أعلام وشخصيات

مؤذن الرسول والوفاء لمقام الولاية (الجزء الأول)

هو بلال هكذا سمّاه أبوه رباح.....

بقلم: السيد محمود الغريفي

 

التعريف بمؤذن الرسول (ص):

هو بلال هكذا سمّاه أبوه رباح، وقيل رياح.

واسم أمه «حمامه» وكانت أمه عند قوم يدعون بني جمح، كما كان الأب رباح خادماً لأميّة بن خلف، أحد أشراف مكة وأغنيائها.

وكانت ولادته في السنة العاشرة بعد عام الفيل.

وكُنّي بـ«أبو عبدالله» بالإضافة إلى كنيتين أخريين هما: «أبو عمرو» و«أبو عبد الكريم»، وقد ذكر البعض الكنية الأولى كالآتي: «أبو عمر» وهو ليس بصحيح.

أمّا موطنه الأصلي فكان الحبشة لذا كان يلقب ببلال الحبشي. وتعدد وصفه بما يلي على مراحل من حياته: كان حبشياً، فاحماً أسحم اللون، مهزولاً، ذا شعرٍ كثيف، خفيف العارضين(1).

وفي وصفٍ آخر: كان شديد السمرة، نحيفاً، مديد القامة، خفيف العارضين، له شعر كثيف، متواضعاً(2) .

طفولته:

لأنّ أمّه كانت أمة عند بني جمح لذا فقد استرقّ هو أيضاً عندهم، وبقي يخدم لديهم حتى سن السابعة من عمره إذ توفي والده فاقتضى العرف الجاهلي أن يرث أميّة كلّ شيء يختص بالأب «رباح» ومنها الأرواح «حمامه» و«بلال».

أخذ أميّة بلالاً وأمّه كي يعملا خدماً بالعبودية والملكية لديه. وكان وفياً للبيت الذي يخدم فيه. وكلّما كان يكبر بلال كان يقوى جسمه ويشتدّ عوده وتكون له القدرة على القيام بأعمال أكثر مشقّة. ومن وفائه للبيت الذي يخدم فيه أنّه لم يفارق سيّده أميّة حتى عُرف بظلِّه، لأنهّ كان يتبعه كظلِّه.

كيف كان يتعامل أمية مع بلال:

كان أميّة معجباً بخادمه بلال، وكلما مرَّ الوقت زاد هذا الإعجاب، لأنّه كان يكتشف فيه خصالاً قلّما توجد في العبيد، أهمّها: الإخلاص، والنزاهة، والصدق، والطاعة. لذا فقد اكتسب الثقة ونال الرضا.

وكان أميّة يؤثر بلالاً على سائر العبيد والأرقاء. وعندما أصبح بلال رجلاً اعتمده أميّة مندوباً عنه على قافلة تجارية تتجه نحو الشام، وأمره أن يتوجه إلى الكعبة قبل تحرك القافلة ليتعبد الأصنام ويطلب منها البركة.

بلال عند الأصنام:

وحسب الأمر توجه بلال نحو الآلهة (الأصنام) ولكنّه هذه المرّة وقف وقفة تأمُّل وتفكُّر… وتساءل: ما قيمة هذه الحجارة التي لا نفع لها ولا ضرّ؟

وكان حولها جمع غفير من الناس الذين يتعبّدون بصدق ويبتهلون إلى تلك الحجارة  بقضاء الحوائج… استحقر بلال هؤلاء الناس على ما يفعلون وترك المكان متجهاً إلى القافلة… ولكن السؤال ما زال قائماً، أحقاً هذه الأحجار هي الآلهة؟

بداية الهداية:

ولما وصل بلال بالقافلة إلى بلاد الشام أكمل التجارة، أخذ بالعودة إلى مكة، وفي طريق العودة وبالتحديد في منطقة «حوران» الواقعة بين الشام والحجاز، وأثناء استراحة القافلة، أخذت بلالاً غفوة من التعب رأى اثناءها حلماً أيقظه ودفعه نحو راهب صالح في تلك المنطقة لكي يفسِّره له. وكان تفسير الراهب كالآتي:

إنّه قد اقترب زمان ظهور نبي يكون خاتم أنبياء الله الكريم وسيظهر بين العرب فبشرى لهم.

حديث محمد:

وعندما ظهر محمد (ص) بالرسالة الإسلامية خاتمة الأديان سمع بلال اسم محمد (ص) ودينه في مجالس أسياده حيث يجلسون ويحكون الأخبار ويسخرون من هذا الدين الجديد إلّا أنَّ بلالاً كان يرى بأنَّ هذا هو الدين المنقذ… وهي النبوءة التي حدَّثه بها الراهب الصالح عندما كان في سفر التجارة.

وإنَّ أول مرة يسمع فيها بلال اسم محمد (ص) ودعوته إلى الإسلام كانت في مجالس أميّة وليس كما قيل بأنَّ أبا بكر هو الذي بشَّره وهذا ما أكَّده حتى كُتَّاب العامة مثل خالد محمد الخالد في (ص١٥٠) من كتابه رجال حول الرسول (ص)، والسحيباني في (ص ٢٩٧) من كتابه صور من سير الصحابة، والسيد الجميلي في كتابه صحابة النبي (ص) (ص٥٧) وآخرون.

بلال في مواجهة أسياده:

قام البعض بالوشاية إلى أميّة عن أمر بلال وقالوا له: إنَّ بلالاً يتردد إلى بيت محمد (ص)… لم يتحمل أميّة هذا الكلام وبسرعة دخل إلى غرفة بلال التي اختصه بها من دون سائر العبيد، فوجد أميّة بلالاً يقرأ القرآن فزاد غضبه.

واجه أميّة بلالاً بما سمعه وبلغة الإهانة قال له: أيها العبد الوضيع… يا ابن السوداء، أحقاً ما بلغني عنك أنّك اتّبعت ديناً جديداً؟ ثم دار نقاش طويل بينهما أسفر عن أن يلطم أميّة بلالاً على وجهه ويطلب منه أن يتخلى عن دين محمد ويعود إلى دين الآلهة. رفض بلال باستحقار هذا الطلب.

مرحلة الترغيب:

ولأنّ بلالاً كان معتمد أميّة وثقته وصاحب صفات حميدة قلّما تتوافر في غيره، فقد أرادوا في البداية أن يجعلوه يترك دين محمد (ص) بالكلام اللين.

في البداية قال له أميّة، قلْ كما نقول.

أجابه بلال: إنَّ لساني لا يحسنه.

قال أميّة: قل كلمات خيرٍ في آلهتنا، قل ربي اللات والعزة، لنذرك وشأنك…

فقال بلال: أحدٌ أحد…

أمّا أبو جهل، فقال أمام بلال لأميّة: خل عنك يا أمية، واللات لن يعذب بلالاً بعد اليوم، إنّه منا وأمّه جاريتنا، وإنّه لن يرضى أن يجعلنا بإسلامه حديث قريش وسخريتها. وبلال أمام هذا المكر لم يقل إلا: أحد أحد.

ما لقيه بلال من العذاب:

عندما تصلّب بلال في موقفه ورفض طلب سيّده الذي ما اعتاد على سماع كلمة الرفض، بدأ بالنيل من بلال.

التعذيب الأول:

ربط في عنق بلال حبلاً، وأمر الصبيان أن يجرّوه في أحياء مكة ويرموه بالحجارة، ثم يلقوه على الرمال المحرقة في بطحاء مكة وفي حرِّ الظهيرة. وفعل الصبيان ذلك وكان أميّة يرافقهم لكي يراهم كيف يسخرون منه، وهو يقول لبلال: ألا ترجع عن دين محمد أيّها العبد الذليل … أنت ذليل ومحمد مرتاح في بيته.

فما كان جواب بلال بعد كل هذا العذاب والنكال إلا كلمة واحدة كررها عدة مرات، وهي: أحدٌ، أحد… وهو بها يعلن ثباته على دين محمد. احتار أميّة من صبر بلال، بعد أن كرَّر معه تلك الطريقة من التعذيب وكان الجواب هو الجواب.

التعذيب الأخير:

ولما احتار أميّة من صمود بلال، تشاور مع رجالات قريش منهم أبو جهل وأبو لهب وبقيّة الأشراف، فقال له أبو جهل: أترك لي بلالاً وسأردُّه عن هذا الدين، واستجاب أميّة فترك الأمر لأبي جهل، الذي قال: سترى غداً يا أميّة ما أفعل به.

وفي اليوم التالي أمر أبو جهل عبيد أمية بأن يخرجوا له بلالاً مقيّداً بسلاسل الحديد، شبه عارٍ، ويطرحوه أمامه على الرمال المحرقة، وكان حينها جائعاً ظمآناً، ثم أمر أربعة من العبيد أن يحملوا صخرة كبيرة ويضعوها على صدره ظناً منه أنَّ هذا يغيّر دين بلال. إلا أنَّ بلال لم يقل غير الذي قاله في جواب وسيلة التعذيب السابقة: أحدٌ… أحدٌ… أحد…

وعندها سخر أمية من أبي جهل. هذا الصمود يحتاج منا إلى وقفة إكبار.

خيار قتل بلال والإنقاذ الإلهي:

قرر أبو جهل أن يقتل بلالاً ليكون عبرةً لبقية العبيد فلا يتمردون على دين قريش. إلا أن أشراف مكة اعتبروا هذا الفعل عاراً عليهم إذ لم يستطيعوا ثني عبد عن الدين الجديد الذي اتبعه، فقرّروا مواصلة تعذيبه بالوسائل المختلفة فإمّا أن يرجع إلى دين الآلهة أو أن يموت من العذاب. عندها بعث النبي (ص) أبا بكر الذي تربطه العلاقة الوثيقة مع معذبي بلال، كي يشتريه من عندهم ويعتقه لوجه الله.

ومرّ أبو بكر على القوم وهم يمتّعون نظرهم بأوجاع بلال، فيعرض عليهم عرض رسول الله (ص) دون أن يذكر اسمه، فيتشاور القوم فيما بينهم حول الطلب فيجيبوهم بعد المشاورة، ويقول أميّة للوسيط، لو أبيت أن تشتريه إلا بأوقية واحدة لبعتكه بها. فيرد الوسيط: والله لو أبيتم أنتم إلا مئة أوقية لدفعتها.

حلم الحرية:

ساءت صورة العبودية أو الرقية لهذا البرعم الناشئ وتاق إلى نقيضها (الحرية) فأصبحت هاجس مستقبله. في سن السابعة حيث كانت رحلة والده إلى الدار الآخرة، كان هناك بصيص أمل بأن ينال ما كان يحلم به إلا أنه وللأسف اقتضى العرف الجاهلي أن يبقى في دنيا العبودية للبشر الذين هم مثله وربما يكون أفضل من الكثير منهم. لم ييأس.. فالحلم (الحقيقة) وليس الوهم لا يومك أن يتبدد بهذه السرعة، وتأمل في اللحظة الأخرى التي قد يفرضها القدر.

وها هو الآن يتحقق حلم الحرية ومنذ تلك اللحظة قرر بلال أن يهب نفسه لخدمة النبي (ص) وأن لا يفارقه حيث حل أو ارتحل.

بلال مع الرسول (ص):

اتفقت كلمة الجميع على أن بلالاً لازم الرسول (ص) منذ أن أسلم حتى رحل إلى الرفيق الأعلى. أخذ يتعلم من الرسول ويعلم الناس، وتحمل مع الرسول كل آلام القوم، حتى كان معه في شعب أبي طالب عندما حاصرهم المشركون لكي يثنوهم عن الرسالة.

وعندما قرر الرسول (ص) الهجرة إلى المدينة أمره (ص) أن يسبقه إلى المدينة.

وعندما تقرر بناء أول مسجد في الإسلام شارك بلال الرسول (ص) في عملية البناء .

وصحب الرسول (ص) في كل الغزوات وبلا استثناء.

ومن شدّة حبّه للرسول (ص) فإنّه لم يستطع أن ينام ليلة رحيله (ص) وفي فجر ليلة الرحيل خرج كعادته لكي يؤذن.. حتى وصل إلى (أشهد أنّ محمداً رسول الله…) عندها احتبست الكلمات في فيه، ولم يعد يتمالك نفسه فأخذت الدموع تنهمر من عينيه انهماراً.. وتبلّل خدّاه، وسمع الناس انقطاع الأذان وبكاء بلال فبكوا في المسجد(3).

ولما دفن (ص) خرج بلال إلى المسجد وجلس في ناحية معتزلاً الناس حزيناً باكياً شارد الفكر، وحان وقت الأذان فلم يؤذن، وقيل له: الأذان يا بلال.. فقال والدموع في عينيه: لن أؤذن بعد اليوم فليؤذن غيري.

حب الرسول (ص)  لبلال :

أما الرسول (ص) فكان دائم السؤال عن بلال حينما يغيب عنه، ودائماً يذكره بالخير، حتى أنّه جاء مرة بعض المسلمين إلى النبي (ص) يستأذنه في أن يزوّج إحدى بناتهم إلى رجل عربي سموه فقال لهم: «أين أنتم من رجل من أهل الجنة.. أين أنتم من بلال».

وكان (ص) يخص بلالاً بالجلوس وقتاً طويلاً .. وقد جعل (ص) هذا العبد الحبشي أستاذاً للبشرية كلّها في فن احترام الضمير كما يقول الكاتب خالد محمد خالد.

بلال مولى رسول الله (ص):

ذكر حشوية العامة بأن بلالاً كان مولى أبي بكر لأنّه الذي أعتقه، ودافع عن ذلك الجاحظ في الرسالة العثمانية، إلا أن الإسكافي وهو أحد أبرز محققيهم رد على هذا القول في (نقض العثمانية) قائلاً إنَّ رسول الله (ص) هو الذي أعتقه. كما أن الواقدي وابن إسحاق وغيرهما رووا ذلك(4). كما ردَّ على الجاحظ السيد جمال الدين بن طاووس بقوله: (إنَّ هذا ما لم يثبت برهانه)(5).

دور بلال في نصر الرسالة:

لقد لقي بلال أشدّ البلاء وأشدّ الأذى في سبيل الله تعالى وفي سبيل الرسالة. فشارك في بدر، وأُحد، وساهم في حفر الخندق يوم تحزب الكفار عليهم، وساهم مع النبي (ص) في الاقتصاص من بني قريظة لنقضهم العهد، وحارب بني المصطلق من خزاعة، وكان مع النبي (ص) في فتح مكة حيث أمره (ص) بأن يصعد على الكعبة ليؤذن..

بلال في معركة بدر:

شارك بلال في كل الغزوات التي أمر بها الرسول الأكرم (ص) وأولى هذه الغزوات بدر.. فكان مستبسلاً بالقتال حتى التقى مع أمية… الذي لم يكن ليخرج إلى القتال لولا أنَّ عيّره عقبة بن أبي معيط، وهو نفسه الذي شجعه على تعذيب بلال.

عندما رأى بلال أمية صاح به: (رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا…) فخاف أمية وأراد أن يحتال، فرأى عبد الرحمن بن عوف الذي كان يقاتل مع المسلمين، فأسرع إليه وطلب منه أن يكون أسيره حتى ينجو من بلال.

لم يقبل بلال بهذه الحيلة، وقال: (أسير والحرب مشبوبة ودائرة، أسير وسيفه يقطر دماً مما كان يصنع قبل لحظة في أجساد المسلمين)، وهوى إليه وقتله، ووقف على جثته وهو يرفع عينيه إلى السماء صارخاً من القلب: (أحدٌ.. أحدٌ.. أحد).


المصادر:

(1) هذا ما ذكره السيد الجميلي في كتابه «صحابة النبي (ص)».

(2) ذكره السحيباني في صور من سير الصحابة، ص ٢٩٧.

(3) رجال مبشرون بالجنة: ص٣١٠.

(4) قاموس الرجال: ج 2، ص393.

(5) بناء المقالة الفاطمية: ص 85.

إغلاق