من سير الأطهار/ أدب ملتزم

علي الأكبر ومحبّة الحق

بادئاً «الأكبر» هو لقب هذا الشاب البطل في مقابل الأصغر....

بقلم:  العلامة الشيخ عبد الحسين صادق(*)

 

بادئاً «الأكبر» هو لقب هذا الشاب البطل في مقابل الأصغر الذي هو لقب أخيه إمامنا السّجاد زين العابدين (ع) فقد كان أصغر سناً من أخيه «علي الأكبر» بحوالي أربع سنوات.

قبل أن نودّع عليّاً الأكبر في ميدان القتال، ميدان الشرف والتضحية من أجل الدين والخلق الإنساني الكريم، يجمل بنا ان نستحضر صورة هذا الشاب الذي أبكى والده (ع) حتى كادت روحه تبلغ التراقي، وهو صاحب القلب الكبير الجلود والصبّور. صورة نرسمها بثلاثة أمور:

أولاً: بالخلق الكريم، وثانياً: بالشّجاعة، كصفة مميّزة أبداها في كربلاء، وثالثاً: بالوسامة وجمال الصورة.

أمّا عن جماله ووسامته فتشير إليها كلمة الحسين الذهبية في حق ولده (ع)، حينما برز إلى القتال: «برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك، وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك (ص) نظرنا إلى وجهه..»(1) إذن، علي الأكبر (ع) يحكي صورة جدّه الرسول (ص)، فهو وسيم جميل، لأنّ جمالَ الرّسول (ص) معروف ومتسالم عليه، وقد تغنّت به الشّعراء… هذا حسان بن ثابت يقول في جماله:

وأحسن منك لم ترَ قط عيني                  وأجمل منك لم تلد النّساء

خلقتَ مُبرّءاً من كل عيبٍ                      كأنّك قد خلقت كما تشاء(2)

وأمّا عن شجاعته فقد ورث شجاعة الهاشميين. هذا جدّه أبو طالب، من قال فيه الرسول (ص): «لو أنّ أبا طالب ولَدَ النّاس لكانوا شُجعاناً»(3). وهذا «حمزة» عمّ الرسول أسد الله، وهذا جدّه عليّ بن أبي طالب (ع) ـ قالع باب خيبر وقاتل مرحب وعمرو بن عبد ودّ وصناديد قريش ـ رمز البطولة والشّجاعة، وهذا والده الحسين (ع) مثال الإباء والفروسية والصلابة في الحق؛ هذا من جهة أبيه.

أمّا من جهة أمّه فهي ليلى بنت أبي عروة بن مسعود الثّقفي من قبيلة ثقيف. وثقيف لها مكانتها وسطوتها بين القبائل العربية؛ ومن أعلام هذه القبيلة عروة بن مسعود الثقفي جدّ أمِّه ليلى.

وهو أحدُ العظيمين اللذين عناهما المشركون في قوله تعالى: “وقالوا لولا نزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم “[الزخرف: 31] أي لِم نزَّل الوحي على النبي محمّد (ص) ولم ينزل على واحد من الرجلين؟ وهما الوليد بن المغيرة ـ الذي نزل فيه قول الله تعالى: ” ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا “[المدثر: 11] ـ وعروة بن مسعود. ويتضح من ذلك أنّهما كانا أبرز شخصيتين في العرب جميعاً.

وما ينبئ عن مكانة هذا الرجل ـ أي «عروة» ـ في قومه أنّ قريشاً أرسلته في صلح الحديبية لعقده مع الرسول (ص). وقد أسلم في السنة التاسعة للهجرة عندما دخل نور الاسلام إلى قلبه، تحرّك على ضوء الدّين القويم بكلّ ثقة وجرأة ورجع إلى قومه يدعوهم إلى دخوله واعتناقه.. فاعتلى مكاناً مشرفاً وأطلّ على قومه وأشهر إسلامه أمامهم ودعاهم إلى الاسلام، فما كان من قومه إلا أن رَمَوه بالسهام، فأصابه سهم، وسقط على الأرض، وطلب وهو يجود بنفسه أن يُدفن مع الشّهداء الذين سقطوا بين يدي رسول الله (ص)، ودُفن معهم ونال وسام الشهادة. وقال الرسول (ص) في حقّه: «مثله كمثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه»(4).

ومن أعلام هذه القبيلة، المختار بن أبي عبيدة الثقفي الذي انتقم لشهداء كربلاء، وهو ابن عم أبي مرّة الثقفي والد ليلى أم علي الأكبر (ع).

والشّاهد من ذلك أن علياً الأكبر (ع) يتحدّر من جهة الأب من أسرة بني هاشم الذائعة الصيت في شجاعتها، ومن جهة الأم من أسرة  ذات مكانة وسطوة في العرب، وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:

يا نجعة الحيّين هاشم والندى                وحمى الذّمارين العلى والسؤدد

فصفة الشّجاعة متأصلة في شخصه الكريم أيضاً.

وأمّا عن خلقه، فخُلْقُه يحكي ـ كما شهد أبوه الحسين بذلك ـ أخلاق جدّه الرسول (ص) معجزة الخلق الإنساني، وقد نوّه القرآن الكريم بهذا الإعجاز العظيم في آية مشرفة خالدة: ” وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ” [القلم: 4].

من جملة ما يتمتع به هذا الشّاب، صفة حبّه وانصياعه للحق أينما كان. هذه الصفة التي تنضوي تحتها كلّ الصفات النّبيلة، كانت محوراً في مجموع أخلاقه الفاضلة.

حبه للحق وانصياعه وإذعانه للحق توضحه هذه الحكاية وهذا المشهد: ذكر الطبري(5) وغيره من أصحاب السيَر والتّواريخ عن «عقبة بن سمعان» من أصحاب الحسين (ع) أنه قال: «في سحر الليلة التي نزلنا فيها بقصر بني مقاتل، أمرنا الحسين بالاستقاء ثم ارتحلنا فبينما هو يسير، خفق الحسين (ع) برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون والحمدلله رب العالمين» ثلاثاً. وكان عليّ الأكبر (ع) بالقرب منه على جواد، فتقدّم من أبيه وقال له: «جُعلْتُ فداك يا أبه، استرجَعْتَ وحمدت الله، لم يا سيدي؟ قال: «بُنيّ خفقت براسي خفقة فعنّ لي فارس يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا قد نعيت إلينا. وكانت الإجابة من هذا الشاب الخلوق الواثق من نفسه إجابة حاضرة وسريعة: «أبي أولسنا على الحق؟» قال: «بلى، بنيّ، والذي إليه مرجع العباد. قال: «إذن لا نبالي أن نموت محقين».

وفي رواية أخرى: «إذن، لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا». قال (ع): «جزاك الله من ولد خير ما جزي ولد عن والده».

فنلاحظ أن رعاية الحق واجب مقدّس عند علي الأكبر (ع)، وحبً الحقيقة حاضرٌ في ذهن وقلب ووجدان هذا الغلام الوسيم المؤمن الخلوق. ما أروع أن تكون الحقيقه في عيوننا وعيون الناس! كم يحظى المجتمع بفوائد لو أن الآباء استطاعوا أن يغرسوا حب الحق والحقيقة في نفوس أبنائهم وهم يدرجون على مسرح الحياة، ينمون وحبّ الحقيقة والصّدق والنّزاهة والاستقامة ينمو
معهم ويوجّههم في أعمالهم ومواقفهم وتفاصيل حياتهم. إذن؛ لوفر المجتمع
على نفسه حينئدٍ الكثير من السلبيات و«الهرتقات» لأنَّهُم سوف يتوحدون ويلتقون في شيء جوهري ثمين ساحر ينصفهم جمعاً، ويحفظ حقوقهم وكراماتهم ويدفعون به الكثير من السلبيات التي يمكن أن تعترض مسيرة حياتهم الشخصية ومسيرة مجتمعهم.

التلوّن والمداراة والزيف والممالأة مع هذا اللّون وذاك ومع هذا الخط والآخر بغرض الوصول إلى الهدف كيفما كان… هو نقيض محبة الحق والحقيقة!. كلّما كان الإنسان أقرب إلى رعاية الحق والاستئناس بجماله، كانَ أقرب إلى الحياة الفاضلة، وأقرب إلى تحقيق الأماني والأهداف النّبيلة.
ومهما كانت عظيمة وباهظة الثّمن كتحرير الأرض المباركة. كلما اقتربنا من محبة الحق وجمال الحقيقة ورعيناها حق رعايتها ـ لا نبرّر بالغاية الوسيلة ولا نعطي لكل ظرف لبوسه ـ كنّا أقرب دائماً إلى تحقيق أهدافنا وأمانينا، وأقرب إلى الله تعالى…

هذه صفة محورية في شخصية هذا الشّاب الصلب الخلوق الشّجاع. هذا الشاب الذي رسمنا صورته في الإجمال بما استطعنا أن نقتطفه من كتب السير التي لم تذكر الكثير عن حياته. كان له في الساحة الإسلامية مكانة مميزة وحضور واسع، بدليل أنّ معاوية قال لجلسائه مرَّة: «من أحقّ الناس بهذا الأمر؟ (يعني الخلافة) قال المتزلفون:» أنت يا أمير المؤمنين «قال: «لا». قالوا: من؟» قال: «أولى الناس بهذا الأمر عليّ بن الحسين بن عليّ، جده رسول الله؛ وفيه شجاعةً بني هاشم وسخاء بني أميّة وزهو ثقيف»(6). إنَّه كلام داهية.. كلام سياسي محترف. هكذا يلعب الساسة المحترفون بالكلام لتضليل الرأي العام وخدمة أغراضهم ومصالحهم الفئوية والذاتية. معاوية بكلامه هذا يحاول تمرير عدَّة أمور:

الأول أن يغطّي على العيب الفاضح عند بني أميّة وهو البخل. فهذه الأسرة معروفة أنّها تتعاطى التجارة، يعني كلّ شيء عندهم قائم على الحسابات والأرقام. فنفسيّة التاجر كثيراً ما تكون مبنية على الحسابات والأرقام.

وبنو هاشم حساباتهم مُثُلٌ وقيمٌ: إعانة الضعيف، إغاثة الملهوف، نصرة المظلوم، انتصار للحق والفضيلة بكل خصالها، فلا بدّ وأن يكونوا كرماء،  هذا جدّهم هاشم كان ساقي الحجيج ومطعمهم. مائدته مبسوطة على الدوام تستقبل الناس في السراء والضراء، وهو الذي كان وراء اتساع تجارة قريش وامتدادها إلى الشام واليمن، بما رآى منه قيصر حين نزل عليه من جمال الخلق والبصيرة والكرم، فتعهد له بتأمين الطريق التجاري. ورغبت الكثير من رؤساء القبائل والأعيان من أهل الشام واليمن في مشاركته لما اشتهر من أمانته وكرمه في إعطاء الربح وتدفق الخير على قريش والقبائل العربية. وإلى هذا الانفراج والرواج الاقتصادي الذي تسبَّب عنه «هاشم» أشارت الآية المباركة: “لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ” [قريش: 1 ـ 2]. وأمّا عبد المطلب جدّ النبي وهو الملقب بـ «شيبة الحمد» لاتفاق الناس جميعاً على حمده والثناء عليه، فقد كان مفزعاً لقريش في الملمّات وملجأً لهم في النوائب والمصاعب، واشتهر بجوده وكرمه حتى لُقِّب بـ «الفيَّاض». ومن خصوصيّات مائدته أنّ طعام الوافدين إليها كان يحمل بعد انصرافهم إلى جبل ابي قبيس القريب من الكعبة لتأكل منه الطيور والوحوش. فطعامه يفيض ويشبع حتى الطيور والوحوش الجائعة.

وأمّا رسول الله (ص) فهو القمّة في كلّ الصفات الإنسانية، ومنها الشّجاعة والكرم.. كان لا يقول لسائل «لا» أبداً. وعن كرم علي (ع) يقول معاوية نفسه: «لو ملك بيتاً من تبر (اي ذهب) وبيتاً من تبن، لأنفق تبره قبل تبنه..»(7) الحسن (ع) يخرج مرتين من كل ماله ويتقاسم ماله بالتسوية مع الفقراء ثلاث مرات، ولُقِّب بكريم أهل البيت لاشتهاره بالكرم. والحسين (ع) لا يحسب للمال حساباً.. يعطي السائل من خلف الباب كي لا يرى ذلّ السؤال في وجهه.. عبدالله بن جعفر مَضرب المثل في الكرم .. له مع الكرم حكايا مذهلة، وعلى هذا قس رجالات هذه الأسرة الشريفة.

من هنا نلتفت إلى أنّ معاوية أراد باختيار صفة الشجاعة كأبرز صفة لبني هاشم أن يخفي صفة الكرم التي اشتهروا بما كذلك، وباختياره صفة الكرم ابني أميَّة أن يخفي عيب البخل الذي عُرف عنهم.
والأمر الثّاني: أراد من طرح اسم عليّ الأكبر (ع)، (وأبوه الحسين موجود في الساحة الاسلامية ملء العين والبصر، «ريحانة» رسول الله كما ورد عن الرسول (ص): «اللهم إني أحبه فأحبه…» «سلمٌ لمن سالمكم». قالها مرَّة له ولأخيه الحسن ولعليّ والزهراء، وهم مجتمعون أمامه «وحربٌ لمن حاربكم».. «سيّد شباب أهل الجنة»… «حسينٌ مني وأنا من حسين». وكثيراً ما كان
يضمّه إلى صدره ويقبّله في نحره. هذه الأوسمة دخلت كل بيت من بيوت المسلمين، وصار الحسين معروفا كشخصيّة لامعة عند الكلّ هذا كله يثير حقد معاوية والأسرة الأموية التي بيدها مشروع الاجهاز على الدّولة الاسلامية وإعادة الدّولة الجاهليّة مكانها باسم الاسلام. فهو بأيّ شكل من الأشكال يريد التّشويش على هذه الشّخصية اللامعة، التي استقطبت المسلمين بسيرتها وتزكية القرآن والأحاديث الشريفة لها. فمثل هذا الكلام الرخيص المدروس الذي قاله معاوية لجلسائه من أهل الشام، يثير ولو شيئاً من التّشكيك في النّفوس تجاه الحسين ولياقته المطلقة للخلافة، أي أنّ هناك من هو أفضل من الحسين (ع) للخلافة، وليس بالضرورة أن يكون الحسين (ع) هو الخليفة على ما هو المتسالم عليه بين المسلمين لو خلّي الأمر إليهم لِما ورد في حقّه من آيات، وسمعوه عن جدّه من أحاديث مثل: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا» أي إنَّ هناك من هو جدير لها في مقابله، وهو ولده على الأكبر (ع)، وثالثاً: وهو أخبث وأدهى ما في طرحه.. الإيحاء لمجتمع المسلمين بأنّ الخلافة ليست بالنّص والعلم والعصمة، بل يكفي في استحقاقها وجود بعض الصفات والميزات في الشخص الذي يسعى إليها كالكرم والشجاعة والمنزلة الاجتماعية وما إلى ذلك، وبذلك أي بإزاحة العلم والعصمة والنّص كشروط أساسية لاستحقاق الخلافة؛ فلا مانع إذن، أن يكون هو خليفة للمسلمين. هذه هي الغاية الخبيثة من وراء كلامه.. لعبة وهرتقة من محترف سياسي.. ولكن هيهات أن يستر الشمس بكفّه!.

والذي نريد أن نقوله، أنّ معاوية ما اختار عليّا الأكبر من فراغ وما رشّحه خليفة دون غيره من رجالات المسلمين بمن فيهم شخصية أبيه الحسين، أرواحنا له الفداء. لولا أن يكون لعليّ الأكبر (ع) مكانة مرموقة وحضور اجتماعي واسع في الساحة الإسلامية وصل ـ حتى إلى أهل الشام الذي مرّر عليهم معاوية هذه المقولة في إحدى جلساته معهم.

إذن، شخصيّة علي الأكبر كانت شخصية معروفة في الساحة الإسلامية، معروفة بأخلاقها وصفاتها الفاضلة.. رغم أنه (ع) ما زال في ريعان الشباب ومقتبل العمر.

وبعد أن نسجّل من صفاته (ع) الخلق الإنساني الرفيع والجمال والوسامة والشّجاعة، لا ننسى أن نضيف إليها البلاغة والفصاحة مستندين في ذلك إلى نفس المقولة الذهبية التي قالها أبوه (ع) في حقِّه : «حُقاً وخلُقاً ومنطقاً». أي فعلي الأكبر أشبه الناس منطقاً برسول الله (ص) وقد
قال الرسول (ص): «أنا أفصح من نطق بالضاد…»(8).

قال الشاعر:

وتراه في خلق وطيب خلائق              وبليغ نطق كالنّبي محمّد

وبهذا يتبين لنا كم كان هذا الفارس الشاب فصيحاً وبليغاً ومفوّهاً.

عليّ الأكبر (ع) كان سلوى لبني هاشم يذكِّرهم بصورة رسول الله. تشعر أسرة الحسين (ع) ويشعر الهاشميون جميعاً بوجود عليّ الأكبر أنّ رسول الله موجود بينهم.

هذا الشاب الذي تحلّى بهذه الصفات والفضائل الكريمة، سُجّلت له كربلاء مشاهد بطوليّة ومشرّفة:
ففي الليلة الثامنة من شهر محرّم وقد قُطع الماء عن مخيم الحسين (ع)، بعثه أبوه على رأس ثلاثين فارساً إلى المشرعة ليأتي بالماء، فاقتحم الأهوال ورجع بالماء. ومن هنا خصصت ليلة الثامن من محرَّم في المآتم الحسينية لعليّ الأكبر كما أشرنا، وللسبب نفسه خصصت ليلة السابع لبطل المشرعة ساقي عطاشى كربلاء أبي الفضل العباس (ع).

وله موقف شامخ آخر وذلك حين أرسل إليه ابن سعد نفراً من جنده يعرضون عليه الأمان والخروج من معسكر أبيه الحسين سالماً بعد ان اشتدّ الحصار، ورفرت أجنحة الموت على المخيم، قائلين له: «إنَّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد ونريد أن نرعى الرحم». وهم يشيرون بذلك إلى التقاء علي الأكبر في النسب مع يزيد من ناحية جدّته ميمونة أمّ ليلى، فميمونة أخت معاوية فتكون عمّة يزيد، فيزيد ابن خال ليلى أمّ علي الأكبر. غير أنّ هذا الفرع  الهاشمي الغيور هبَّ في وجههم كالأسد الغاضب قائلاً لهم باحتقار: «إنّ رحم رسول الله أحرى بأن يُرعى من رحم ابن آكلة الأكباد!» وأمّا عن فروسيته وشجاعته في ميدان الحرب والمعركة فقد ذكّرهم ببطولات جدّه علي بن أبي طالب حتّى ظنّ العسكر أنّ علياً قام من قبره يقاتلهم.

لفَّ الوغى وأجالها جول الرّحى        بمثقف من بأسه ومهنَّدِ(9)

قتل منهم كما تقول السير مقتلةً عظيمة. شابٌّ في مقتبل العمر أعطته قوة الإيمان والثقة بالنّفس ومعرفة الغاية والهدف ـ وهي محبّة ورضا الله وممارسة القيم والمثل ـ قوة خارقة يستطيع المرء بها أن يواجه الجبال. هذا الشَّابُ لم تزل صورة أبيه في قلبه، عندما اصطكت الرّماح واشتبكت السيوف أمام وجهه، أحبَّ أن يجدّد العهد بأبيه وبوجهه المشرق الحاني، فهو يجدّد عهد أبيه بتلك
الصورة المشرقة قبل أن يرحل عن الدّنيا إلى الرفيق الأعلى. رجع (ع) وقلبه يلتهب عطشاً:

ويؤوب للتوديع وهو مكابِد                          لظما الفؤادِ وللحديدِ المجهدِ

يشكو لخير أبٍ ظماه وما اشتكى               ظمأ الحشا إلاّ إلى الظّامي الصّدي

طلب من أبيه جرعة ماء، ولكن ما عسى أبوه (ع) أن يفعل، تقدّم إليه وعانقه ووضع لسانه في فمه ربما ليقول له: .. إني لست أحسن حالاً منك يا ولدي … لساني يابس، وقلبي كقلبك ملتهب:
كلٌ حشاشته كصالية الغضا                                 لسانه ظمِأ كشقّة مبرّدِ(10)

اذهب يا بنيّ! وودّع أمّك ليلى، وعد إلى الميدان، فلعلّ جدّك يسقيك من كأس لا تظمأ بعدها أبدا..
«الجنّة تحت أقدام الأمهات»(11. ووجود الأم في المنزل كنزٌ عظيم. على كلّ ابن أن يعرف ذلك، فأمّه خير وبركة له في الدّنيا، وإن بمجرّد الدعاء الصالح له وقد ورد أنّ دعاء الأم مستجاب بحق ولدها؛ وكذلك هي خير وطريق إلى السعادة في الآخرة وذلك إذا عمل على كسب رضاها والبرّ بها.
وبعد أن عانقها وأكَّد على طلب رضاها، عاد إلى أبيه الحسين (ع) ليلقى نظرة أخيرة على ذلك الوجه الحبيب ويذرف دمعة الأسى والفراق. خرج إلى الميدان للمرّة الأخيرة ليحوز على الشّهادة الموعودة:

حتى إذا ما غاص في أوساطهم                    بمطهّم قبّ الأياطل أجرد 

يحمل على أعدائه كالأسد الغاضب، يقاتل شمالاً ويميناً، ويغوص في أوساطهم، يبدد شملهم ويفتك بفرسانهم، رغم عطشه وجراحاته وثقل الحديد الذي يحمله، وبعد أن ضج المعسكر من كثرة ما قتل منهم:

عثر الزّمان به فغودر جسمُه                       نهب القواضب والقضا المتقصّد

احتوشته السيوف، فاعتنق فرسه وظنّ أنّه سيحمله إلى معسكر أبيه (ع). وعادة الفرس الأصيل إذا ضعف الفارس عن القتال أن يعود به إلى مأمنه، إلى أهله، إلى معسكره.. لكنّ الدّماء النّازفة من جسد علي الأكبر(ع) سالت على عيني الفرس فغطَّتها، ولم يعد يعرف طريقه، فحمله إلى معسكر الأعداء، فقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً.. هناك نادى برفيع صوته وقد استجمع باقي حشاشته، ومهجته لتلفظ أعذب كلمة: «أبتاه عليك منّي السّلام». تصوّرُ حال والده روحي فداه حين سمع صوت ولده المتقطع يناديه ويستغيث به..

أقبل إليه، رآه بتلك الحالة مقطعاً إرباً إربا، رمى بنفسه على ولده، اعتنقه وتمدّد على الأرض إلى جانبه: «بنيّ، على الدّنيا بعدك العفا، قتلوك! وقد عرفوك وعرفوا من جدّك وأبوك. ما أجرأهم على الرحمن وانتهاك حرمة الرسول!» يقول التّستري 5: «هناك في هذا المشهد كادت روح الحسين أن تبلغ التراقي، لولا أنّ زينب سلام الله عليها تداركت الموقف واستطاعت أن تصل إليه.

ثم التفت إلى شباب بني هاشم وأمرهم بحمل إلى ولده المخيم .. أقبلوا إليه.. كلما حملوا منه عضواً سقط العضو الآخر، فحملوه ببساط .. والحسين يمشي خلفهم يرمق فلذة كبده المبضّع إرباً إربا بطرف عينه، ويهمل الدّموع.


المصادر:

(❋) من كلمة ألقاها في ذكرى عاشوراء في النادي الحسيني لمدينة النبطية.

(1)  المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التّراث العربي (بيروت)، ط٣، (١٩٨٣م)، ج٤٥؛ ص ٤٣.

(2)  الأبشيهي، المستطرف في كل فن مستظرف، دار ومكتبة الهلال، ج٢، ص ٤٢٨.

(3) ابن حمدون، التذكرة الحمدونية، دار صادر للطباعة والتشر، ط١، ١٩٩٦م، ج٢، ص٤٧١.

(4)  ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت لاط، ج١، ص٣١٢.

(5)  ج٦، ص٢٣١.

(6)  بحار الأنوار، مصدر سابق، ج٤٥، ص٤٥، وعلي الأكبر (للمقرّم) عن مقاتل الطالبيين ص٣١.

(7)  الأمين، محسن، أعيان الشيعة، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لاط، ج١، ص٣٣١.

(8)  الشهيد الثاني، المقاصد العملية في شرح الرسالة الألفية، مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي، ط١، ١٤٢هـ، ص ٢٥٥.

(9)  من دالية علي  الأكبر للمقدّس الشيخ عبدالحسين صادق (ره)، وقد بلغت قصيدته شهرة واسعة ودارت على ألسنة قراء العزاء وتدارسها بعض النّقاد حتّى قيل فيها: «إنّها أجمل ما كتب في علي الأكبر (ع)».

(10)  من دالية علي الأكبر المذكورة في هامش سابق.

(11)  الشوكاني، نيل الأوطار، دار الجيل، بيروت، لاط، ١٩٧٣م، ج٧، ص٤.

إغلاق