الاستطلاع

المزارات الدينية في البقاع اللبناني (الجزء الثاني)

إستطلاع 223-224

من إعداد جمعية قبس لحفظ الآثار الدينية في لبنان

 

لقد عرضنا في الإستطلاع الأول أهم المعالم الدينية في البقاع اللبناني التي تعطي ميزة إضافية لتلك المنطقة والتي تُضفي عليها عطراً روحياً يسلك بالزائر نحو السماء، وسنُتابع بإلقاء الضوء على الأماكن الدينية في تلك المنطقة من خلال هذا الإستطلاع، حيث نأمل أن ينال إعجاب القارئ ويكون دليلاً سياحياً دينياً له.

 

مقام البطحاء ابنة أبي الغضب

 ــ بلدة سرعين الفوقا ــ

موقعه:
البطحاء بنت ابي الغضب 2

يقع مقام البطحاء «عتيقة الامام علي (ع)» على تلّة منبسطة في بلدة سرعين الفوقا، التابعة لمحافظة بعلبك الهرمل، قضاء بعلبك، وتبعد عن العاصمة بيروت حوالي ٧٠ كلم، وعن مركز القضاء حوالي ١٧ كلم، وتُحيط بها بلدات: النبي شيث شرقاً، وسهل بدنايل غرباً، وحوش الرافقة شمالاً، وعلي النهري جنوباً. أصل الإسم إمّا تصحيف Zorin وتعني مزارعون، أو اسم مركّب من «سر» أي الأمير، و«عين» أي النبع، فيكون المعنى أمير العيون. وهي بلدة قديمة، ورَد ذِكرها في وقفية النبي شيث (ع) المؤرّخة في ٦ ذو القعدة سنة ٥١٨هـ، وكانت مع بلدة كرك نوح من أهمّ بلاد بعلبك، ومسكناً للأمراء من آل حرفوش.

صاحبة المقام:

ينسب أهالي البلدة والجوار المقام لامرأة تدعى «البطحاء بنت أبي الغضب»، ويقولون أنّها عتيقة الإمام علي (ع) في مسجد الكوفة، وبأنّها قصدت الإمام علي (ع) لحلّ معضلة ألمّت بها، وبأنّها عادت إلى بلدتهم وماتت فيها، فمن هي البطحاء هذه؟ وما اسم بلدتها الحقيقية؟ وما الذي أوصلها إلى بلاد بعلبك؟ وهل لها علاقة بمرور الركب الحسيني في لبنان؟

ذكر المحدّث محمد بن جرير الطبري الإمامي في رواية مسندة إلى الصحابي الجليل عمّار بن ياسر (رض)، وكان شاهداً عليها في دكَّة القضاء بمسجد الكوفة في ١٧ صفر سنة ٣٦ هـ، بأنّه سمع جلبة ملأت المسامع، فقال له أمير المؤمنين : ائتِ بذي الفقار، هذا يوم اكشف فيه لأهل الكوفة جميعاً الغمّة، ائتِ بمن على الباب.

فخرج عمّار وإذا بالباب امرأة من أهل الشام على جمل، وحولها ألف فارس بسيوف مسلولة، قوم معها وقوم عليها، فدخلوا المسجد ووقفت المرأة بين يدي الامم وقالت: يا علي، إياّك قصدت، فاكشف ما بي من غمةّ، إنَّك وليّ ذلك والقادر عليه.

فنودي في الكوفة، واجتمع الناس في مسجدها، ثم توجّه الإمام لوالد الفتاة مستوضحاً عن سبب مجيئهم إليه، فخاطبه والدها قائلاً: السلام عليك يا ملجأ اللّهفى، يا مولاي هذه الجارية ابنتي وما قرّبتها ببعل قط وهي عاتق حامل وقد فضحتني في عشيرتي.

فقال أمير المؤمنين (ع): «ما تقولين يا جارية؟».

فقالت: أمّا ما يقول أبي إنّي عاتق فقد صدق، و أمّا ما يقول إنّي حامل، فوالله ما أعلم من نفسي خيانة يا  أمير المؤمنين، أنت وصيّ رسول الله (ص) ووارثه، ففرِّج عنّي غمّي.

فاستدعى الإمام داية الكوفة وتُدعى حولاء، وطلب منها أن تنظر بأمرها، فقالت له : يا أمير المؤمنين عاتق حامل. فقال الإمام لوالد الفتاة:  يا أبا الغضب المقطب، ألست أنت من أعمال دمشق، من قرية يقال لها أسعار على طريق بانياس الحولة؟ قال: نعم.

فاستخدم الإمام بعضاً مماّ خصّه الله به، وطلب من الدّاية أن تضع مادّة على بطن الفتاة، فوقعت علقة كبيرة، فجاءت الدّاية ووضعت العلقة بين يديه (ع). فخاطب الإمام والد الفتاة قائلاً: يا أبا الغضب ابنتك ما زنت، وإنّما دخلت الموضع فدخلت فيها هذه العلقة فربت في بطنها. فنهض أبوها وأخذ يشهد بعظمة الإمام وعاد إلى أسعار مع قومه وعرفت ابنته «بعتيقة الامام علي (ع)».

وبعد مرور أكثر من ١٤٠٠ سنة على هذه الحادثة في مسجد الكوفة، فإنَّ دكَّة القضاء، وبيت الطشت لا زالا قائمان كشاهدين يزاران للتبرُّك وتصلى عندهما ركعتان قربة إلى الله تعالى.

فإذا كانت عتيقة الامام علي (ع) من بلدة أسعار في الجولان على طريق بانياس الحولة، فما هو سرّ المقام والضريح المنسوبين إليها في بلدة سرعين البقاعية؟ وما الذي جاء بها الى هذه البلدة البعيدة عن أسعار والكوفة على حدّ سواء؟

ذكر الطبري الإمامي في رواية ثانية تتحدّث عن فتاة أسعار وبقائها مع اخوتها الأربعة في الكوفة، وبأنّهم اصبحوا من خواصّ شيعة علي (ع)، ثم الحسن (ع)، وبأنَّ إخوتها خرجوا لنصرة الإمام الحسين (ع) واستشهدوا معه في كربلاء. وهذا يدعو لاحتمال تعرّضها للسبي مع نساء آل محمد (ع)، ومرافقتها للرَّكب الحسيني في موكب الأحزان إلى الشام، ثم وفاتها على الجادة القديمة بين بعلبك ودمشق في أرض سرعين.

المقام:
البطحاء بنت ابي الغضب

كان المقام عبارة عن أطلال هدمت في عصور سابقة، وقد وُجد بالقرب منه دينار ذهبي ضرب في العصر الفاطمي، وكانوا يزورونه وينذرون له، ثم أقيمت غرفة على الأساسات القديمة للمقام، ثم جدد في التسعينات من القرن الماضي، ثم بُني مقام حديث وأنيق أخيراً يتألف من طبقتين عليه قبة وبداخله ضريح، وبجانب مئذنة.

 

وإلى الجنوب منه تظهر قبّة خضراء إلى جانب الطريق القديمة ذاتها، تعرف بـ «دعسة ناقة علي (ع)» وإلى الشرق ترتفع قمّة شاهقة تعرف بـ «قرص الدير» أو «دير القنطرة»، عليها آثار دير قديم يُرجَّح أن يكون صومعة الراهب التي لجأ إليها الرَّكب الحسيني عندما وصله خبر بأنَّ نصر الخزاعي يريد استرداد السبايا ورؤوس الشهداء.

لم نجد في أنصار الحسين (ع) إلا ثلاثة إخوة من قبيلة تغلب العدنانية ومن عرب الشمال، وهم قاسط ومقسط وكردوس أولاد عبدلله بن زهير بن الحرث التغلبي، وكانوا يسكنون الكوفة، واستشهدوا معه (ع) في الحملة الأولى، وورد ذكر قاسط وكردوس في زيارة الناحية المقدسة.

 

مقام سام بن نوح (ع)

ــ بلدة شمسطار  ــ

الموقع:

يقع المقام في بلدة شمسطار، قضاء بعلبك، محافظة بعلبك الهرمل، تبعد عن بيروت حوالى ٧١ كلم، وعن مركز القضاء حوالى ٢١ كلم.

البلدة :
سام – شمسطار

الإسم مركّب من لفظتين: shemeah أي: شمس، وtura أو tahra، وتعنيان: الجبل أو الظهيرة(1).

كانت في أواسط القرن العاشر من الهجرة تتبع ناحية كرك نوح، وعدد سكانها حوالى ٣٩٠ نسمة من الشيعة الإمامية(2).

 المقام :

يقع المقام جنوبي البلدة في المقبرة القديمة، وينسب إلى سام بن نوح (ع)، وهو عبارة عن مقام قديم جداً، بداخله عقود حجرية، وعليه قبة، وبداخله ضريح. عليه قفص من حديد فضي اللون كتب عليه: «مقام النبي سام (ع)»، وقد رُمِّم المقام حديثاً، فأصبح مقاماً جميلاً، يزوره الناس للتبرك وإيفاء النذور، وله كرامات.

 

 

مقام السيدة صفية
إبنة الامام الحسين (ع)

ــ بلدة حوش تل صفية ــ

الركب الحسيني في لبنان:

يُنقَل عن السيدة زينب (ع)، في خطبةٍ لها في الشام، تقريعَها يزيد اللعين على فعاله الشنيعة، حيث قالت: «أَمِن العدلِ يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرَك وإماءَك، وسوقك بنات رسول الله (ص) سبايا، قد هتكْت ستورَهُنّ، وأبديت وجوههُنّ تحدوا بهن الأعداء، من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل، والمناقل، ويتصفحُ وجوهَهُنّ القريب والبعيد، والدنيء والشريف، ليس معهن من رجالهن وليٌّ ولا من حماتهنّ حميّ..!!».

يشير هنا كلام السيدة زينب (ع) إلى الطريق الذي سلكه موكب السبايا، وهو الطريق الذي ذكرته كتب المؤرخين والمقاتل، وعليه شبه إجماع، حيث رسموا طريقا واضحاً لمسير الركب من مسجد الحنانة، الذي يقع شمال شرق النجف على يسار الذاهب نحو الكوفة، إلى نهاية الطريق عند مشهد رأس الإمام الحسين (ع) في دمشق .

كان لوط بن يحي «أبو مخنف» قد رسم المنازل التي سلكها الركب الحسيني ذاكراً اللبوة وبعلبك وصومعة الراهب، كأماكن في لبنان، وذكر الجغرافيون والرحّالة العرب الطريق السلطاني بين مدينة حمص ودمشق مروراً ببعلبك وما حولها، ما يدل على أن ركب السبايا، وفي عداده الإمامين زين العابدين ومحمد الباقر (ع) قد دخل إلى لبنان من ناحية حمص، والأرجح أنه سلك الطريق من جوسيه الخراب إلى بلدة المشرفة شرق الهرمل، ثم عاد إلى القاع وسلك الطريق نحو رأس بعلبك مروراً بالفاكهة فاللبوة، وهي محطة أساسية ذكرها «أبو مخنف»، وبعد الإستراحة، إتّجه الركب جنوباً ليَسلك على الأرجح طريق مقراق ـ النقرة ـ يونين ودخل بعلبك من باب نحلة، فاستقبله سكان المدينة مهلِّلين فَرحِين بقتل الخوارج، وأقام الجيش في مرجة رأس العين، يرتوي ويطلب الراحة، إلّا أنّ السيّدة زينب (ع)، كشفت حقيقة الأمر للسكان، وعرّفتهم أن القتلى هم آل بيت رسول الله (ص) فانقلب الأهالي ضد جند يزيد، وهاجموهم يريدون أخذ الرؤوس ودفنها، ولما فشلوا عبّروا عن وفائهم ببناء مسجد في الموضع الذي نصبت فيه الرؤوس، وأسموه مسجد رأس الإمام الحسين (ع). ومن هناك أكمل موكب السبايا طريقه، فخرجوا من باب بعلبك الجنوبي الذي كان يعرف بباب دمشق، وعنده مقام خولة (ع)، وليس ببعيد عنه مقام السيّدة صفية بنت الإمام الحسين (ع) في  بلدة حوش تل صفيّة.

مقام السيدة صفية بنت الإمام الحسين (ع)
البلدة:
مقام السيدة صفية ابنة الامام الحسين – حوش تل صفية

حَوْش تل صفية، قرية من قرى محافظة بعلبك ـ الهرمل تقع وسط سهل البقاع، على المسافة نفسها من السلسلتين الشرقية والغربية، تحيط بها مدينة بعلبك شرقاً، وحَوش الذهب غرباً، وبلدة إيعات شمالاً، وحَوش بردى جنوباً. تَبعد عن العاصمة بيروت قرابة ٨٥ كلم، وعن بعلبك ٥ كلم.

وصَفِيّة إسم لولية صالحة ينسبها الناس للإمام الحسين (ع)، كانت في عداد الركب الحسيني، وقد أنهكها المرض والتعب حتى وافتها المنية ودفنت في المكان الذي قضت فيه فحمل اسمها وصار يعرف بـ «حوش تل صفية».

 

المقام:
مقام السيدة صفية ابنة الامام الحسين – حوش تل صفية

كان عبارة عن كومة من الحجارة قرب عين ماء، تجمع الناس حولها فشيّدوا بيوتهم، ومع الأيام أحاطوا الضريح بجدران من الحجر والطين، وجعلوا له مدخلَين اثنَين وشباكاً من ناحية الشرق، كان الناس يضعون فيه سراجاً للإضاءة.

عام ١٩٦٥، شيّد آخرون مقاماً من الإسمنت وفيما بعد، عام ٢٠٠١، تمّ هدم البناء القديم، ليُشَيَّد مكانه مقامٌ حديث واسع من الحجر الصخري، تعلوه قبة، وإلى جانبه مئذنة، وبداخله محراب، وضريح كتب على لوحته: «صفية بنت الإمام الحسين (ع)».

يبعد المقام عن مقام السيدة خولة (ع) ٥ كلم، وعن مسجد رأس العين ٦ كلم.

صاحبة المقام:

أقدم ذكر لها كان على لسان أبيها، إذ يُروى أن الإمام الحسين (ع) نادى عياله في اليوم العاشر مودِّعاً فقال: يا أم كلثوم، يا زينب، ويا سكينة ويا رقية ويا عاتكة ويا صفية عليكن مني السلام.

وفي القرن الثاني عشر من الهجرة، قال البحراني المتوفي سنة ١١٠٧ هـ، نقلاً عن السيد السدي في حواره مع الأخنس بن زيد «لعنه الله»، أحد المشاركين في واقعة كربلاء إلى جانب الجيش الأموي أنه قال: «أنا الذي أمّرت على من أمرهم عمر بن سعد «لع» بوطء جسد الحسين (ع) بسنابك الخيل، فهشّمت أضلاعه، وجررت نطعاً من تحت علي بن الحسين وهو عليل حتى كببته على وجهه، وخرّمت أذنَي صفية بنت الحسين (ع) لقرطين كانا في أذنيها».

يتردّد على مقامها أبناء حوش تل صفية من المسلمين والمسيحيين، وأهالي البلدات المجاورة، والناس من أماكن بعيدة، للتبرُّك والزيارة وإيفاء النذورات، وحباً بأهل البيت، وإيماناً بقداستهم، ويتحدثون عن كرامات حصلت معهم تتعلق بشفاء مرضى، وقضاء حوائج وتحقق نذورات، ويؤكد أحد أبناء البلدة من الأخوة المسيحيين بأن قريبه شُفي من مرض السكري الذي كاد يقتله ببركة السيدة صفية (ع).

 

مقام النبيّ أيلا (ع) (إلياس)

ــ بلدة النبيّ أيلا ــ

الموقع:

على أعلى ربوة في السفح الشرقي لجبل صنين، وفي وسطها يتربّع مقام نبي الله إلياس، فهوت إليه أفئدة الناس، من مئات السنين وشادت حوله البيوت وسكنتها، وعمّرت بلدة حملت اسمه، فصارت تعرف «ببلدة النبي أيلا». تبعد عن العاصمة بيروت ٥٦ كلم، وعن زحلة ٥ كلم، تعلو عن سطح البحر ١٠٥٠ م، يحيط بها بساتين الكرمة وأشجار مثمرة مختلفة ألوانها.

يطل عليها جبل صنين من الغرب، ويحدها بلدة أبلح شرقاً وبلدة الفرزل جنوباً، وشمالاً قلعة نيحا.

سيرته:
مقام النبي ايلا

هو إلياس بن ياسين بن فحناص بن أليعزار ابن هارون بن عمران التشبي، والذي يسمى بالعبريّة «إيليا»، ويعرف بلغة الإغريق «إيلياس» وبالعربيّة «إلياس».

ولد عام ٨٨٥ ق.م. في بلدة تشبه، وهي مدينة طوبيا في سبط نفتالي جنوب قادس [قدس العامليّة] شمال صفد. سكن في جلعاد (الجولان)، وسكن مدينة بعلبك، وتصدّى لعبادة الأصنام، وقتل كهنة معبد بعل. ترك قومه خوفاً من بطش الحاكم، ووصل في تجواله إلى قرية صرفة (الصرفند) على ساحل البحر بين صيدا وصور. وفيها عمل معجزةً فأحيا ابن الأرملة.

له أكثر من مقام في بلاد الشام، ومقامه في بلدة النبيّ أيلا يعود إلى مئات السنين.

مكانته:

ورد ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: :﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ* أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ* اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ* فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ* إِلاَ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ* وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآَخِرِينَ﴾ [الصافات: 123 ـ 129].

عن الإمام الصادق (ع) في إلياس (ع) أنّه قال: كان يقول في سجوده أتراك معذّبي وقد أظمأت لك هواجري، أتراك معذّبي وقد عفّرت لك في التراب وجهي، أتراك معذّبي وقد اجتنبت لك المعاصي، أتراك معذّبي وقد أسهرت لك ليلي، قال: فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك…

مقامه:

يقول الشيخ عبد الغني النابلسي في زيارته لمقام النبي أيلا (ع) سنة ١١٠٠هـ، «ثمّ سرنا حتّى وصلنا إلى قرية نبي الله أيْلا، بفتح الهمزة وسكون الياء… فصعدنا إليه في ذلك الجبل، وترجّينا من بركاته عطاءً ونيلاً، وزرناه وصلّينا الظهر بالجماعة هناك…»، وذكر أنه وجد حجراً متضمناً تاريخ بناء قبة المقام وهو سنة تسع وتسعين وتسعمائة.

بناء المقام غاية في الجمال والهندسة، فبني من الحجر الصخري الأصفر، مزين من الداخل والخارج بقناطر أضفت عليه مهابة وروعة.

رصفت أرضه بالمرمر والغرانيت الأحمر، وأبوابه مصنوعة من خشب الأبانوس الأفريقي الفاخر في داخله قفص خشبي منسجم مع التلبيس الخشبي للأسقف والجدران، وتعلو القفص قبة خضراء، محاطة بشواحط من القرميد الأحمر.

تمتد أمام المقام باحة واسعة، لركن السيارات، وفي طرفها أنشئ بناءٌ من طابقين، عائدٌ لوقف النبي أيلا، يضم الطابق الأول قاعة طعام ومكان مجهز للأضاحي، وفي الطابق الثاني قاعة احتفالات ومكاتب الإدارة.

 

مقام النبي نوح (ع)

 ــ بلدة كرك نوح ــ زحلة

نبذة تاريخية

مقام النبي نوح -الكرك

هو نوح بن لمك بن فتوشلخ بن إدريس (ع)، وقد نسبت بلدة الكرك له فصارت تعرف بـ «كرك نوح».

يذكر المؤرّخ لبناني الدكتور عمر تدمري عن ابن عساكر الدمشقي: «… وببلد بعلبك في البقاع قرية يقال لها الكرك فيها قبر يقال له قبر نوح».

ويروي عن شيخ الربوة الدمشقي: «… وهناك بكرك نوح قبرٌ منحوت بالحجارة طوله واحد وخمسون خطوة، يقال إنه قبر نوح (ع)».

مقام النبي نوح -الكرك

ياقوت الحموي كان الأسبق في ذكر المقام نقل عنه الرحّالة النابلسي في كتابه (رحلة الذهب والإبريز في بعلبك والبقاع العزيز) أن الحموي (٦٢٦هـ ) قد زار المقام وذكر في كتابه «المشترك» أن في الكرك قبر طويل، يزعم أهل تلك الناحية أنه قبر نوح (ع).

الرحالة الهروي كان زار المقام وقال: «… إنها من أعمال بعلبك، بها قبر نوح (ع)، وأضاف: وبالكرك أيضاً قبر جبلة ابنة نوح (ع) بقربه يقال لها «عجرموش».

أكد النابلسي ذلك في كتابه وكتب: «قلت ولم أعلم أن قبر ابنه نوح (ع) هناك فلم أزره ويصف النابلسي المقام وصفاً دقيقاً فيقول:

(… إلى أن وصلنا إلى قرية الكرك المتقدّم ذكرها، فزرنا فيها قبر نبي الله نوح (ع)، ورأينا طول قبره بمقدار قبر شيث (ع)، وذلك مقدار أربعين ذراعاً، مائة وعشرون بالشبر التام، وفوق القبر حيلول من الخشب بمنزلة السفينة المقلوبة، وقد صنعت فوقها الكراميث من الفخار المشوي كأسطحة بلاد الروم، وحول القبر درابزانات منصوبة، وذلك القبر في صحن الجامع المبلط بالأحجار المنحوتة، وفيها شبابيك الحديد تطل من العلو على تلك المروج والأقطار، والجامع مبني مع القرية، وفوق الجبل، وفيه محراب ومنبر، وله منارة لطيفة فوق رأس القبر، بها ذلك الحسن اكتمل …) ويشير النابلسي إلى أن أهلها من الشيعة … فيقول: «وربما قال مؤذنها مكان حي على الصلاة حي على خير العمل … ويكمل وصفه للمقام…»

 

مقام النبي يوشع

ــ بلدة شعث ــ

مقام النبي يوشع -شعث

يقع المقام في بلدة شعث وينسب الأهالي المقام للوصي يوشع بن نون (ع)، وورد اسمه في السجلات العقارية: «وقف النبي يوشع»، وهذه النسبة تحتاج إلى دليل، والأقوى أنه أحد العلماء البعليين القدامى أو الشهداء أو القادة الذين حكموا المنطقة في العصور المتقدمة.

مقام النبي يوشع – شعث

يقع المقام بين بلدتي شعث ورسم الحدث، في خراج بلدة شعث، وهو حديث البناء، واسع الأرجاء، عليه قبة صغيرة، وفي الدخل بقيت غرفة الضريح ذات القنطرة القديمة كما هي، وغطيت الجدران بطبقة إسمنتية، وفيها ضريح طويل، محاط بصندوق حديدي، وإلى جانبه محراب حجري قديم للصلاة.

قام أحد الأهالي في العقود الماضية، بالكشف عن الضريح فوجد شخصاً بداخله في جيل الشباب، ذقنه شقراء، وفي رقبته إصابة مربوطة بخرقة، ما يدل على كونه من الشهداء، يأتي الناس لزيارته من البلدة، والمناطق المجاورة، وخصوصاً في ليالي القدر والنصف من شعبان.

 

مقام سليمان

ــ بلدة يونين ــ

مقام سليمان – يونين

يقع المقام في بلدة يونين، قضاء بعلبك في محافظة بعلبك ـ الهرمل. يعرف صاحب المقام بــ «النبي سليمان»، وهو ليس بنبي، وإنما هو عالم من المتصوفة اسمه الشيخ سليمان بن علي بن سيف بن مهدي اليونيني. ويعود بنسبه إلى الإمام الصادق (ع)، وقد ذكره القطب اليونيني فقال: «وهو من الصلحاء الأعيان العباد يسرد الصوم ويقوم معظم الليل، ويبادر إلى السعي في قضاء حوائج الناس ويتجشم في ذلك المشاق، وهو من ألطف الناس، وأكرمهم، وأكثرهم بشراً بمن يرد عليه، مع شدة التواضع وملازمة الذكر، والتلاوة للكتاب العزيز، وعدم الغيبة لأحد من خلق الله تعالى» وتحدث اليونيني عن عمه الشيخ محمد بن سيف بن مهدي اليونيني وقال بأنه انقطع في زاوية اتخذها في كرم له قبلي قرية يونين ومات بها سنة ٦٥٥هـ ودفن في زاويته المذكورة وخلف عدة أولاد لم يقم أحد منهم مقامه، بل أقام في الزاوية المشار إليها ابن أخيه وهو ابن زوجته الشيخ سليمان بن علي بن سيف بن مهدي المترجم(3).

المقام:

مقام سليمان – يونين

يقع المقام جنوبي غربي البلدة، وهو مقام قديم، بداخله نفق ينزل منه إلى مغارة فيها عين ماء شحيحة لا تجري مياهها.

 

رمَّمَ المقام رجل إماراتي، فأصبح حديثاً عليه قبة، وتحيط به الباحات الخارجية، يقصده الناس من نحلة ويونين للزيارة والتنزه(4).

 

مقام  النبي يوسف (ع)

ــ بلدة كفردان ــ

الموقع:
مقام النبي يوسف-كفردان

يقع المقام في بلدة كفردان، قضاء بعلبك، محافظة بعلبك الهرمل، تبعد عن بيروت حوالى ٨٤ كلم، وعن مركز القضاء حوالى ١٧ كلم.

البلدة:

مقام النبي يوسف-كفردان

اسمها مُركَّب مـن كفـر: وتعنـي القريـة والضيعة، ودان اسم علم ورد في التوراة.

هي بلدة قديمة سكنها عبد الله بن سعد بن رفاعة بن شداد بن عبد الله بن قيس البجلي كما ورد في أوراق آل عمرو(5)، وعبد الله البجلي من أعلام القرن الثاني من الهجرة كانت في أواسط القرن العاشر من الهجرة تتبع ناحية بعلبك، وعدد سكانها حوالى ١٠١٤ نسمة من الشيعة الإمامية(6)  وكان فيها وقف جامع بدر الدين محمد ابن المرجل في طاحونة الشيخ التابعة لها، ووقف ابن سراج الدين(7).

المقام:

يُعرف صاحب المقـام بـ «النبي يوسف» وكذلك ورد اسمه في السجلّات العقارية «مقام النبي يوسف (ع) ـ كفردان» ويُعتقد بأنَّ النبي يوسف (ع) مرَّ في هذه البلدة، ولعلَّ اسمها أوحى للناس بذلك، لأنَّ دان أخو يوسف (ع).

مقام النبي يوسف-كفردان

ذكره الدكتور نصر الله فقال: كفردان النبي يوسف (ع)، قرب المقبرة، له بناء وضريح(8).

ويُعتقد الناس بأنَّ المقام كان منذ عقود أو قرون عبارة عن رجمة حجارة تُنسب ليوسف (ع)، فبُني المقام، وعُقد سقفه بالقناطر القديمة القائمة على أعمدة مستديرة، وغُطّيت جدرانه لاحقاً بطبقة كلسية، وله شرفات مقنطرة من جميع الجهات، وعليه قبّة، وبداخله ضريح قديم مغطّى بطبقة كلسية أيضاً، يُحيط به قفص حديدي، وإلى جانبه مقبرة فيها قبور قديمة جداً.


المصادر:

(1) إعراف لبنان: ج6ص 240.

(2) نواحي لبنان:ص 128.

(3) ذيل مرآة الزمان: ج1ص 76، الوافي بالوفيات: ج3 ص122.

(4) تاريخ بعلبك: ج1 ص480.

(5) أوراق آل عمرو: ص46.

(6) نواحي لبنان: ص125.

(7) لبنان في القرن السادس عشر: أوقاف وبلدات: ص79، 81.

(8) تاريخ بعلبك :ج1ص 501.

إغلاق