قضية ورأي

تطور القدرات الذاتية

225-226

بقلم: رائـد شـرف الديـن ــ النائب الأول لحاكم مصرف لبنان

 

تشير التقارير الدولية إلى أن أكثر من ملياري إنسان (2 من 6) يقبعون في ظروف البؤس والمرض. وعلى المستوى اللبناني، تؤشّر معظم الدراسات إلى تراجع الطبقة الوسطى وإلى أنّ نصف السكان تقريباً هم قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في براثن البؤس. يترافق ذلك مع النمو المذهل للقطاع غير الربحي وللمنظمات الخيرية والإنسانية والتي ـ إضافة إلى الجرعات الضخمة التي تتلقاها من كبار أثرياء العالم ـ تعتمد على مساهمات وتبرّعات البرّ والإحسان.

المرجّح أن تتبخَّر كلّ المليارات التي يتمّ ضخّها باتجاه الفقراء إذا لم توجّه بمنظور تمكيني يتيح للمستهدفين أن يأخذوا مصائرهم بأيديهم تدريجياً. وحتى تكون المنظمات الخيرية بمنأى عن تأبيد الوضع القائم، عليها مواجهة عدد من القضايا الجوهرية، سأطرح بعضها أملاً بأن نساهم معاً في إنتاج استجابات مقنعة وعمليّة ومفيدة:

  • عجز المنظمات الخيرية والإنسانية بمفردها من احتواء معضلة الفقر والتهميش. والخطورة أن تتخفف الدولة من عبء رعاية مواطنيها بحجّة إفساح المجال للمنظمات الإنسانية العاملة على توصيل الرعاية والخدمات.
  • حاجة المؤسسات الرعائية إلى تطوير رؤاها لتتحول إلى مؤسسات تنموية فاعلة في عملية التغيير الاجتماعي (مبدأ التمكّن والمشاركة)، ويشمل ذلك بناء القدرات وتنمية المهارات التخطيطية والإدارية.
  • ضرورة الاهتمام في آنٍ واحد بسلامة المركب والركاب، فلبنان الوطن يواجه تهديداً حقيقياً مردّه أن شدّة تركيزنا على فرادة النموذج ـ الوطن ضيّعت حقوق المواطنين. منهم من هاجر ومنهم من ينتظر.

الاستجابات المتوخاة:

1 ـ تتفاوت المنظمات المدنية والأهلية في لبنان حضوراً وفعاليةً، إلاّ أنّها تتخذ أشكالها تدريجياً ضمن التحولات الديموقراطية، أي أنّها تتعلّم الديموقراطية وإن بظروف قاسية. وهي تتمايز بمقدار ما تتسع علاقاتها مع جمهورها بالتفاعل الذي محوره الاقتناع، أي من موقع الحرص على إشراك جمهورها في تنظيم نفسه وفي الدفاع عن حقوقه وتأمين احتياجاته. وبما أنَّ العلاقة الصحيّة التي يفترض أن تقيمها منظمات المجتمع المدني مع جمهورها هي نقطة الضوء التي تقود إلى آخر النفق، فإننا نتوخى أن تتحوّل هذه المنظمات إلى مختبرات مستديمة لتعليم القيم والمفاهيم والأدوات الديموقراطية.

2 ـ بناء القدرات عملية أكثر شمولاً من التدريب بمفهومه الضيق. يتوخى التدريب رفع كفاءة الأفراد عبر توسيع معارفهم وصقل مهاراتهم وتيسير وصولهم للمعلومات. أمّا عملية بناء القدرات المتكاملة فتشمل مجموعة أوسع من العناصر، أهمها: تطوير الإطار الناظم تشريعياً ومؤسسياً، التطوير التنظيمي، بلورة العمليات والإجراءات، وضبط الأدوار والمهام ضمن المنظمة ذاتها كذلك بين المنظمة وسياقاتها أي بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية. وبناء القدرات على مستوى مشروع أو برنامج أو وطن بأكمله، هو توفير تلك العناصر التي تتيح التفاعل الإيجابي مع حاجات الناس سريعة التغيّر. وإذا كان تطوير البنية التحتية لبلد ما، يعني بناء القدرات الاقتصادية للمجتمع، فإنّ القدرة المؤسسية Institutional Capacity هي المؤشر الحقيقي لمدى متانة /أو هشاشة البنية التحتية.

3 ـ التحوّل نحو الديموقراطية الصحيحة الشاملة عملية طويلة ومعقدة ومتداخلة، فإلى الحرية هناكُ بعد الطمأنينة. الحرية والطمأنينة صنوان لا يتحقق أحدهما دون الآخر. الطمأنينة على العمل والدخل والصحة والأمن وفرص تحقيق الذات، وهي شروط تنموية تتصل مباشرة بكرامة الإنسان ومتلازمة مع الحريات السياسية والمدنية. إذ لا معنى للحرية بدون الإحساس بالطمأنينة. الدعوة ملحَّة إلى نحت سياسات اجتماعية واقتصادية متكاملة تحفظ حق الإنسان في الأمن الغذائي والصحي والوظيفي، وتزرع فيه قيَم المشاركة والحوار والالتزام.

لبناء القدرات ولترسيخ الطمأنينة ولضمان الحرية، نستعيد إطاراً استراتيجياً سبق واقترحته لتنظيم الأدوار بين اللاعبين الأساسيين في الإدارة والاقتصاد والتغيير المجتمعي والتثاقف. فيما يلي عرض موجز لتلك الأدوار:

أولاً: القطاع العام لتوسيع الخيارات عبر إيجاد بيئة مؤاتية لانتعاش ثقافة الجودة. والدولة «الجيّدة» هي الدولة التي تتبنى مفاهيم الجودة ومنهجيتها في أعمالها وأدائها، خاصة وأن الدولة في لبنان ما تزال تضطلع بالدور المباشر في توفير العديد من الخدمات الصحية والتربوية والاجتماعية، وفي إدارة الطاقة الكهربائية والمائية وغيرها. وتلعب الدولة هنا دور المنتج للسلعة أو للخدمة (Service Provider)، والمتوخى من تلك المرافق أن تسترشد بمنهجية الجودة وأدواتها، وأن تطبقها.

والدولة الناظمة عبر وضع الإطار التشريعي الضروري والتشريعات القطاعية في ما يتعلق بالبنية التحتية للجودة كالمواصفات وشروط القواعد التقنية والقياسية وتقييم المطابقة والاعتماد والرقابة في الاسواق.

والدولة الميسّرة بتوفير الدعم السياسي والمعنوي ورعاية المنتديات المهتمة بقضايا الجودة وبأولوية الخيارات الكبرى ذات العلاقة.

ثانياً: القطاع الخاص لتعظيم العوائد أي إيجاد القيمة المضافة

هو القطاع القائد: لبقيّة القطاعات والمحفز (Catalyst) لمبادرات الجودة أنّى أتت، والرائد في التفاعل الإيجابي (Synergy) فيما بين المعنيين؛ القطاع المنتج المتبنّي لمنهجيات الجودة في التحسن المستمر للمنتجات والعمليات، والمنتج لفرص العمل؛ والقطاع الحاضن واللاقط للمبدعين والرواد عبر انتهاج سياسات الحوافز والمكافآت، وبتوفير الإمكانيات المادية من مختبرات ومنح وأبحاث وغيرها.

ثالثاً: المجتمع المدني لتعظيم العائد الاجتماعي عبر تمكين المعرّضين

فهو الراصد: للاحتياجات والتوقعات المجتمعية، وللتأثيرات الجانبية المحتملة على الفئات المجتمعية المختلفة؛ وهو الرابط بين التجارب الناجحة، والساهر على ديمومة مشاريع التنمية وعلى توسّع تأثيراتها بحيث تطال أوسع الشرائح وتحديداً المهمّشين والمعرّضين وأصحاب الحاجات الخاصة.

رابعاً: المنظمات الدولية للتجسير بين الأمم ومواجهة القضايا الكونية

يكثر تداول تعبير القرية الصغيرة للإشارة إلى عامل اليوم، وذلك بفضل تكنولوجيا الاتصالات وإدارة المعلومات. وبالفعل، يضجّ عالمنا بالقضايا العابرة للحدود القومية، منها تغيّر المناخ والتلوث وثقب الأوزون والموارد المائية والتجارة العالمية والملكية الفكرية والنزاعات على تقاسم الموارد المشتركة. لإدارة تلك الأمور الشائكة لا بدّ من منبر جامع للتوافق على الحلول وانتاج التسويات. كما تحتاج المعالجات إلى إمكانيات ضخمة لا يمكن تمويلها إلّا عن طريق الصناديق الدولية. وهي تحتاج أيضاً إلى أطر تشريعية ومعاهدات ومعايير أي إلى إطار ناظم يوازي الدور الناظم للدولة ضمن حدودها السياسية.

ما نحتاجه عند رسم سياساتنا هو استحضار الدولة الناظمة، غالباً ما تتكرر في أدبياتنا المدنية والإعلامية عبارات تشكو غياب الدولة أو تقفل النقاش بحجة أن الشأن هو شأن الدولة، لكأنما الأخيرة كيان غريب أو مستقل عن إرادة الناس ومسؤولياتهم. لا يجوز لأيّ كان أن يستقيل من واجباته ومن حقوقه، وعلى رأسها رسالتنا – رسالة كل مواطن – في استنهاض الدولة بهيبتها وقيمها ورموزها وأشخاصها.

ما نحتاجه لبناء لبنان الغد هو القليل من الريبة والكثير من الثقة، الثقة بأنفسنا وبالآخر.


(❋) من كلمة في المؤتمر العام السادس لوضع الخطة العشرية للأعوام 2011 ـ 2020 الذي عُقد في بيروت في 1 كانون الأول 2010.

إغلاق