة من الزمان، فلا بدّ إذن له من مُحدث.

3 ـ التحقّق من أنّ المضمون لا يترتّب عليه التناقض في المنظومة الدينيّة، لتعارضه مع المنطق الديني الذي حقق العقل بموجبه ابتداءً العقائد الأم، وعدم تناقض المضمون مع القرآن والسنّة الصحيحة.

4 ـ التثبّت من إمكانية التحقّق في الوجود.

5 ـ التثبّت من مقبولية السند بالمعمول به في علم الحديث والرجال التي هي مناهج عقلائية في أساسها.

فنأتي بأمثلة كالآتي: لو جاءنا خبر أن على الأرض قارة نستخرج مساحتها كما يصفها الخبر فإذا هي أكبر من مساحة الأرض.

نرفض هذا الخبر لتناقضه مع اليقينيّات العقلية بأنّ الجزء أصغر من الكلّ حتى لو كان مسنده صحيحاً.

ومن جهة أخرى نورد أمثلة يفرض علينا المنهج العقلائي الصحيح تقبّلها، وفي الخبر عن الإمام الباقر (ع) في حديث طويل نأخذ منه محلّ الحاجة «لقد خلق الله (عزّ وجل) في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله (عزّ وجل) آدم أبا البشر وخلق ذريّته منه(1).

وفي خبر عن الإمام علي بن الحسين (ع) نأخذ محلّ الحاجة «.. أنّ من وراء عين شمسكم هذه أربعين شمساً (أو عين شمس) فيها خلق كثير..»(2) (أورنا الاحتمالَين تجنّباً للتحريف).

هذه أمثلة على أخبارٍ من السنّة هي فوق طاقة البشر المعاصرة للتحقّق منها، فالموقف الصحيح منها:

أولاً: إمّا أنها صحيحة السند أو حسنة أو على الأقل لا مصلحة للكذب من ورائها، فلا يمكن اعتبارها ظاهرة توسع أو تكامل معرفي متصل بالواقع المعرفي لذلك الزمن، إذ ليس لمثل هذه المعلومة جذور في المنظومة المعرفيّة في زمن صدورها، لذلك هي متقدّمة بما يزيد عن ألف سنة عليها وهي من القضايا التي بدأ الإنسان بالتفكير في إمكانيتها في عصرنا الحاضر، فلم يكن ممكناً لأحد أن يفكّر في هذا الاحتمال في ذلك العصر فلا يبقى لاحتمال الكذب فيها محل.

ثانياً: مضمونها لا يتناقض مع القرآن الكريم، ففي الحديث الأول:

قوله تعالى: ” إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ” [البقرة: 20].

وقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ “ [الأنعام: 165].

فعالمنا قد خلف ما قبله بما يعني وجود عوالم أخرى قبلنا على الأرض عاشت ثم خلقنا الله بعدها.

وبالنسبة للخبر الثاني:

يقول تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” [الحديد: 1].

” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ” [النور: 41]

فقوله (من) يختلف عن قوله (ما) إذ (مَنْ) ربما يُفهم منها إشارة إلى كائنات عاقلة بينما (ما) تحتمل العاقل وغير العاقل.

ثالثاً: لا تناقض مع مبادئ المعقولية المذكورة.

رابعاً: لا تناقض مع اليقينيّات المذكورة.

خامساً: ممكنة التحقق في الوجود، بل إنّ الكشوفات الحديثة تدل على وجود أنواع بشرية قبل نوعنا الآدمي، كما أنّ العلماء بدأوا بالتفكير الجدي عن وجود أنواع عاقلة في الكون الفسيح وبدأوا في البحث في هذا الاتجاه.

سادساً: قبولها لا يخلق التناقض في المنظومة الدينيّة.

بناءً على هذه المنهجيّة العقلائيّة لا يصح رفضها، بل لا بدّ من العمل بقول العارفين: ذروه في سنبله والأيام كفيلة في إنباته.

إنّ هذين الخبرين العظيمين عن أهل بيت النبوّة ومئات من مثلهما، يمثّل معرفة سابقة لزمن صدورهما عن الأئمة (ع)، ولم يكن في عصر صدورهما أحد يتصوّر بالخيال مثل ذلك، فلو أنّ علماءنا الأجلّاء رفضوها بسبب عدم قدرتهم على استيعاب أهميّتها لحرمونا من تراث عظيم لا يُقدّر بثمن، ولكن وعيهم وعِلمهم بأنّ لدى أئمة أهل البيت من العلوم ما ليس عند غيرهم، وأنّ الزمن كفيل بإظهار أحقيّتهما جعلهم يحرصون على روايتهما كما في أمثالهما من الأخبار الراقية الكثيرة، التي بدأت علوم البشر بمقاربة أمثالها، فضلاً عن ما يشكّلانه من حجيّة على صدقيّة محمد (ص) وآل محمّد (ص) بمصدرهم الربّاني على المعاندين من أهل الكفر والنفاق.

فلو طبّقنا هذه المنهجيّة على الروايات الكثيرة الواردة عن الرجعة في تراث أهل البيت (ع) لوجدنا أنّ متدرجات هذه المنهجية تظهر أنها تنطبق عليها وتقودنا إلى ضرورة الإقرار بها، مهما كان موقفنا النفسي منها، حتى لو كان البعض يشمئزّ من قبولها، ليس بناء على بحث موضوعي بل انطلاقاً من موقف نفسي رافض لما قد يكون في تفاصيلها بما يتعارض مع موروثاته المغلوطة، رغم رجحان مضمونها العميق كما أوضحنا في العدد السابق، وفي القرآن الكريم أمثلة على رجعة أمواتٍ قضاها الله تعالى لتحقيق حكمة هي في علمه مثل رجعة عزيز (ع) ورجعة القتيل في عهد موسى (ع) على أنّنا لسنا في حاجة إلى الاستدلال على الرجعة بالسنّة، فإنّ القرآن الكريم قد كفانا الجدال في سورة النمل الآية: 83، 84، 85، 86، 87 كما فصّلناه في العدد السابق، ففي الآيات الثلاث الأولى رجعة لقوم من كلّ امّة من الذين لا يؤمنون بآيات الله وفي الآية الأخيرة حشر شامل لكلّ الخلائق.

وفي سورة الذاريات التأكيد على أنّ وعود الله (عزّ وجل) للمؤمنين صادقة سواء لحياة الدنيا والآخرة، في الدّنيا سيتحقق الدين لأنّه خلق لها ويعمّ البشرية كلها، وفي الحياة الآخرة سيكون البعث والحساب.

ففي سورة الذاريات: ” وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا  * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ* وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع* وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ *إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ” [الذاريات: 1 ـ 12].

أخيراً، أرجو أن يكون الموضوع قد استوفى جوانبه الأساسيّة بما هو متاحٌ من الفسحة في هذه المجلة الغرّاء، وأسأل الله (عزّ وجل) أن يكون عملاً مقبولاً لديه وهو الرّحمن الرحيم.


المصادر:

(1) بحار الأنوار، ج54، ص319 ـ 320. وج7.

(2) بحار الأنوار، ج54، ص329.

إغلاق