عقيدة

عرض الأعمال على الآل (الجزء الثاني)

225-226

بقلم: الشيخ علي عيسى الزواد

النقطة الثالثة: المراد بالمؤمنين هنا

ممّا لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه أنّه ليس المراد جميع المؤمنين لأنّ جميع المؤمنين لا يعلمون بأفعال العباد، فمثلاً أنا وأنت لا نعلم بجميع العباد فضلاً عن العِلم بجميع أفعالهم.

فيُراد من الآية المباركة بعض المؤمنين، والبعض المُراد هم مَن بيّنتهم أحاديث أهل البيت (ع).

وهم الأئمة من آل البيت النبوي وورد ذلك في عدة روايات منها:

ما في الكافي للشيخ الكليني ج١ ص ٢١٩ بسنده عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله (عزّ وجل): ” اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” [التوبة: 105] قال: «هم الأئمة».

وما في تفسير علي بن إبراهيم القمي(1) ص ٣٠٤ بسنده عن أبي عبد الله (ع) في قوله: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”المؤمنون ههنا الأئمة الطاهرون صلوات الله عليهم.

النقطة الرابعة: دلالة الفاء

التقدّم على أقسام، ومنها التقدّم الزماني، وليس كلّما تقدّم شيء على شيء كان سابقاً عليه زماناً، فإنّ العلَّة متقدِّمة على المعلول والسبب متقدِّم على المسبِّب، ولكن ليس تقدماً زمانيّاً، ولو كان تقدّم العلة على المعلول تقدماً زمانياً لَلَزِم أن توجد العلَّة التامّة من دون المعلول، فيتخلف وجود المعلول عن وجود العلَّة وهو محال، كما قرر في محله.

ومن المعلوم أنَّ الفاء للترتيب مع الاتصال أي بدون فصل وبما أنَّ بين العِلم وبين المعلوم ترتب غير زماني فلذا ناسب المجيء بالفاء فمعنى ذلك أنَّ الله يعلم بأفعالكم حين وقوعها وإن كانت ـ بحسب الترتب ـ الأعمال سابقة على العِلم.

وهذا مما يحتاج لبيان فأقول:

إنَّ الله تعالى عِلمه أزليّ قديم لأنّه من صفات الذات، وصفات ذاته المقدَّسة عين ذاته، وليس هناك إثنينيّة وتعدد بين الذات المقدسة وعِلمها، بل عِلمه عين ذاتِه وذاتُه عِلمه، فلا يمكن أن يحدث عِلمه بالأفعال عقيب الافعال وبعد وقوعها، وإلّا لَزِم حدوث عِلمه تعالى فتكون ذاته حادثة أيضاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

فعِلم الله تعالى سابق على الأفعال، وإن كان العلم يُعَدّ متأخراً رتبةً على المعلوم لا أنّه متأخرٌ زماناً.

النقطة الخامسة: دلالة السين

أفعال العباد وحركاتها من الوجودات المنصرمة التدريجيّة غير القارّة، فالفعل لا استقرار له بل يقوم الواحد منّا بالفعل فينتهي، بخلاف وجود الأشياء كالمصنوعات فإنّها قارّة، وأيضاً الأفعال لا توجد دفعة وإنّما توجد بالتدريج، فتأتي الحركة الثانية بعد ذهاب الحركة الأولى، فعندما تتوضأ تغسل وجهك، وبعد الانتهاء من غسل الوجه ينتهي ذلك الفعل ولا يبقى وتبدأ في إيجاد حركات غسل اليدين، وهكذا كلّما انتهيت من حركة شرعت في الأخرى من دون أن يكون هناك قرار للحركات ولا توجد دفعة واحدة.

وبما أنَّ الأعمال ليست حاصلة بالفعل بل إنّها تحصل بالتدريج في المستقبل ناسب الإتيان بالسين التي تفيد الاستقبال القريب. لأنّك عندما تقول: «سوف أكتب» فتعني أنّك تريد الكتابة في المستقبل البعيد، أمّا لو قُلت: «سأكتب» فإنّك تريد الكتابة في المستقبل القريب.

وهنا في الآية المباركة وردت السين لكي نعرف بأنّ المراد من الأعمال هو كلُّ الأعمال الصادرة من العباد التي توجد في المستقبل القريب، وإنّما أصبحت استقبالاً باعتبار أنّ أفعال العباد المخاطبين بالآية المباركة مستقبلة بالنسبة إلى نفس الآية الشريفة، وأنَّ هذا جارٍ في كلّ الأعمال المستقبلية قريبة أو بعيدة.

النقطة السادسة: دلالة العطف بالواو

الواو تُفيد المشاركة في الحكم من دون ترتيب فاقتضت الآية المباركة أنَّه كما يعلم الله تعالى بأفعال العباد كذلك يعلم النبي (ص) وآله، وبما أنَّ عِلم الله تعالى بالعمل لا يتأخر عنه فكذلك عِلم النبي والأئمة لا يتأخر عن العمل، كما ورد عنهم (ع) ما يؤيّد ذلك فقد ورد في بعض الروايات أنّ الجدران لا تحجبهم عن الرؤية للأعمال.

في الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج١ ص٢٧٢ عن أبي الصباح الكناني قال: صرت يوماً إلى باب أبي جعفر (ع) فقرعت الباب، فخرجت إليّ وصيفة ناهد، فضربت بيدي على رأس ثديها فقلت لها: قولي لمولاك إنّي بالباب، فصاح من آخر الدار: أدخل لا أُمّ لك.

فدخلت وقلت: والله ما أردت ريبة، ولا قصدت إلا زيادة في يقيني.

فقال: صدقت، لئِن ظننتم أنّ هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم إذاً لا فرق بيننا وبينكم، فإيّاك أن تعاود لمثلها.

النقطة السابعة: عموم العمل والعامل

إنّ إطلاق العمل في الآية المباركة يقتضي هنا العموم، سواء كان العمل صالحاً أم طالحاً، عمل خير أم عمل شرّ. وإنّ المخاطب بالآية الشريفة عامّ، سواء كان العامل صالحاً أم طالحاً، مؤمناً أم كافراً، ومن هنا ورد في بعض الروايات بيان العموم.

فمنها: ما أوردناه في سبب النزول:

فقيل له: ومن المؤمنون؟ قال: عامّة وخاصة أمّا الذي قال الله: “وَالْمُؤْمِنُونَ” فهم آل محمد.

ثمّ قال: وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” [التوبة: 105].

في تفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي ج ٢ ص ١٠٩ عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” قال: «تُعرض على رسول الله عليه وآله السلام أعمال أمّته كلّ صباح، أبرارها وفجارها، فاحذروا».

النقطة الثامنة: وقت عرض الأعمال

لقد دلّت الروايات على أنّ عرض الأعمال يتعدد فالذي ذكر في الروايات عدّة موارد:

أولاً: عرض الأعمال كلّ يوم

ودلّ على ذلك عدّة روايات:

منها ما في الكافي للشيخ الكليني ج١ ص ٢١٩ بسنده عن عبد الله بن أبان الزيات وكان مكيناً عند الرضا (ع) قال: قلت للرضا (ع): ادع الله لي ولأهل بيتي

فقال: «أو لست أفعل؟! والله إن أعمالكم لتُعرض عليَّ في كل يوم وليلة.

قال: فاستعظمت ذلك،

فقال لي: أما تقرأ كتاب الله (عزّ وجل): وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”.

قال: «هو والله علي بن أبي طالب (ع)».

والرواية في آخرها وإن ذكرت أمير المؤمنين (ع) فقط إلا أنّ الإمام الرضا (ع) قد ذكر عرض الأعمال عليه أيضاً، فأراد الإمام الرضا (ع) من ذِكر أمير المؤمنين (ع): أنَّ الآية نزلت في حقّ أمير المؤمنين (ع) وهم مشاركون له في عرض الأعمال.

ومنها ما في تفسير علي بن إبراهيم القمّي ج١ ص٣٠٤ بسنده عن أبي عبد الله (ع) قال: إنّ أعمال العباد تُعرض على رسول الله (ص) كل صباح، أبرارها وفجارها، فاحذروا، فليستحيي أحدكم أن يعرض على نبيّه العمل القبيح».

ثانياً: يومي الاثنين والخميس

تُعرض الأعمال يومي الاثنين والخميس ودلَّ على هذا بعض الروايات(2):

في تبيان شيخ الطائفة في تفسير الآية الشريفة قال: رُوي في الخبر أنَّ الأعمال تُعرض على النبي (ص) ولكن في كل اثنين وخميس فيعلمها وكذلك تُعرض على الأئمة (ع) فيعرفونها وهم المعنيون بقوله: “وَالْمُؤْمِنُونَ”.

من المناسب هنا أن نُشير إلى أنّ ما ورد في نقل شيخ الطائفة الطوسي من التعبير بـ «فيعرفونها» قد يوجب تساؤلاً، وهو أنّ أهل البيت (ع) هل يعلمون بالأفعال حين عرضها عليهم يومي الاثنين والخميس أم أنّهم عالمون بها قبل حدوثها ومنكشف لهم واقعها حين وجودها؟

فنقول: لا شكّ أنّه ليس المُراد بأنّ علمهم بالأفعال في يومي الاثنين والخميس، لأنَّه على الأقل قد عُرضت عليهم الأفعال في كلّ يوم، فلو كان العرض موجباً  للعلم لحصل العلم في كل يوم، ولا معنى لحصوله أيضاً في يومي الاثنين والخميس، فإنّه يكون من تحصيل الحاصل المرفوض عند العقلاء.

فلا بُدّ من حمل تلك المفردات على معنى لا يتنافى مع العرض في كل يوم، ولا يتنافى مع انكشاف الأفعال لديهم، ويمكن أن يكون المُراد من ذلك؛ أنّهم بمجرّد العرض عليهم يتعرّفون عليها لمطابقتها لما هو معلوم لديهم(ع)، ولتوضيح الفكرة أكثر نأخذ مثالاً عُرفيّاً، فمثلاً إذا عُرض عليك ابنك فإنَّك تتعرّف عليه وتعرفه، لا أنّك جاهل به وعندما عُرض عليك علمت به.

وفي معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص٤١٠ بسنده قال: قال رسول الله (ص): «حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، أمّا حياتي فتحدثوني وأحدِّثكم، وأما موتي فتُعرض عليَّ أعمالكم عشية الاثنين والخميس، فما كان من عمل صالح حمدت الله عليه وما كان من عمل سيئ استغفرت الله لكم».

ثالثاً: بعد الوضع في القبر

ودلَّت على ذلك بعض الروايات منها:

ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي ج١ ص٣٠٤: بسنده عن أبي الله (ع) قال: «ما من مؤمن يموت أو كافر يوضع في قبره حتى يُعرض عمله على رسول الله (ص) وعلى أمير المؤمنين (ع) وهلُمَّ جراً إلى آخر من فرض الله طاعته فذلك قوله: ” وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.

رابعاً: في يوم القيامة

ودلَّ على ذلك كثير من الروايات:

منها ما في تفسير العيّاشي عن محمد بن حسان الكوفي عن محمد بن جعفر عن أبيه (ع) قال: «إذا كان يوم القيامة نصب منبر عن يمين العرش له أربع وعشرون مرقاة ويجيء علي بن أبي طالب (ع) وبيده لواء الحمد فيرتقيه ويعلوه ويعرض الخلائق عليه، فمن عرفه
دخل الجنة، ومن انكره دخل النار، وتفسير ذلك في كتـاب الله: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ”.
قال: هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)».


العرض من أجل الحساب

عرض الأعمال في يوم القيامة إنّما هو لحساب الخلائق، فإنّ حساب الخلائق يترافق مع عرض الأعمال، فلقد روي متواتراً عن المعصومين (ع) أنّهم يُحاسبون الخلائق يوم القيامة، والشيخ الحر العاملي 5 في (الفصول المهمة في أصول الأئمة) عقد باباً سمّاه: باب ١١٦ ـ إنَّ حساب جميع الخلق يوم القيامة إلى الأئمة (ع)، وبعد إيراد بعض الأحاديث الدّالة على أنّ حساب جميع الخلائق على الأئمة (ع) قال: «والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة وإذا ضم إليها النص والإعجاز تم الدليل».

ومن تلك الأحاديث ما ورد في الزيارة الجامعة:

«… فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمقصر في حقكم زاهق والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم وأنتم أهله ومعدنه وميراث النبوة عندكم وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم وفصل الخطاب عندكم وآيات الله لديكم وعزائمه فيكم ونوره وبرهانه عندكم…»(3).

وفي الكافي(4) أيضاً بسنده عن سماعة، قـال: «كنـت قاعـداً مع أبـي الحـسن الأول (ع) والناس في الطواف في جـوف الليل ـ فقــال لي: ياسماعة إلينا إيـاب هـذا الخـلق وعلينا حسابهـم، فما كـان لهـم مـن ذنبٍ فـي مـا بينهـم وبيـن الله، حتمنـا على الله في تركـه فأجابنـا إلى ذلك، ومـا كـان بينهـم وبيـن الناسب استوهبنـاه منهـم فـأجابـونا إلى ذلك وعـوَّضهـم الله (عزّ وجل).

شبهة وردّها

قد يُقال: إنّ حساب الخلق على الله تعالى وليس على أحد من الخلق لأنَّ الله تعالى يقول: “ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهم” [الغاشية: 26].

فجعل الله تعالى في الآية المباركة حساب الخلق على الله تعالى لا على غيره من الخلق.

ونقول في ردّ هذه الشبهة: إنَّ الله تعالى قد نسب إلى ذاته المقدسة أفعالاً ولم يُنافِ ذلك قيام الملائكة (ع) بتلك الأفعال، فكتابة أفعال العباد قد نسبها تعالى إلى نفسه فقال:

” إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ”[يس: 12].

لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ”[آل عمران: 181].

” كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا” [مريم: 79].

في تلك الآيات الشريفة قد نسب الله تعالى كتابة أفعال الخلق إلى نفسه، ولم يُناف ذلك نسبتها إلى الملائكة الكرام (ع)، فقال تعالى:

” وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ”[يونس: 21].

أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ” [الزخرف: 80].

كما أنّ تعذيب العاصين نسبه الله تعالى أيضاً إلى نفسه فقال تعالى:

“وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ” [التوبة: 74].

ومع ذلك فإنّ الله تعالى قد أوكل بالعذاب ملائكة فقال تعالى:

“مَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا” [المدثر: 31].

بل يصحّ أن يُعذب الله تعالى الكافرين بأيدي المؤمنين قال تعالى:

“قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة: 14].

وكذا بالنسبة لحساب الخلق، فإن الله تعالى وإن نسبه إلى نفسه، إلا أنَّ ذلك لا يتنافى مع ما ثبت بالتواتر من أنّ حساب الخلق عليهم (ع)، وفي الآية الكريمة السابقة إشارة إلى ذلك حيث قال تعالى: “ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهم”[الغاشية: 26].

فالتعبير بالجمع يُشعر بذلك، فيكون تفسير الاية؛ ثم عليّ وعلى أوليائي حسابهم.

ثم لماذا نقبل أن يكون حساب الناس على الملائكة ولا نقبل أن يكون الحساب على من هم أفضل من الملائكة؟!!!

ويؤيد إرادتهم (ع) من الآية المباركة ما في تفسير فرات الكوفي ص ٢٠٨: بسنده عن قبيصة، عن أبي عبد الله(ع) قوله (ع): “وإنَّ إِلَيْنَا إِيَاهبُمْ ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهم” [الغاشية:  25 ـ 26]. قال: فينا، قلت: إنّما أسألك عن التفسير، قال: نعم يا قبيصة، إذا كان يوم القيامة جعل الله حساب شيعتنا إلينا، فما كان بينهم وبين الله استوهبه محمد (ص) من الله، وما كان في ما بينهم وبين الناس من المظالم أداه محمد (ص) عنهم وما كان في ما بيننا وبينهم وهبناه لهم، حتى يدخلوا الجنة بغير حساب».

وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي لا تخفى على المُتَتبِّع لأحاديث أهل العصمة والطهارة.

الجمع بين الروايات

إنّ عرض الأعمال إنّما هو من أجل الرحمة بالعباد كما يستفاد ذلك من الروايات التي ذكرنا بعضها هنا، والتي منها ما ذكرناه في سبب نزول الآية المباركة، فقد ذكرت الرواية استغفار النبي (ص) للعباد عند عرض العمل عليه.

وليس عرض الأعمال من أجل أن يعلم الله سبحانه وتعالى بأعمال العباد، أو يعلم النبي محمد وآله (ص) بأفعال الناس، فإنّ علمهم (ع) بأعمال العباد إنّما يكون سابقاً على الأعمال.

ولذا نقول: إنَّ جميع هذه الروايات غير متنافية؛ فإنّ عرض الأعمال يتكرر في مقام تعريض المؤمن للرحمة، فتعرض الأعمال في كلِّ يوم من أجل ما إذا فعل العبد في بادئ يومه بعض المحرّمات وتاب عنها وعمل الحسنات فتغفر له، وعرض الأعمال في كلّ أسبوع مرتين فيما لو كانت بعض صحفه في بداية الأسبوع سيئة واستغفر وتاب وعمل صالحاً فإنّه يغفر له، وعند الوضع في قبره لاحتياجه إلى الرحمة، وفي يوم القيامة لاحتياجه إلى المغفرة والشفاعة.


المصادر:

(1) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج٢٣ ص٣٣٩ ب٢٠، وراجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج٢٣ ص٣٣٧ ب٢٠ ح ٦ ،١٠، ٤٢ ،٧٣.

(2)  انظر لرواية المخالفين : مسند أحمد بن حنبل ج٢ ص٣٢٩. وج٥ من ٢٠٥. ومن ٢٠٨. وسنن
عبد الله بن بهرام الدارمي ج٢ ص١٩. وسنن الترمذي ج٢ ص١٢٤. والسنن الكبرى للبيهقي ج٤ ص٢٩٣… وغيرهم.

(3) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج٢ ص٦٠٩، وعيون أخبار الرضا (ع) ص٣٧٥ وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج٦ ص،٩٧ والبلد الأمين ص ٢٩٧، والمزار لمحمد بن المشهدي ص٢٤٨ وص٥٢٨، والمحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص١٢١.

(4) الكافي، ٨/١٦٢، الحديث١٦٧

إغلاق