أحيوا أمرنا

نسيجٌ من ضياء

لم تنزل من لدن حكيمٍ خبير لتؤكد لنا عصمة أولئك المطهرين الأطهار....

بقلم: رجاء محمد بيطار
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا  [الأحزاب: 33].

…هي آية التطهير

… لم تنزل من لدن حكيمٍ خبير لتؤكد لنا عصمة أولئك المطهرين الأطهار، بل لتطهر قلوبنا بمعرفة حقيقتهم وإدراك قيمتهم التي لا تدانيها قيمة مخلوق!

ولئن كانت الآية لنا نبراساً وبداية، فلعل في رواية نزولها يكمن جوهر الحكاية، فبين جنبات ذلك البيت المطهّر المصفى، وخلف ذاك الباب الذي قرعته مراراً يد المصطفى، ومن تحت ذاك الكساء اليماني الذي به النبي تغطى، أشرقت أنوارٌ ما عرف لها البشر مثالاً ليعطى.

ومع حديث سيدة نساء العالمين تبدأ قصةٌ لا تنتهي من الحنان والحنين.

هو النبي يدخل منزل بضعته، صومعة عشقه ووطن غربته، … يناديها بأعذب لغته ونبرته، وكيف لا يفعل وهي من سماها لشدة حبه لها بأم أبيها؟!

ها هو يسلم عليها باسمها، أحلى ما نطق به خير الآباء لخير البنات:  «السلام عليك يا فاطمة».

وتجيبه بنبضها الذي من حبه يقتات، تناديه بلفظ الأبوة والنبوة، وتقرنهما ببسمتها العطوفة التي تمتزج فيها البنوة بالقوة:

«وعليك السلام يا أبتاه يا رسول الله».

وتأتيه بذاك الكساء الأنفس، بعدما يشكو لها من ضعفٍ ينتاب بدنه المقدس، فتغطيه به وما غطته إلا بأهدابها، وما التفّ على جسمه المطهر إلا حنوّ حبابها، … وراحت ترنو إليه بكلّها وكمالها، فترى وجهه المتلألئ بطهر كماله يتسامى بين ناظرها وخيالها.

وتمضي ساعة، أو ربما هي هنيهة، ولكن الزمن في حكم القلب يُحتسب طولاً وقصراً بعدد الخفقات… ويطلّ وجه حبيبٍ آخر.

إنّه بكرها الحسن، أول مولودٍ لأكرم والدين، لم يخلق قبله ولا بعده مثله، سوى أخوه الحسين.

ويلقي الطفل ذو السنوات البضع على أمه السلام متوّجاً بنداء الأمومة: «السلام عليك يا أماه».

فإذا جِرْس صوته يعزف على أوتار فؤادها، وإذا أهدابها التي التفّت قبل  لحظاتٍ على حبيبها الأول، تنفتح مع الخفقات برقة ولين، وإذا هي حبيبَها الثاني تضم، وتهتف بحنانها الذي ليس كمثله حنان أم: «وعليك السلام يا قرّة عيني وثمرة فؤادي».

ويشوّقه ردها ويستحثّ جوهره الملكوتي نداؤها، ويعلم بطفولته الغضة الفذة التي لا تشبه طفولة الأطفال، أن في الدار جنة فَوحٍ وينبوع طيب، قد عبق في أرجائها بأكثر مما كان مع وجودها الحبيب، ويسألها عن السبب وهو يجيب:

«كأنّها رائحة جدي رسول الله»!

ويزداد شوقه مع الرد، فالعبق قد تزايد عن الحد، ويندفع نحو أغلى وأكرم جد.

ولكن القلب الملهوف لا ينسى أدب السلام، ويبتدر الحسن جده بأعذب كلام، ويستأذنه في أن يكون معه تحت ذاك الكساء.

ويردّ المصطفى، ولعله كان لحديث ابنته وابنها قد أصغى، ولمودة حوارهما قد ابتغى، فيجيبه بما يسِمه به من وسام، ويسلمه بجوابه حوضَه يوم الزحام: «وعليك السلام يا ولدي وصاحب حوضي قد أذنت لك».

ويحتلّ أول السبطين جوار جده ويجلس هانئاً بحذائه، ويتدثر بحنو فؤاده كما بكسائه.

وتمر هنيهاتٌ أخريات، يعدّها خفق فؤاد خير الأمهات ساعات، بل لعل الهنيهة كانت أقصر من سابقتها، فالمقبل الآن هو ثاني ورود روضتها، …هو الحسين الذي لم يكن لأخيه الحسن بمفارق، ولكن لعلهما قصدا الدار بين سابقٍ ولاحق، والحسين ما كان ليتقدم أخاه الأكبر، فوصل الحسن قبله إلى حضنها المطهر.

ويسلم الحسين على أمّه بتغريدة دونها تغاريد الأطيار، سلاماً ما فتئ يلقيه عليها وعليه كل من عرف جده المختار، فأحبها وأحبه، وعشق دربها ودربه، منذ ذلك الحين حتى يلقى كل موالٍ ربَّه.

وتردّ السلام، ولعلها تضم بين ذراعيها وجفنيها الغلام، ولعله يستكين لحضنها إذ تدلـله قائلة: «وعليك السلام يا ولدي وقرة عيني وثمرة فؤادي».

ثم إن عبير الجنة يدعوه، وهو أصلاً يضمه، بل هو نفسه،  فهو أمه وأبوه، …ولكن ينبوع الرحمة الإلهية هناك، منضوٍ تحت الكساء، وبقربه شقيق روحه وبلسم جروحه، فينفلت من جنةٍ إلى جنة، وهو ليس إلا جنةً في جنة، ويدنو من الكساء اليماني، ويتأدب كما هو أهل لكل أدب، ويلقي على جده السلام بما يناسب ذاك المقام: «السلام عليك يا من اختاره الله».

طفلٌ لم يجاوز الخامسة، يحسن انتقاء اللفظة، ويواكب مسيرة المختار لحظةً بلحظة، … لا غرابة ولا عجب، فهو الحسين أخو الحسن، وابن خير جدٍّ وأم وأب.

وتفترّ ثنايا الحبيب عن بسمة الترحيب، ويدعو سبطه الثاني إلى روضه النجيب، ويجيبه بما هو أهل له أن يجيب:

«وعليك السلام يا ولدي وشافع أمتي».

… رباه، أهو وسام الشفاعة ووجوب الطاعة؟!… أهو حقاً ما تسمعه قلوبنا الساعة؟!

وأي عجبٍ في هذا وهو سيد الشهداء، أبو الأئمة الأصفياء، وابن خير الأمهات والآباء؟!

وينضم الحبيب إلى حبيبه، يلتفّ بأهداب جده وعينيه، ويهنأ بقربه وقرب أخيه الذي لم يكن ليبتعد عنه لحظةً إلا ليعود إليه.

… وهنا يقبل أبو الحسنين، فتتهلل الزهراء ويزهر خد الريحانتين، ويلقي الرضيّ السلام على المرضيّة، ويناديها بأحلى صيغةٍ وتحية: «السلام عليك يا بنت رسول الله».

وترد عليه، بتحية تفوقها أو تدانيها، كما جاء في وحي الله المنزّل على أبيها: “وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ” [النساء: 86]، وترد بقولها: «وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين!»

… هما صيغتان، لا ريب أنهما خير ما تخاطب به اثنان، فهي تدعوه بأحلى كنية، ثم تضيف إليها انضواءها تحت جناحه، زوجاً وأميراً للمؤمنين رغم أنف كل المعاندين.

ويرد المرتضى، يناديها باسمها مفرداً، … هي فاطمة، من فُطم الخلق عن معرفتها، وفُطم محبوها عن النار، إنه حقاً لخير ردٍّ على ذلك الرد، وخير اعترافٍ وتعريفٍ بفضائلها التي لا تُعد.

ويسألها عن سر ذلك الألق الخفي البديّ، الذي زادت به الدار على ألقها وأرجها، حتى توهجت بين البروج في برجها، … فإذا هو نور النبي.

ويقبل سيد الوصيين ليسلّم على سيد المرسلين، أي نورٍ هذا الذي غمر المكان والزمان، حتى غدا لا يدانيه نورٌ في عليين؟! … وأي أدبٍ هذا الذي لا يماثله أدبٌ في العالمين؟!…

ويرد المصطفى على المرتضى، ويُشهِد الكون كله على ما قضى، مما سيأتي ومما انقضى: «وعليك السلام يا أخي ووصيي وصاحب لوائي، قد اذنت لك».

…وتنفرج خيوط الكساء وسجوفه متهللة مستبشرة، أن قد لامس أطرافه سيد الورى ثم التالي له في كل فضل ومأثرة…

ويهنأ الحسنان بقرب أبويهما المختار والكرار، فما بينهما كالحدقتين من العينين، تحتار أيهما تختار.

وتقبل سيدة النساء، تنظر بملء فؤادها نحو الكساء، ترى كل ما منّ به الله عليها وعلى الكون من عطاء، ما بين «ميمٍ» دالها بحر، و«عينٍ» لامها قَطر، «وحاءٍ» و«حاء» يتوه في حسنهما السناء، كل هذا وأكثر، مما لا يستوعبه الفكر مهما تدبّر، منضوٍ بقدرة القادر الأكبر، تحت ذاك الكساء المطهّر.

وتهتف فاطمة مخاطبة أباها، بكل ما في كيانها من ولاءٍ عليه رباها، ولاء تشهد له الأرض وتطأطئ السماء، وتسلّم عليه وتسأله الإذن في أن تكون معهم تحت الكساء.

والكساء، ليس وبراً أو خيوطاً من جماد، ليس غطاءً كأي غطاء، وليس شيئاً كسائر الأشياء، بل هو نسيج منسجمٌ من ضياء، يـتألق بين سندس الجنة وحريرها واستبرقها في قمة الازدهاء، وكيف لا يفعل وقد اجتمع تحته خيرة بني البشر، ممن مضى ومن حضر، وهو بعدما كان جماداً، قد غدا للكون سراجاً وقّاداً، وللتاريخ مداداً، ولكل من أسغبه طلب الحق زاداً، وقيامةً ومعاداً.

وتكتمل حلقة النور باتصالها، وينظر الهادي إليها في كمالها، ويردّ على سلامها وسؤالها: «وعليك السلام يا بنتي ويا بضعتي، قد أذنت لك»

ويرتج علينا فهم الجواب على بساطته، فكل إذن من النبي لصفوته وأحبابه، هو توثيقٌ منه لحقوقهم في حضرته وغربته، في حساب ربهم وحسابه، أما هنا فهو يختصر مكانة الصدّيقة الزهراء من القدر والرفعة، فيناديها بالابنة والبضعة،…

وفي اللغة نجد «البضعة» جزءاً من «الكل»، ولكن… ترى، أي جزءٍ هي الزهراء من ذلك الكلّ الأعظم؟! …

أهي عينه التي يبصر بها دربه؟!… أم هي يده التي يصافح بها ربّه، أم هي قلبه الذي يخفق بين جنبيه مترجماً للباري حبَّه؟!

هي بضعته إذاً، بل هي كله، من أرضاها أرضاه ومن آذاها آذاه، وفي أذاه أو رضاه سخط أو رضا الله.

وإذ تكتمل تحت الكساء كل المعاني المقدسة، وتشرق شموس أولئك الصفوة الخمسة، يأخذ المصطفى بطرَفه، ويرنو نحو السماء بطرْفه…

لا ريب أن قلبه إذ ذاك يخشع، وهو الخاشع أبداً، ولا بد أن عينه تدمع، والدمع ما زال فيها سهِداً، ويخاطب ربه شاهداً على ما رفع من قدر آله، حامداً له على كل خصاله،، داعياً بملء كمالهم وكماله، يصفهم بأبلغ صفة، ويعرّف القلوب بهم حتى لا تضيع المعرفة: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وخاصتي وحامتي، لحمهم لحمي، ودمهم دمي…»

مولاي يا رسول الله، … في دعائك غُصةٌ وفي عينك غُصة، … كيف لا، وقد أُبلغتَ أنهم يتجرّعون الظلم بعدك غصةً غصة، … ولكنك تخاطب مولاك لتنصّ على فضلهم نصاً، وتجعلَ ولاءنا لهم انتهازاً لتلك الفرصة، فهم وأنت واحد.

وقد قلتَ قولك فيهم قبلاً وبعداً ولم تزايد، «يؤلمني ما يؤلمهم ويحزنني ما يحزنهم»، وما ألمك وحزنك إلا في عين الله، فحقّ لك أن تكون حرباً لمن حاربهم وسلماً لمن سالمهم، وأنت الذي «ما أوذي نبي كما أوذيت.»..

رباه، … وهل فوق هذه الكلمات دليل، على أن درب أهل البيت هو الدرب الأصيل الذي ليس له مثيل، وأنهم هم الإسلام أصله وفرعه، ودينه وشرعه، وقلبه وعينه وجنينه وضلعه؟!

وتنتقل الرواية لتحلّق في سماء اللانهاية، ولتنقل إلينا بعض ما أحاط به علم أهل الولاية، … فإذا العزيز الكريم يخاطب ملائكة وحيه، ويشهدهم على أمره ونهيه، وعلى سر خلقه وهديه، بأن هؤلاء الخمسة هم سر الأسرار، وأن محبتهم بئرٌ ما له قرار، لا يدرك غوره إلا من سبر الأغوار، وكان له من الله نورٌ في قلبه يتحسس به تلك الأنوار.

ويستمع جبريل، والملائكة تترقب الوحي والتنزيل، ويصغون لما يخاطبهم به الرب الجليل، … أن هؤلاء هم سر الخلق والدليل، لهم وبهم، و بمودتهم وحبهم كان المكنون وصار الكون… ويرتفع التسبيح والتهليل، ويستأذن جبريل رب العزة بالنزول إلى آل الرسول، ليبلّغهم التحية الأبدية الأزلية، ويرتوي بطلّ طلاتهم البهية، ويمسح جناحه الخافق بعشقهم متيمماً بتراب أقدامهم، متوضأً بوهج ذاك النور العابق بين سلامهم وكلامهم.

ويعلق وجدانه الملائكي النابض بحبهم وولائهم، وهو الذي عايش كل لحظات التاريخ البشري، وعاين كل حركات وسكنات الأنبياء والأولياء والمرسلين، منذ آدم إلى ذلك الحين، وها هو يتعلق اليوم مستمسكاً بخيطٍ من خيوط كسائهم.

وينفرج قلب المصطفى ليستقبل رد المولى على دعائه، ويتراءى له جبريل بإزائه، حاملاً له باقات نور من فسيح سمائه، … «العلي الأعلى يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام»، ويكلل صبره وصبر آله العظام بعطائه،… ويطاطئ سيد الملائكة رأسه متذللاً ويسأله الإذن بالدخول تحت كسائه.

أي كرامةٍ هذه ، قد حبا بها الله هذا العبد الجليل، فجعله سادساً لسادة الخلق أجمعين، وتوّجه بوسامٍ ما توّج به أحداً من بني جنسه، وضمه إلى الثلة المصطفاة من الأنوار التي اصطفاها لنفسه… وهو مع هذا يسأل رسول الله الإذن بالدخول في حرم قدسه!

هو أديب الملائكة يقتدي بأدباء البشر، ويستظل بفيء نورهم الذي انتشر، وينتظر.

ويشير له النبي الخاتم بالدخول، وتكتمل بفرع محبته تلك الأصول.

… ويقطف جبريل ثمار صبره السرمدي، وطاعته التي خلّدها بعبادته الحقّة لرب الأرباب، ويرتفع صوته مجلجلاً بعد الجواب، ولو أُذن للبشر جميعاً لسمعوا ووعَوا ذاك الخطاب، ولعرفوا كل ما غاب، ولأدركوا دونما شكٍ منهم أو ارتياب، أن هؤلاء حقاً هم أهل البيت دون سائر الأعراب: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا  [الأحزاب: 33].

وتكتمل بتلك الآية سورة الأحزاب، وينهزم أمام دفق نورها الأحزاب.

ولكن، مع غياب البدر دونما غياب، وانكسار الضلع خلف الباب، وإسقاط   الجنين على التراب، وضربةٍ تدكدك من هولها المحراب، وكبدٍ فراها حر السم بعد  الشراب، ورأس رفعته أيدي الطغاة فوق الحراب، … لم يصمت جبريل، … لم يزل يجول بجنده بين السماء والأرض في نحيبٍ وعويل، يَشْتَمّ عبير الكساء العابق بجناحه، ويرتل آية التطهير مع كل آهةٍ من آهات نواحه، وينتظر ذاك النور المقبل من جانب الطور، عساه يلتف ثانيةً بوشاحه، ويسير في ركابه مشتمّاً في روحه روح آبائه، وينفخ النصرمشبوباً في قلوع لوائه، فتجري سفينة النجاة بأهلها وقد نشرت شراع كفاحه، وعبق الفرج المرصود بكل بروقه ورعوده ورياحه، ونسيمه وأغاريده وتراتيل صداحه، منذ بزوغ فجر الحق حتى شروق صباحه.

إغلاق