وهدوا إلى صراط الحميد

قصة إسلام البروفيسور جيفري لانج

أستاذ الرياضيات في جامعة كانسس في الولايات المتحدة الأمريكية

 

إنَّه القرآن الكريم، كلام ربِّنا تعالى، الَّذي جعله الله تعالى هدًى وشفاءً، والَّذي ما صادف آذاناَ واعيةَ وقلوباَ لم تتكدَّر سماءُ فطرتِها بالغيوم إلاَّ وأذْعن صاحبُها، في خضوعٍ واستِسلامٍ طالباً العزَّة بالإسلام في الدنيا والآخرة.

وهذا الَّذي حدث مع البروفيسور جيفري لانج، أستاذ الرِّياضيات في جامعة كانسس في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، والَّذي وُلِد لأسرة كاثوليكيَّة.

جيفري لانج

فقد بدأ الثَّمانية عشَر عامًا الأولى من حياتِه في تنقُّل بين المدارِس الكاثوليكيَّة، تلك الرحلة التي جعلت كمّاً كبيراً من الأسئِلة عن الإله والدِّين تتراكم لديْه، بعد عجْز ديانته عن الإجابة عليْها؛ ممَّا دفعه رأساً إلى الإلْحاد والخروج عن مقْتضيات العقْل والفِطْرة، في رحلةٍ من الصِّراع بين حاجته غير المشبعة روحيّاً وما يُحيط به من بيئةٍ، زادت من حيرة نفسِه المتشوِّفة للهداية، ثم بعد ذلك الصِّراع المرير هُدي إلى الإسلام الذي احتضن نفسَه المضطربة، وأظلَّه بإشباع حاجتِه الرُّوحيَّة بمعقولات تتقبَّلها نفسيَّةُ وعقليَّة رجُل الرياضيَّات والأرقام والنظريَّات.

يقول: «مثْل كثير من أبناء فترة الستينيَّات والسبعينيَّات، كان لديَّ الكثير من التساؤلات حوْل القِيم الدينيَّة والسياسيَّة والاجتِماعيَّة السائدة في ذلك الوقت، شعرتُ بالتمرُّد على كافَّة تلك القِيَم التي يقدِّسها المجتمع، بما فيها تلك القِيم الكاثوليكيَّة».

ويشير د. جيفري لانج عقِب ذلك إلى أنَّ هذه التساؤُلات دفعتْ به إلى فترة من الإلحاد، قبل أن يهتدي إلى الإسلام الَّذي أرشده إلى الحقائق الَّتي ظلَّ يبْحث عنْها حول الإلَه والكون.

الإسلام الَّذي وجد فيه بيانًا لحقيقة الرَّبِّ ـ سبحانه ـ حيثُ عثَر على طوْق النَّجاة من خلال بعْض الأصدقاء المسلمين، عند عملِه كمحاضر في جامعة سان فرانسيسكو الأمريكيَّة.

فقد ألقى بما في جُعْبتِه من تساؤُلات على زملائِه، الَّذين تعجَّب من وفْرة الإجابات لديْهِم عن كلِّ ما دار بخلَدِه من أسئلة.

ويذكر د. جيري لقاءَه بطَّالب أهْداه نسخةً من القُرآن وبعض الكتُب الإسلاميَّة، وأنَّ هذا كان له الأثَر البالغ في رحلته إلى الإسلام. ويذكر أنَّه بمجرَّد أن قام بقراءة القرآن وجد نفسَه يهْرَع إلى مسجد الجامِعة مسلِماً.

ويؤكِّد أنَّه كان يجد إجاباتٍ لكلِّ ما يدور بخلدِه من تساؤلات، بل إنَّ ما يَدور بذهْنِه في المساء يقع على إجابةٍ له في الصَّباح، وكأنَّ القرآن يقرأ أفكارَه ويسارع في إجابتها، فقد عثر على ذاتِه وحقَّق ما كان يبْحث عنْه من الرِّضا الروحي.

ويؤكد د. جيفري على التِزامِه تعاليمَ الإسلام ومواظبته على الصلوات الخمس، وخصوصاً صلاةَ الفجر، الَّتي يرى أنَّها من أجمل وأفضل عبادات الإسلام، والتي يقول في شأنها: «تشعُر فيها كأنَّك انتقلت من هذا العالَم واتصلت بعالم الملائِكة؛ لتشاركها تسبيح الله تعالى وتقديسَه».

وعندما سُئل عن كيفيَّة التغلُّب على صعوبة قراءة القُرآن بالعربيَّة، والَّتي تختلف عن لغتِه الإنجليزيَّة، أجاب د. جيري إجابة نابعةً من أعماق قلب تغلَّف بالإيمان وتخلَّله القرآن قائلاً: “ألا يشعُر الطفل بالرَّاحة إذا ما اسْتمع لصوت أمِّه؟!».

أي: بالرَّغم من أنَّه لا يفقه لُغَتها إلا أنَّه يشعر بالارتِياح لسماع صوتها.

فهو يقْرأ القرآن ويحفَظ ترجمةَ معانيه، وبيان مقاصده، من خِلال النُّسخ المترجمة، إلاَّ أنَّ هذا لم يُفْقده لذَّة ومتعة القُرآن بالعربيَّة التي تأخذ بقلبِه ولبِّه.

هكذا حالة د. جيفري مع القُرآن، حيث أكَّد أنَّ قراءتَه تمدُّه بقدر كبير من الرَّاحة والقوَّة لمواجهة الأوقات العصيبة.

وفي بيان تفوُّق الإسلام على غيره من المِلَل يؤكِّد د. جيفري أنَّه من الصعب على عقْل لا يقبل إلاَّ الحقائق العقليَّة أن يؤمِن بالأديان الأخرى؛ لاعتِمادها على الإيمان بمسلَّمات لا تخضع للعقل، ولكن الإسلام يتميَّز بمخاطبة العقل.

ويحكي لنا قدراً عن حياتِه الحالية بعد الإسلام، فيشير إلى أنَّه يتولَّى منصب الاستِشاري في جمعيَّة الطلاب المسلمين، والتي تشكل قناة التَّواصل بين الطلاب المسلمين وإدارة الجامعة.

وبدوره يقوم د. جيفري بالحصول على موافقات لعقْد محاضرات حول الإسلام، كما أنَّه يقوم بمساعدة الطلاب المسلمين في التواصُل مع الثَّقافة الأمريكيَّة، بالإضافة إلى الإسْهام في إتمام إجْراءات الالتِحاق بالجامعة، وهذا إلى جانب عمله على تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الإسلام.

وقد تزوَّج د. جيفري من امراةٍ مسلِمةٍ، وقام بتصْنيف عددٍ من الكتُب حول الإسلام، والَّتي تحقِّق مبيعات جيِّدة بين صفوف المجتمع الإسلامي في الولايات المتَّحدة.

ومن بين هذه المصنَّفات كتاب «أيضًا الملائكة تسأل: رحلة إلى الإسلام في أمريكا»، حيث يقوم د. جيفري بمشاركة القرَّاء في الوقوف على ما تبيَّن له من روْعة الإسلام خلال رحلتِه واكتشاف ذاته مع الإسلام، وكتاب «نداء استغاثة»، والَّذي يقصُّ فيه رحلته من الإلحاد إلى الإسلام بالتَّفصيل.

وعندما سُئل عن تأثير الإسلام على حياتِه، أشار د. جيفري إلى أنَّه ولأوَّل مرَّة في حياته يستطيع أن يعيش حالةً من الحبِّ مع كلِّ شيءٍ، والَّتي كان فيها للإسْلام والقُرآن والصَّلاة الأثر البالغ.

وبالنسبة لخدمةِ الإسلام، فقد أكد د. جيفري على أنَّه يَجب على المسلم تقديم الإسلام للآخَرين، وإظهار حسن سلوكِه في التَّعامل معهم، فالله ـ تعالى ـ قد أخبر نبيَّه (ص) أنَّ الهداية بِيَد الله ـ سبحانه ـ وأنَّه ما عليه سوى البلاغ.

 

إغلاق