أخلاق

الــبرّ

223-224

بقلم: السيد حسين نجيب محمد

معنى البرّ:

التوسّع في فعل الخير، فبرّ الناس هو التوسُّع في الإحسان إليهم بالصدقات والخدمات وقضاء الحوائج وغير ذلك، هذا في اللغة العربية.

وأمّا تعريف البرّ في القرآن الكريم فهو كما ذكره الحقّ تعالى بقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” [البقرة: 177].

يُستفاد من هذه الآية أنَّ جماعة كانوا يرون أنّ البرّ هو التوجّه إلى المشرق ـ وهم النصارى ـ وجماعة  أخرى يرون أنَّه التوجّه إلى المغرب ـ وهم اليهود ـ فأنزل الله تعالى هذه الآية ليقول لهم: إنَّ التوجه إلى المشرق والمغرب هو من الطقوس القشرية وليس من حقائق الإيمان، فإنَّ حقائق الإيمان هي العقائد الحقَّة وهي الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب، وهي التطبيق العملي بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصدق الوعد والصبر فبذلك يكون الإيمان صادقاً، ولذا قال تعالى في ذيل الآية: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا”.

وفي آية أخرى يبيّن الله تعالى أنَّ البرّ هو «التقوى» فيقول: “وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” [البقرة: 189].

وبالتدبُّر في هذه الآية وآخر آية البرّ الجامعة نـدرك أنَّ الهـدف مـن الـبرّ هو «التقوى».

الخُلق القرآني:

يعتبر البرّ من الأخلاق القرآنية، فللأبرار مرتبة عالية ذكرها القرآن الكريم بقوله: :” إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ” [الإنسان: 5]. وقال تعــــالى: ” إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ”[المطففين: 22].

كما أنّ لهم الثواب الجزيل الخاص، قال تعالى: “وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا “[الإنسان: 21].

وهذه الآية من غرر الآيات المشتملة على ألطاف إلهيّة خاصة، ومن ذلك:

إنّ الساقي هو الله تعالى دون غيره، حيث قيل في بعض الآيات: “يُسْقَوْنَ” [المطففين: 25] أمّا هنا فقال: “وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ” [الإنسان: 21].

إنَّ الشراب لم يجعل له وعاء، ولم يعين له آنية، إذ لا حدود أو منتهى لشراب يكون ساقيه هو ربُّ العالمين.

إنَّ الشراب ليس من عيون ومخازن خاصة ينبع منها.

إنَّه شراب طهور يُطهِّر الأبرار من كل شيء سوى رب العالمين.

فعن الإمام الصادق (ع): «يُطهّرهم عن كل شيء سوى الله تعالى، إذ لا طاهر من تدنُّس شيء من الأكوان إلا الله تعالى»(1). والدنس هو الكثافة والقذر، والأكوان هي الموجودات، والمُراد هنا يُطهِّرهم من نقص الإمكان، فالله تعالى طاهر من نواقص الممكنات(2).

وفي مُقدِّم الأبرار وعلى رأسهم الإمام علي (ع) وأولاده المعصومين (ع)، ويتلوهم شيعتهم ومواليهم، فعن رسول الله (ص) أنَّه قال: «علي قائد البررة».

فجزاء الأبرار في الآخرة دخول الجنان والدرجات العليا، فعن الإمام الصادق (ع): «من صالح الأعمال البرّ بالإخوان والسعي في حوائجهم ففي ذلك مرغمة للشيطان وتزحزح عن النيران، ودخول الجنان أخْبِر بهذا غرر أصحابك… هم البررة بالإخوان في العسر واليسر»(3).

وعنه (ع): «يأتي يوم القيامة شيء مثل الكبة فيدفع في ظهر المؤمن فيدخله الجنة فيُقال: «هذا البرّ»(4).

موارد البرّ في القرآن الكريم:

عند استعراض موارد البرّ في كتاب الله تعالى نجد أنّه ينطبق على الأمور التالية:

الإنفاق في سبيل الله: وهو أوضح مصداق للبر، قال تعالى: “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ” [آل عمران: 92]. والمُراد بنيل البرّ هو الدخول في زمرة الأبرار والوصول إلى الدرجات العليا والثواب الجزيل، والإنفاق عام يشمل الإنفاق من الأموال وغيرها، ولقد ضرب أئمتنا (ع) أروع الأمثلة في برهم بإنفاق أموالهم في سبيل الله تعالى، فقال تعالى: ” وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 8 ـ 9] وتتويجاً لذلك فقد وصفهم الله تعالى بقوله: ” إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا” [الإنسان: 5].

البرّ بالوالدين: قال تعالى على لسان السيد المسيح (ع): ):“وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا” [مريم: 32]. وقال مادحاً يحيى (ع): ” وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا[مريم: 14].

وعن رسول الله (ص) أنّه قال: «إنَّما سُمّي  الأبرار أبراراً لأنّهم برّوا الآباء والأبناء والإخوان»(5).

وسَأل أحد الصحابة رسول الله (ص): من أبرّ؟ فقال: «أمّك ثم أمّك، ثم أمّك، ثم أبوك ثم الأقرب فالأقرب»(6).

البرّ في الكلام والحديث: قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” [المجادلة: 9]. فالتناجي المطلوب هو ما يكون بالخير والإحسان والتقوى.

الصدق في القول والعمل: فإنَّ من معاني البرّ «الصدّق» إذ يُقال في اللغة: برّ فلان بيمينه أي صدق فيها، وعن رسول الله (ص) أنّه قال: «عليكم بالصدّق، فإنَّ الصدّق يهدي إلى البرّ، وإنَّ البرّ يهدي إلى الجنة»(7) .

وإلى هذا المعنى تشير آية «البرّ» حيث يقول تعالى: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا” [البقرة: 177].

وعن أبي عامر الأشعري قال: قلت: يا رسول الله ما تمام البرّ؟ فقال (ص): «أن تعمل في السِّر ما تعمل في العلانية»(8).

ومن هنا عاب القرآن الكريم الذين لا يصدقون في أقوالهم بالتطبيق العملي فقال تعالى: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” [البقرة: 44].

وفي الحديث أنَّ رسول الله (ص) مرَّ ليلة المعراج على قوم تقْطع شفاههم بمقاريض من نار فسأل : من هؤلاء يا جبرئيل؟ فأجاب: هؤلاء خطباء من أهل النار، يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم(9).

البرّ الإجتماعي: يقول تعالى: :” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”[المائدة: 2].

وعن الإمام الصادق (ع): «تواصلوا وتباروا وتراحموا وكونوا إخوة بررة كما أمركم الله (عزّ وجل)»(10).

والبرّ الإجتماعي محبوب مع غير المسلمين الذين لا يحاربون الإسلام كما قال تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”[الممتحنة: 8].

موارد البرّ في الأحاديث الشريفة:

إضافة إلى ما تقدَّم من آيات البرّ فقد ذكرت الروايات الشريفة مصاديق للبرّ منها:

الجهاد والشهادة، فعن رسول الله (ص) أنَّه قال: «فوق كلّ ذي برٍّ برٌّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فليس فوقه برّ»(11).

الحج المبرور، ففي الحديث القدسي: «برّ حجك يا آدم»(12). وقد فُسِّر الحج المبرور بأنه «الذي لا يخالطه شيء من المآثم» أي هو الحج القائم على التقوى.

أبواب البرّ، فعن رسول الله (ص): «كتمان الحاجة، وكتمان الصدقة، وكتمان الوجع، وكتمان المصيبة»(13).

البرّ بالأولاد، فعن رسول الله (ص) أنَّه قال: «إنّما سُمّي الأبرار أبراراً لأنّهم برّوا الآباء والأبناء والإخوان»(14).

فكما ينبغي للأولاد أن يبرّوا آباءهم، كذلك ينبغي للآباء أن يبرّوا أولادهم بحسن التربية، فعن رسول الله (ص): «رحم الله من أعان ولده على برّه، وهو أن يعفو عن سيئاته، ويدعو له فيما بينه وبين الله تعالى»(15).

وعن الإمام الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): رحم الله من أعان ولده على برّه، فقيل للإمام (ع): كيف؟ فقال (ع): يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه ولا يخرق به»(16).

التعاون على البرّ:

قال تعالى: : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”” [المائدة: 2].


المصادر:

(1) نور على نور: ص ١٣٦.

(2) خمس رسائل للشيخ آملي: ص ٩٦.

(3) ميزان الحكمة.

(4) المصدر نفسه.

(5) أسرار الأسماء : ص ٣٦٨.

(6) موسوعة أخلاق القرآن : ج ١، ص ٢٣٧.

(7) موسوعة أخلاق القرآن: ج ١،ص ٢٣٩.

(8) مواهب الرحمن: ج ٢، ص ٣٠٠.

(9) موسوعة أخلاق القرآن: ج ١، ص ٢٣٧.

(10) رياض السالكين: ج ٤، ص ٥١.

(11)  ميزان الحكمة: مادة «البر».

(12)  ميزان الحكمة: مادة «البر».

(13)  ميزان الحكمة: مادة «البر».

(14) دليل الأخلاق: ج ٢، ص ٣٠٠.

(15) الطفل: ص ٣٢١.

(16) المصدر نفسه.

إغلاق