الافتتاحية

النهضة الحسينية المباركة بوصلة الاتجاه الصحيح

225-226

 

ربّما لا نجد حدثاً مفصلياً في تاريخ الإسلام كان له الوقع المدوّي في وقته، كما استمرّت أصداء تأثيره البالغة تتردّد بقوّة عبر توالي الدهور والأجيال ومازالت كذلك، كمثل النهضة الحسينيّة العظيمة.

تلك الثورة الاستثنائية في عموم التاريخ الإنساني التي تميّزت بمقدّماتها الغنيّة بالعمق الروحي والفكري والتجارب الجهادية الفذّة، وبمجرياتها ووقائعها التي تُمثِّل قمّة الإقدام والبطولة والتضحية في سبيل الله تعالى، وبنتائجها وتفاعلاتها، التي وإن كانت مأساوية ومريرة على قلوب المؤمنين إلّا أنّها زلزلت عروش الطّغاة والمنحرفين، وشكّلت من ثمّ معلماً وفيصلاً واضحاً للتمييز بين الحق الصريح، أي نهج الإسلام القويم الذي انتصر له وجاهد من أجله أئمة أهل البيت (ع) كما بذلوا أرواحهم الشريفة دونه مع الخلّص مِمَّن والاهم ليبقى ناصعاً مشرقاً، وبين الباطل الوبيء المُمثّل لنهج الانحراف والانقلاب عن جادة الإسلام الصحيح، الذي تعاضد المتآمرون من بني أميّة ومعهم كلّ المنافقين والمتضرّرين من سطوة الحقّ والعدل، على التمكين له بكلّ سُبُل الخداع والبطش والاخضاع، واستحلال كلّ ما حرّم الله تعالى، عوداً إلى شريعة أهل الجاهلية النَّتِنة وعاداتها البغيضة، وصولاً إلى قمّة الإجرام والتحدّي السّافر لله (عزّ وجل) ولرسوله الأعظم (ص) بقتلهم ظلماً وعدواناً سبطه وريحانته، ثقل الله على الأرض وسيّد شباب أهل الجنّة، الإمام الحسين (ع) وأولاده وأهل بيته وأصحابه، بأبشع صورة وأخسّ طريقة، على ثرى البطولة والفداء في كربلاء المقدّسة. ومن ثمّ إهانة وسبي بنات الرسول (ص) والتنكيل بكلّ ما يَمُتّ إليه بِصِلة.

هذه الجريمة الفظيعة وما تلاها من جرائم مماثلة بحقّ المسلمين، ستبقى إلى أبد الدهر وصمة خزي وعار تلوِّث جبين هذه الطفحة الجائرة، كما تُدين وتصفع كلّ من سكت أو رضيَ أو برّر أو أظهر عدم المبالاة ولم يواجه بقولٍ أو فِعلٍ جرائم هؤلاء وانحرافاتهم الخطيرة، والتي ما زالت بِفِعل التراخي وعدم التماس أنوار الحقيقة، تطبع كثيراً من جوانب الحياة العقائدية والفكرية والاجتماعية والسياسية القائمة في مجتمعاتنا المعاصرة.

وها نحن نعيش ومنذ سنوات مرارة ما قامت به الجماعات التكفيرية المتطّرّفة من اجتياحات وجرائم مرعبة وتشويه فظّ لصورة الإسلام النقيّة. وليس هذا كلّه إلّا امتداداً فعلياً وصوراً مطابقةً لِما كان يفعله الأمويون وأعوانهم ومَن سار على خطاهم في خطّ تحريف الدّين وتظهير الفساد والاستبداد.

لكن من حفظوا وصيّة النبي الأكرم (ص) والتزموا بنصرة حفيده الحسين (ع) وما يمثّله من نهج وقيَم إلهية ـ فقد نُقِل عن النبي (ص) بأقوال ثابتة ومتعدِّدة، أنّ الأمين جبرائيل (ع) أخبره بأنّ أمّته ستقتل ابنه الحسين (ع) بأرض كربلاء، فاغتمَّ النبي كثيراً وبكاه بحرقة ولوعة مع بعض الصحابة، وقال حينها: «فلعنة الله على قاتله وخاذله إلى يوم القيامة» وقال: «فمن شّهِد ذلك منكم فلينصره» ثم قال: «إنّ لِقتل الحسين (ع) حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً» ـ هؤلاء ومنذ لحظة الشهادة والملحمة الكبرى على أرض كربلاء المقدّسة، كانوا وما زالوا ثابتين على صدق طاعتهم وإخلاصهم لله تعالى ولرسوله الأكرم (ص)، تتوقّد في قلوبهم جمرة الحب والولاء للحسين (ع) ولكلّ أئمّة أهل البيت (ع) حتى قائمهم الحجّة المهدي المنتظر (عج). وتتوثّب عزائمهم لنصرة المبادىء والأهداف التي عاش هؤلاء الأطهار (ع) وضحّوا لأجلها، كما حثّوا الأجيال على تعهّدها واحتضانها.

وهؤلاء، كما في كلّ الحقب الماضية كانوا يتجرّعون مرارة الصبر والأذى جرّاء تنكيل الجبابرة المتقنّعين بقناع الإسلام المزيّف بهم، ها هم يتصدّون بكلّ جدارة ومسؤولية وتضحية للتوحّش التكفيري ورعاته، ويعملون بجدّ على تخليص الأمّة والعالم من شروره وآثامه، وعلى وقف تدخلات داعميه ومساندي الاحتلال اليهودي البغيض، أولئك المتربّصين بأمّتنا وشعوبنا، الناهبين لثرواتنا والمستهدفين دائماً حرياتنا وقِيَم ديننا الشريف.

أمّا العنوان الأروع والأنقى الذي جعله الإمام الحسين (ع) إطاراً موجّهاً لحركته العظيمة في إصلاح أحوال الأمّة بعد إفسادها، الذي عبّر عنه بقوله: «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جَدّي» فهو يصحّ بل يجب أن تتبنّاه وتعمل على تمثّله وتحقيقه في واقعنا المُعاش وفرضه على كلّ من يتولّى مسؤولية عامّة. كل الحركات الجماهيرية والنخبوية الاصلاحية القيّمة المؤيَّدة والمواكَبة من المرجعيات الدينية الرشيدة، والتي انطلقت في عدد من الدول العربية والاسلامية لمواجهة طغيان جبروت الفساد الاقتصادي والمالي، وصولاً إلى التصدّي لكلّ مظاهر الفساد الأخلاقي والاجتماعي. كلّ ذلك الفساد الهائل الذي يمارسه بكلّ وقاحة أو يغطّيه أو يتجاهله، الكثير من كبار المسؤولين وكبار الموظفين في مراكز القرار وأجهزة هذه الدول وإداراتها العامّة والخاصّة، مما بات يهدِّد بتبديد ثروات البلاد والعباد وبنشر الظلم والفقر والتخلُّف والإخلال بالأمن والاستقرار الاجتماعي على أوسع نطاق.

وبهذا يكون الإنتماء إلى الحسين (ع) ومدرسته الإصلاحية الرائدة ليس شعارات ومظاهرَ عامة فقط بل عملاً مسؤولا،ً هادفاً، واعياً، ومنتجاً.

نور الإسلام
إغلاق