أحيوا أمرنا

«جمعة عاشوراء»

لم تكن تلك الجمعة عيداً كما تعوَّده المسلمون، ....

بقلم: رجاء محمد بيطار

 

لم تكن تلك الجمعة عيداً كما تعوَّده المسلمون، بل كان يوماً غائماً ضبابي القسمات، لم تشرق شمسه في الصباح، ولم تجد على الكون بأكثر من شعاع ضئيل يخاطب الكائنات، بأنّ الليل قد فات، وأنّ النهار قد أتى على إثره، زاحفاً يلوذ من شرِّه، ومن بقايا ظلمته يقتات.

… لعلَّ أمَّ البنين لم تحظ في ليلتها تلك على شيء من سُبات، ولعلها إن كانت قد فازت من النوم بلحظات، أن تكون قد رأت لمحة من ذلك المشهد الفريد، الذي جاد به التاريخ منذ فجر الوجود على تلك البقعة الفريدة من المكان، وتلك الليلة الفريدة من الزمان، لعلّها لمحت أشخاص المصلّين، قائمين وقاعدين، راكعين وساجدين، مسبّحين وذاكرين، في ذلك المكان الفريد الحزين، معسكر الحسين (ع).

لعلّها استطاعت أن تلمح العباس، أن تملأ قلبها لحظة من طلته البهية، قبل أن يهوي إلى السجود لساعات.

ولعلّها استطاعت أن تطّلع على حبيبتها زينب، أن ترى الهم العظيم الساكن في فضاء عينيها، وأن ترى دموعها الجارية على وجنتيها، وهي تصلي وتدعو … ولا تستكين.

ولعلّها حظيت بمرأى الحسين … لعل قلبها هزج لرؤيته، فقد كان يتألق ويتألق، فوق ما كان على مدى الأيام الماضية يتألق، وكان البلاء اللائح في الأفق يجعل نظرته أكثر حزناً وأعمق، ولكنَّه لا يني يتألق!

ثم لعلّها إذ أفاقت بعد تلك الهنيهات، وجدت المكان حولها خالياً، فتلوّى فؤادها وانتحب، وراح ينشد طلبته، ولكن بعدما عزَّ الطلب. لقد أصبحت أمُّ البنين عند ذلك الصباح، وهي أبأس خلق الله طراً وأكثر الناس وحدة، وأكثرهم مع ذلك شكراً.

… مضت بها ساعات الصباح كئيبة كئيبة.

لعلّها حدّثت نفسها بالخروج لزيارة أم سلمة، فاليوم جمعة، وهي قد تعودت أن تصل أرحامها في هذا اليوم، وأن تزور أحبَّتها وأعزَّتها، ولكن … أين منها اليوم أرحامها؟! … وأين الأحبة والأعزّة؟!

لعلّها انتفضت تغالب الحزن المتعاظم في أعماقها، والدمع المتراكم في أحداقها، وأسبلت عليها ثوبها وخمارها، وخرجت… إلى حيث البقية الباقية من ولدها الحسين.

ولعلَّها إذ وصلت إلى دار أمّ سلَمَة، أقبلت على فاطمة العليلة تضمّها، وتغرق في قبلاتها كل شوقها وهمِّها، فسألتها الطفلة بلوعةٍ:

ـ أمُّاه، يا أمَّ البنين، ألا من خبرٍ أتى عن والدي الحسين؟

تبادلت أمُّ البنين وأمُّ المؤمنين نظرة دامعة، بينما تابعت فاطمة بصوت مقروح:

ـ لم يأتني الرد على كتابي بعد … إنَّ أبي لا يمكن أن يقرأ كتابي فلا يبعث إليَّ بالرد!

وكأنّي بأم البنين تنظر إليها متسائلة، فتقبل أمّ سلَمَة لتجلس عند رأس الطفلة وتضمّها إليها مواسية، ثم تحول وجهها صوب أم البنين قائلة بحسرة:

ـ  إنها قد أرسلت إلى والدها كتاباً قبل أيام

ثم انكفأت نحو فاطمة تجيب:

ـ لعلَّ الكتاب لم يصله بعد يا ابنتي، أو لعل جوابه لم يصلنا بعد، اصبري يا حبيبتي، فغداً يأتي الجواب.

لعلَّ أمَّ البنين غصَّت بدمعتها، فقامت تواري حسرتها، وخرجت تعود إلى دارتها، آهٍ من غدٍ وما يأتي به بعد … آهٍ من الجواب وما سيحمله من عذاب … آهٍ من الصبر وقد صار أمرّ من الصبر.

لعلَّ أمَّ البنين لم تدلف إلى دارها ساعتئذٍ، لعلَّ أمرا ً ما كان يشدّها للبقاء في فناء الدار، لا تستظلُّ بفيء ولا جدار.

كانت الشمس تزداد حدَّة، وكذلك قلقها، كانت ترتفع في كبد السماء شيئاً فشيئاً، وكذلك نيران شوقها.

وعند الزوال، كانت أمّ البنين قد وقفت للصلاة، تشتق من مناجاة باريها ما يخفف عنها وطأة الأشجان … لعلَّها صلَّت صلاة جعفر الطيار، تلك الصلاة التي حباه بها رسول الله، فكانت له ذكراً، وللمؤمنين ذخراً، يكتسبون بها أجراً، وتتردَّد على ألسنتهم، قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً، وتسبيحا ً وتحميداً وتهليلاً وتكبيراً وشكراً.

… ولعلَّها إذ وقفت بين يدي رب السموات والأرض، وتوجَّهت في صلاتها، صلاة جعفر، تذكرت جعفراً ولدها، ثم تذكرت بتذكره عثمان وعبد الله، ثم تذكرت العباس، وكان في لقب الطيار ما هزَّ كيانها، فراحت دموعها تنسكب وقد أفلتت عنانها، ثم إنَّها أهوت لوجهها ساجدة مستغفرة، أن هل قد فتنها ذكر أولادها عن صلاتها؟!

ولعلَّها حال سجودها تذكَّرت الحسين، بل تمثَّلته أمامها، فهي لم تكن له ناسية قط، إذ هو دائما ً ماثل في وجدانها… لعلَّه مدَّ يده الحانية يرفعها من سجدتها، ويمسح دمعها بكلمات هو قائلها لا يسمعها سواها:

ـ هنيئاً لكِ يا أمّاه، هنيئاً لكِ يا أمَّ البنين!

رباه، علامَ كان الحسين يهنئها ؟!

بل علامَ كان محيّاه النوراني يقطر بالنور أكثر، ولعلّ في النور كان شبح من شعاع أحمر؟!

… وكأني بأم البنين ترتعد، وتقف، وترتعد أكثر، ثم تنطلق في عبادتها، تمخر عباب العاشقين، وتخوض لجَّة الذاكرين، وتنتصب في المدى أمامها كعبة المصطفى، ويلوح في المدى حولها كعبة المتقين.

إنَّها في هذه اللحظة بالذات، لحظة انطلاقها في فضاء الملكوت، تطير خلف جعفر الطيار بأجنحة من نور، إنَّها لتستشعر فوق ما تعودته من خشوع، شعوراً غريباً ينتابها… لم يكن غريباً عن طبائعها، ولا دخيلاً على ما تعودته من شمائلها، ولكنَّه كان حدثاً تصاعدياً، ربما بدأ منذ زمن بعيد، وراح يرقى في ذات نفسها حتى بلغ الذروة اليوم… كان ذلك هو طغيان شوقها للحسين على كلّ ما عداه، أجل كل ما عداه… حتى شوقها للعباس لولديه، لأشقائه، ذاك الشوق الذي لم يطغ يوماً  على شوقها للحسين، ولكنه لم يكن ليتبدد تماماً تحت سناء شمسه الوهاجة المتألقة… رغم شدة تعلقها بأولادها، رغم تفانيها في حبهم، إلا أن ما جرى ويجري الآن حقاً غريب، ولكنه إلى فؤادها حبيب، إنه دلالة تزيدها اطمئناناً على أنَّ حبها للحسين قد استطاع فعلاً أن يلغي كل ما عداه، حتى لم يبق في القلب والروح أحد سواه!

إنَّ شمس الحسين قد أشرقت على روحها أكثر فأكثر، حتى استطاعت أن تطغى على بدر العباس ونجوم إخوته… أجل، فحتى ذلك القمر الذي سقط في حجرها يوماً وتلك النجوم، صارت بين يديها قرباناً مقدساً تقدمه فداءً للحسين، وهي هانئة قريرة العين… أو ربما هي أنوار ذلك القمر وتلك النجوم، قد ذابت في شمس الحسين، فلم تعد أمُّ البنين ترى بقلبها وروحها سوى تلك الشمس الوضاءة النور، تهز الوجود، بألقٍ يبدد الديجور، فما بالك بوجود أم البنين الفياض أصلاً بالنور؟!

ها هو ذكر جعفر ينتثر، وعطر جعفر ينتشر، وها هي دماء جعفر تنتصر، ودعاء جعفر… يفيض سناء على روح أم البنين وينحدر، مع دموعها المنسكبة كالمطر، تنعش زهرة عشقها للزهراء، وإذا الزهراء فوق رأسها، تبكي ثانية وتندب جعفر.

انتفضت أمُّ البنين، كان الأذان يُرفع، ويرتفع، … حتى إذا خُتم هبط فجأة، كأنَّما وقع من عليين، فقد كان يُختم، كما في كل يوم، بشتم أمير المؤمنين!

تلوّت فاطمة، تزايدت لوعتها وفاقت كل حد، رباه، … إلى متى الصبر بعد؟!

ولئن وقفت تصلّي فريضتها إثر الأذان، فقد وقفت ثائرة النفس لا تقوى على الصمت عن هذا الطغيان، ولا هي قادرة على الرد، إنها ملزمة بإطاعة أمر مولاها الحسين، فهو قد أرادها في المدينة، كما أراد أخاه محمداً، عيناً ترصد، وقلباً يخفق ولساناً يذكر ويذكّر، إن عزّت القلوب والألسنة والعيون.

… إيه يا حسين، إلى متى هذا البلاء؟!… نسكت على ظلم الأدعياء وأولاد الأدعياء، ولا نجد للداء الدواء… إلى متى تبقى الشفاه تتمتم في الخفاء، بما تود أن تعلنه في الملاء بأعلى نداء؟!… إلى متى تغشى السماء هذه الغمامات السوداء؟! وإلى متى تشتاق الظلمة العابسة إلى بسمات الضياء؟!

لعلَّ أمَّ البنين لم تدرِ ما اعتراها عقيب الصلاة، وكأنّي بها تذرع الدار ذهاباً وإياباً، وتتململ وتتلوى… لم يكن ألم جسم بل التياع روح!

لقد بلغ القلق بها ذروته، وفاض معين العذاب حتى ملأ الوهاد والهضاب.

وفيما هي كذلك، يلهج لسانها بالذكر ولا يفتر عن الدعاء، ويلهج قلبها بالخفق قد أبحَّه النداء، وإذا بالكون يتغير، وإذا بالأرض تميد وتتزلزل، وإذا بالفضاء يغيم ويتبدل، وتنكسف الشمس، ويغشى المدى لون كالنجيع، وإذا صوت كالنحيب يطبق آفاق المدينة كلَّها…


مقتطف من رواية «سألتك عن الحسين»

إغلاق