آفاق معرفية

شبحُ «ذاك المرض»: السرطان

مرضُ السرطان من أكثر الأمراض التي كُتب عنها ويُكتب عنها....

بقلم: حسن العاملي(*)

 

مرضُ السرطان من أكثر الأمراض التي كُتب عنها ويُكتب عنها، وهو أيضاً من أشهرِ الأمراض المستعصية، إلى درجةٍ أنً أكثر الناس لا يجرؤ أن يسميّه بإسمه، بل بـ «ذاك المرض». لكنً السرطان قبل أن يصبح مرضاً، هو احتمال وتخمين وفرضية وصورة أو شبح، حتى يُكشف عنه بفحوصات طبية فيصبح مرضاً. لهذه الفرضيةِ أو الشبح آليةٌ حيويةٌ يمكنُ للمتأمِّل أن يتصوَّرها من خلال هذا العرض.

الانضباط يسلب الحرية

قبل أن تهبَّ العاصفةُ، تتمايل أغصانُ الاشجار كما يحلو لها، وتتراقص أوراقُها كما تشاء. كذلك تهاجر الطيورُ زرافات من أرض إلى أرض كما تهوى. وحينما تهبُّ العاصفةُ تخضع الاشجارُ ومياهُ البحر ومسارُ الطيور إلى قوةِ الريح فقط، فلا ورقة تسقط هنا ولا موجة في البحرِ تتحرك هناك كما تشاء، ولا طير يطير كما يرغب بل الكلُّ يفقد حريته وينضبط بقوةِ العاصفة وإتجاه الريح.

مثلُ ذلك يحدث أيضاً عند استعراضِ الجيوشِ أو الكشافةِ. ففي تلك المناسباتِ يتحرَّك المئاتُ إلى الأمام وإلى اليمين وإلى الشمالِ في التزامنِ ذاته، وكأنّهم جميعهم فرداً واحداً، وبذلك يفقد كلٌّ منهم حريته وينضبط بقوةِ الإيقاع الموسيقي. لكن تلك المئاتِ وبعد انتهاء العرض، يستردُّ كلُّ واحدٍ منهم حريته وينصرف إلى شؤونهِ الخاصة. مثلُ ذلك يحدث في الشوارعِ عند مرورِ المركبات، فطالما هناك نظامٌ للسير وإشارات للمرور فهناك انضباطٌ وتناغمٌ في الحركةِ ولا تعمُّ الفوضى. كذلك، حينما ينعدم الأمنُ في المجتمع، يظهر اللصوص وتنتشر المخالفات والإعتداءات وتحصل الفوضى. وحتى الأنهار تضبط جريان مياهها بهدوءٍ وانتظام، حتى إذا حلَّ الفيضان، تعمُّ الفوضى ويحصل دمارٌ في المزروعات والأملاك. وكما يقول المثل: «إذا حضر القطُ غاب الفأر». فإذا كان هذا الوصفُ سائداً في الطبيعة، فكيف يكون الحالُ في:

الجسم البشري

لجميع الكائنات الحيّة أعضاءٌ تؤمن مستلزماتِ الحياة، كالحركةِ والنموِ والتكاثر. وكلُّ عضوٍ من أعضاء الإنسان يتألف من خلايا يسيطرُ عليها ويضبطُ إيقاعها ويتناغم مع بقيةِ الأعضاء. فإذا توقَّف أحدُ الأعضاءِ أو تلكأ عن أداءِ وظيفتهِ لسببٍ ما، فإنّه يفقدُ السيطرةَ على بعضِ خلاياه، فتشرد واحدةٌ منهنَّ وتستقلّ بحالها وتصبح خليةً فوضويةً سرطانيةً، تسرحُ وتمرح كما يحلو لها. لكن لبعضِ الكائناتِ أو الأعضاء حصانةٌ من هذا الإنفلات وتلك الفوضى، فلا تصابُ بالسرطان. ومنها:

الطاحونةُ تدور والأفاعي تهرب

كل مادة تدخل في الطاحونة أو الجاروشة، تتكسر وتتفتت أو تُعصر. حركةُ الطاحونةِ هذه تسلبُ حريةَ كلّ ذرةٍ وتجبرها أن تدور في فلكها. كذلك هو الأمر في جسم الإنسان، فبعضُ الأعضاءِ التي تعمل كالطاحونة لا تسمح بالفوضى ولا تُصاب بالسرطان. مثل:

  • القلب:خلايا عضلات القلبِ تترابط على شكل أليافٍ وخيوطٍ طولية، بعكس خلايا الأعضاء الأخرى التي تتجاور مع بعضها. فالقلبُ بحركته الدائمة وعضلاتهِ الوترية يعمل كالطاحونة ولا يصابُ بالسرطان.
  • الجنين :يتكوّن الجنين في باديء الأمر من خليَّةٍ واحدةٍ، تنطلقُ بقوّة نموٍ وتتمدَّد بحركةٍ متواصلة. بهذه الحركة تقمعُ أيَّ خليةٍ فوضوية تحاولُ العبثَ فيه. فالجنين يعمل كالطاحونةِ ولا يصابُ بالسرطان.
  • الأوتار العضلية: جميعُ العضلات الحركية لها أوتارٌ طوليةٌ متماسكةٌ عند أطرافها، التي تتحكم في انقباضها وانبساطها، فلا تسمح لخليةٍ منها أن تنقلب إلى خلية فوضوية سرطانية.
  • الجراثيم والبكتريا وحيدةُ الخليةِ : لهذه الكائنات الدقيقة أشكالٌ عديدةٌ وتراكيب عجيبةٌ، ومع ذلك فهي تتحرك وتنمو مثل أيّ كائنٍ حي. لكنّها عند التكاثر، تنشطرُ الخليةُ ذاتها إلى خليتينِ اثنتينِ، وتصبح كلُّ خليةٍ مستقلةً بذاتها، وتبدأ حياتها من جديد وكأنها جنين، فلا تصاب بالسرطان.
  • النباتات : النباتات تنمو بأليافٍ طولية، وكلُّ خليةٍ منها محاطةٌ بغشاءٍ خشبي يحبسها في محلها ولا يسمح لها بالانفلات والاستقلال، فهي لا تصاب بالسرطان.

السرطان كمرض

Petri dish

للسرطان أطباؤه ودارسوه الذين يحذِّرون من التعرّض إلى عوامل خارجية تسهِّل ظهوره، مثل السموم والتلوث والتدخين والمواد الغريبة ودخول العناصر الثقيلةِ إلى الجسم مع الغذاء: كالزئبق والرصاص والفضة، كذلك عدم التعرّض إلى الأشعة وغيرها. أمّا العامل الوراثي فهو استعداد لتقبُّل المرض وليس شرطاً لظهورِه. فمن لديه استعداد لمرض السكري مثلاً، يمكنه تجنبه بالحميةِ الغذائيةِ.

 

خلاصةُ ظاهرة الشبح

إذا كان كلُّ عضو في الإنسان يقوم بوظيفته الطبيعية، دون التعرّض إلى عوامل قهرية، فإنَّه يفرض الإنضباط على كلِّ خليةٍ فيه، وحينما يتوقّف نشاطُ ذلك العضو أو يضعف عن القيام بوظيفتهِ، تصبح الفرصةُ سانحة لظهور شبحِ الخلية السرطانية. فإذا كانت الحياةُ تبدأ بجنينٍ لا يُصاب بالسرطان وبقلبٍ لا يصاب بالسرطان، فلماذا يطلُّ علينا هذا الشبح ونحن أحياء؟

اليقظةُ الدائمةُ والنشاطُ المتواصل والغذاءُ الصحي والانسجام مع الطبيعةِ، هي عوامل تساعد على الابتعاد عن «ذاك المرض». لكنَّ الله وحده سبحانه وتعالى، يُقدِّر ما يشاء ويفعل ما يشاء.

          “ومن جاهد فإنّما يجاهد لنفسه إنَّ الله لغني عن العالمين” [العنكبوت: 5 ـ 6].

 


(❋) عضو معاهد الهندسة البريطانية، مدرّب تقني، كاتب ومترجم.

إغلاق