الاستطلاع

المزارات الدينية في البقاع اللبناني (الجزء الأول)

221-222

من إعداد جمعية قبس لحفظ الآثار الدينية في لبنان

 

لقد ميَّز الله تعالى بعض بقاع الأرض دون غيرها، فنجد مكّة المكرّمة التي حباها الله تعالى بالكعبة الشريفة، وغيرها من بقاع الأرض، ولكنَّ المثير للتأمّل هو أنَّ شبه الجزيرة العربية ومنطقة الشرق الأوسط هي مهبط الأنبياء ومنها يشعُّ نور السماء فمن الطبيعي أن تنتشر المقامات والأضرحة سواءً كانت لأنبياء الله تعالى أو لأوليائه أو من يُنسب إليهم.

حيث سنعرض هذا التقرير لنبيِّن للقارئ أهمّ معالم المقامات الموجودة في لبنان سيّما في البقاع.

 

مقام السيدة خولة بنت الحسين (ع) [ق:١١هـ/١٧م]

3

كان الانطلاق من مرجة رأس العين باتّجاه دمشق صبيحة اليوم التالي، أي يوم ٢٨ محرّم كما نحتمل، وفي محاولة لاستقراء الأحداث نرى أنّ الركب مرَّ ـ وبلا أدنى شك ـ بأسواق المدينة للتزوّد بالمؤن اللازمة، وبالتالي فلا بدّ من المرور بالقرب من قلعتها الشهيرة، وهذا يحتّم الخروج من باب دمشق في مدخلها الجنوبي، لكن يبدو أنّ حدثًا مفاجئًا لم يكن بالحسبان، أعاق سير الركب، فتوقّف قليلاً عن المسير. فما هو هذا الحدث يا ترى؟

الذاكرة الشعبيّة لأهالي بعلبك تتحدّث عن أثرين هامّين، خارج أسوار المدينة، يتعلّقان بالركب الحسينيّ، وهما مقام السيّدة خولة بنت الحسين (ع)، ومقام السيدة صفية بنت الحسين (ع).

من هي صاحبة المقام؟

أورد المؤرّخون المعاصرون نصوصاً تتحدّث عن مقام السيّدة خولة بنت الإمام الحسين (ع) في بعلبك، وبأنّها طفلة صغيرة لها من العمر ستّ سنوات تقريباً، وقد ماتت على يسار الطريق جنوبي المدينة. يقول ألوف: «مزار خولة للشيعة (المتاولة) وهي ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، قيل إنّه لمـّا سُبي أهل البيت في زمن الأمويّين وأتي بهم دمشق، مرّوا ببعلبك فماتت خولة فيها، ودُفنت بها، وفي دار مزارها شجرة سرو قديمة العهد جداً»(1) .

 بنات الإمام الحسين (ع):

وذكرت هذه المصادر أربعة أقوال في عدد بنات الإمام (ع):

إنّهن اثنتان، وهما فاطمة وسكينة، وقد تبنّى هذا القول جمعٌ من الأعلام، في مقدّمتهم الشيخان: المفيد والطبرسي.

إنّهنَّ ثلاث، وهنّ: فاطمة وسكينة وزينب. وقد تبنّى هذا القول جمع من الأعلام، منهم: الطبري الإماميّ، وابن شهر آشوب، والسيد محسن الأمين العاملي.

إنّهنّ أربع، وقد نقل هذا القول العلامة الإربلي، وابن الصباغ المالكي عن الشيخ كمال الدين بن طلحة المتوفّى سنة ٦٥٤ هـ، وهنّ: فاطمة، وسكينة، وزينب، ولم يسمِّ الرابعة.

إنهنّ أكثر من خمس بنات، وقد تبناه القندوزي الحنفي، والمرعشي النجفي(2).

وبالعودة إلى بنات الإمام الحسين (ع)، فإنّهنّ على أقلّ تقدير كُنّ خمس بنات، هذا إذا اعتبرنا تكرار الاسم لبعضهن، وقد أحصينا الأسماء التالية:

  1.  فاطمة الكبرى: أمها أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، وهي غير فاطمة الصغرى المعروفة بـ«العليلة».
  2. فاطمة الصغرى: تُعرف بالعليلة، وأمّها أمّ إسحاق التيميّة.
  3.  سكينة: اسمها: أمينة، ويُقال: أميمة، ويقال: آمنة. وسكينة لقب لقّبتها به أمّها الرباب بنت امرئ القيس. ولدت حوالى سنة ٤٢هـ في المدينة، وحضرت مع أبيها (ع) واقعة كربلاء، وكانت مع سبايا آل محمد (ص)، والتقت بدمشق الصحابي سهل بن سعد.
  4. زينب: أمها شهزنان أو شهربانو بنت يزدرجرد بن شهريار الساسانيّة، وإخوتها لأمّها وأبيها الإمام زين العابدين (ع)، وأمّ كلثوم. كانت فصيحةً بليغةً راويةً، روى عنها ابن أخيها الشهيد زيد بن علي بن الحسين (ع). وهي أكبر من أختها «أمّ كلثوم».
  5. أمّ كلثوم: أمّها شهزنان بنت يزدجرد الساسانيّة، شهدت كربلاء، ورأت استشهاد والدها الإمام الحسين (ع)، ولها قصّة مع جواد أبيها، تعرّضت للسبي، وهي التي خاطبت أهل بعلبك بالخطاب المعروف. وهي أخت الإمام زين العابدين وزينب لأمِّهما وأبيهما(3) .
  6. صفيّة: ذُكرت في مصادر متأخرة، حضرت معركة كربلاء، وهي التي خرم أذنيها الأخنس بن زيد بعد أن وطأ جسم الإمام الحسين بسنابك الخيل وهشّم أضلاعه وجرَّ نطعاً من تحت علي بن الحسين (ع) فكبه على وجهه(4).
  7. رُقيّة: طفلة صغيرة دون سن البلوغ، أمّها الرباب بنت امرئ القيس.
  8. عاتكة: ورد ذكرها في النصّ المتقدّم: «يا أمّ كلثوم، ويا سكينة، ويا رقيّة، ويا عاتكة، ويا زينب…». وورد اسمها في رحلة ابن بطوطة حينما تحدّث عن مسجد الكوفة، فقال: «بمقبرة منه خارج المسجد قبر عاتكة وسكينة ابنتي الحسين».

فالمصادر التاريخيّة التي تحدّثت عن حياة الإمام الحسين (ع)، وزوجاته وأولاده، لم تُشر إلى اسم «خولة» في عداد بناته (ع)، إلّا إذا كان هذا الاسم صفةً لإحدى بناته المعروفات، وعدم الإشارة لا يمكن أن يُفهم على أنّه مجرّد عدم اكتراث أو إهمال أو سكوت. لأنّنا لا نتحدّث عن بنت لشخصيّة مغمورة أو عاديّة، وإنّما نتحدّث عن بنت الإمام الحسين بن علي وفاطمة (ع). وبالعودة إلى الاسم «خولة» عند أهل البيت (ع) نجد بأنّ من عرف به اثنتان:

  1.  خولة زوجة الإمام الحسن (ع)
  2.  خولة زوجة الإمام الحسين (ع): هي خولة بنت يزدجرد بن شهريار الساسانيّة، كانت ابنة ملك فارس، أسرها المسلمون مع أختها عندما افتتحوا بلاد فارس، وعندما رآها الإمام علي (ع) زوّجها لابنه الإمام الحسين (ع). ومن أسمائها: شاه زنان، وجهان بانويه، وسلافة، وخولة، وقيل خويلة. حضرت واقعة كربلاء مع زوجها الإمام الحسين (ع)، واختفت أخبارها بعد هذه الواقعة، وكانت مجهولة الوفاة والدفن(5).

ويبدو أنّ أيادٍ خفيّةً عملت على وضع أحاديث عن وفاتها، فمن قائل بأنّها توفّيت في نفاس الإمام علي بن الحسين (ع)، إلى رأي نقله ابن شهر آشوب دونما تأمّل، فقال: «جاؤوا بالحرم أسارى إلّا شهربانويه فإنّها أتلفت نفسها في الفرات»(6).

فإذا افترضنا صحّة تسمية المقام في بعلبك بمقام «السيدة خولة» ، فإنّ انتسابه إلى خولة زوجة الإمام (ع) أولى من انتسابه إلى ابنة الإمام المفترضة. ولكن هذا يعارضه كون الجثة التي وجدت في مقام السيدة خولة تعود لطفلة لا تتجاوز ست سنوات. وهذا يدعونا إلى الإحتمال أن تكون صاحبة المقام هي ابنة خولة وبنت الإمام الحسين (ع)، بمعنى أنّها بنت الإمام الحسين من خولة.

اكتشاف المقام [القرن الحادي عشر]:
مقام-السيدة-خولة

اكتشف مقام السيدة خولة بحسب ما ترويه الذاكرة الشعبيّة بعدما كان الأهالي يرون الأنوار تنزل على تلك البقعة، وكانت مغروسةً بالأشجار المثمرة التي ترويها مياه رأس العين، وكان البستان لرجل من آل جاري، فرأى ذات ليلة في المنام طفلةً صغيرةً جليلةً تقول: «أنا خولة بنت الحسين مدفونة في بستانك»، وعيّنت له المكان، وأمرته أن يحوّل المياه عن ضريحها، حيث قالت له: «حوّل الساقية (ساقية مياه رأس العين) عن قبري لأنّ المياه تؤذيني»، لأنّها كانت آسنة، لكنّ الرجل لم يلتفت للأمر، فجاءته ثانيةً وثالثةً ورابعةً حتّى انتبه الرجل فزعاً من هذه الرؤى، فهرع عندها للإتصال بنقيب السادة من آل مرتضى في بعلبك وقصّ عليه الرواية، فذهب النقيب ومن حضر من الأهالي واحتفروا المكان المشار إليه، وإذا بهم أمام قبر يحوي طفلةً ما تزال غضّة طريّةً، وأزاحوا البلاطات، واستخرجوا جسدها المبارك، ونقلوه بعيداً عن مجرى الساقية، وبنوا فوقه قبّةً صغيرةً للدلالة عليه.

وما أن ذاع الخبر حتى توافد إليه محبّو أهل البيت (ع)، ومنذ ذلك الوقت أصبح مزاراً يؤمّه الناس، وقرّر آل مرتضى أن يدفنوا موتاهم بجوار مرقدها وتولوا سدانتها(7).

مقام النبي شيث (ع) (هبة الله) – النبي شيث –

مقام النبي شيث
الموقع:

في وسط شرق سهل البقاع على السفح الغربي لسلسلة جبال لبنان الشرقية تشكلت بلدة تحلقت منازلها وبيوتها حول مقام نبي الله شيث، فحملت اسمه وصارت تعرف «ببلدة النبي شيث». تبعد عن العاصمة بيروت ٧٠ كلم وعن بعلبك ٢٠ كلم، وترتفع عن سطح البحر ١٢٠٠ م.

يوجد فيها آثار تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، وآثار إسلامية.

منزلته:

ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أنه قال : قال رسول الله (ص) إن الله جعل لكل نبي وصيّاً، جعل شيث وصي آدم، ويوشع وصي موسى، وشمعون وصي عيسى، وعلياً وصيي. مذكور في زيارة الناحية المقدّسة: «السلام على شيث ولي الله وخيرته».

سيرته:
مقام النبي شيث

هو نبي الله شيث بن آدم (ع) اسمه سامي ومعناه «بديل» ولد بعد مقتل هابيل فعــرف بـ «هبـــة الله». تــزوج مـن حــوراء مــن الجنة اسمها «نزلة» عاش 912 سنة وقيل 1040 سنة، قيل أنه أول من غرس النخل، وزرع الحب ونطق بالحكمة، كان أجمل ولد آدم (ع) وأفضلهم وأشبههم به وأحبهم إليه، وقد كتب آدم (ع) وصيته ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث.

أنزل الله عليه خمسين صحيفة، عن رسول الله محمد (ص) قال : «أنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة».

أوصى شيث (ع) إلى ابنه أنوش، بسياسة الملك وتدبير الرعايا على منهاج أبيه من غير تبديل، فقام بالأمر بعده ثم قينن ثم مهلائيل ومن ثم أخنوخ (أي ادريس (ع)) إلى أن وصل الأمر إلى نبي الله نوح (ع) فبني البشر ينتسبون إلى نوح بن شيث بن آدم (ع).

مقامه:
مقام النبي شيث

يعود بناء المقام الشريف في التاريخ لمئات السنين وقد ورد ذكره في العديد من النصوص التاريخية وكتب الرحالة.

ورد في وقفية الخواجا محمد الفصي التي تعود للعام ٥١٨ هـ أنه أوقف أراضيه لمقام النبي شيث (ع)، وجعل عائداتها لبنائه وخدماته ويوجد حجر صخري نقش عليه: «لما كانت سنة اثنتا عشرة بعد الألف من شهر ربيع الأول شيّد مقام النبي المبارك محسنة ابنة الدين غفر الله لها ولوالديها».

أعاد تأهيله الحاج حسن الهمداني الذي أقام هو وأولاده حول المقام ولحقت به الناس فعمرت البلدة وحملت اسم صاحب المقام.

في العام ١٩٩٥ هدم المقام القديم وأعيد بناؤه على يد المحسنين من أبناء البلدة بالتعاون مع جهاد البناء ودعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو عبارة عن مبنى يحتوي الضريح الشريف يحيط به مجموعة أقواس ملبسة بالكاشي. الخارج تم تلبيسه بالحجر الصخري وتزيينه بالكاشي والأقواس.

احتفظ المقام بالمئذنة القديمة وأنشئت مئذنة حديثة ثانية شيّدها السيد علي الموسوي والد الشهيد السيد عباس الموسوي.

 

مسجد رأس الإمام الحسين (ع) – رأس العين –

مسجد-رأس-الإمام-الحسين
الموكب في رأس العين:

قال أبو مُخنف: «وأتوا بعلبك، وكتبوا إلى صاحبها إن معنا رأس الحسين (ع)، فأمر بالجواري أن يضربن الدفوف، ونشر الأعلام، وضربت البوقات، وأخذوا الخلوق، والسكر، والسويق، وباتوا ثملين. فقالت أمّ كلثوم: ما يُقال لهذه؟ فقالوا: بعلبك. فقالت: أباد الله خضراتهم، ولا أعذب الله شربهم، ولا رفع الله أيدي الظلمة عنهم. قالوا: «فلو أنّ الدنيا مملوءة عدلاً وقسطاً لما نالهم إلّا ظلم وجور، وباتوا تلك الليلة. ورحلوا منه وأدركهم المساء عند صومعة الراهب..»(8).

وفي رواية أخرى: «فقالت أمّ كلثوم: ما يُقال لهذه البلدة؟ قالوا: بعلبك. فقالت لا أعذب الله شربهم، ولا أرخص سعرهم، ولا رُفعت أيدي الظالمين عنهم».

ويبدو أنّ قادة الركب نصبوا الرأس الشريف لأبي عبد الله الحسين (ع) في الناحية الجنوبيّة من نبع الماء، بالقرب من باب همدان، ومع مرور الزمن اتّخذ المسلمون مكانه مسجداً.

مسجد رأس العين:
مسجد-رأس-الإمام-الحسين

لا يوجد أيّة نصوص تاريخيّة تتحدّث عن مسجد رأس العين قبل سنة ٦٧٦هـ/١٢٧٧م، وهي السنة التي جدّده بها الظاهر بيبرس، وإنّما المتداول بين أهل المدينة أنّ أصله مشهد بني في المكان الذي نزله موكب السبايا القادم من حمص في طريقه إلى دمشق.

مسجد-رأس-الإمام-الحسين

وبما أنّ أقدم نصّ تاريخيّ، ذُكرت فيه منطقة « رأس العين» ببعلبك، تحدّث عن تواجد الشيعة الإماميّة فيها، ووردت في كُتب التاريخ إشارات متعلّقة بها، تحمل طابعاً شيعيّاً كأسماء: شمس الدين بن المقدّم، ومحمّد بن حيدر، وعلاء الدين الوداعي الشيعي، وذلك قبل الظاهر بيبرس بمئات السنين. أضف إليه اسم الناظر لبعلبك ولبناء المسجد وهو «عباس» وحفر كلمة «علي» بشكل هندسيّ رائع فوق أكثر من باب في المسجد. كلّ ذلك يجعلنا نحتمل أن يكون الشيعة القدامى من أهالي رأس العين هم البناة الحقيقيّون للمسجد المشهد.

المصادر:

(1) الأمالي تاريخ بعلبك: ألوف: ص5.

(2) معجم أنصار الحسين [النساء]: ص321. سبايا آل محمّد: ص140. في بناء المقامات الدينيّة: ص87، 88.

(3) الأمالي: الصدوق: ص226. روضة الواعظين: ص189. بحار الأنوار: ج44، ص322. مستدرك علم رجال الحديث: ج8، ص558. وسيلة الدارين: ص375. معجم أنصار الحسين [النساء]: 171، 173، 248.

(4) مدينة المعاجز: ج3، ص94. بحار الأنوار: ج45، ص321. العوالم: ص635.

(5) شرح أصول الكافي: ج7، ص236، رسائل آل طوق القطيفي: ج4، ص80، 83. مناقب آل أبي طالب: ج3، ص311. كشف الغمّة: ج2، ص317. بحار الأنوار: ج46، ص13، 16. تاريخ مواليد الأئمة: ابن الخشاب: ص23.

(6) مناقب آل أبي طالب: ج4، ص112. معجم أنصار الحسين [النساء]: ص138.

(7) السيدة خولة: خير الدين: ص38، تاريخ المراقد: ج5، ص265، 266، الخبر اليقين: ص192، أماكن مقدّسة من لبنان: ص33، معجم أنصار الحسين [النساء]:؛ ص247.

(8) مقتل أبي عبد الله الحسين: الحكيم: ج2، ص76، وورد اسم المدينة: «باب علبك» في نسخة مخطوطة من كتاب مقتل الحسين (ع) لأبي مخنف.

إغلاق