أسرة ومجتمع / صحة

كيف نستثمر الفراغ (الجزء الثاني)

نسأل أولاً هذا السؤال: هل هناك شيء إسمه وقت الفراغ؟

بقلم: العلامة السيد حسين إسماعيل الصدر

 

نسأل أولاً هذا السؤال: هل هناك شيء إسمه وقت الفراغ؟

نستطيع أن نقول: لا، لأنّ الإنسان حينما يفرغ من عملٍ ما، فإنّـه سينشغل بعمل آخر ربما أقلّ أهمية، وربما أكثر أهمية، فحق اللعب هو لون من ألوان العمل غير المنتج، وقد يكون منتجاً في مردوده النفسي على اللاعب.

وعلى أيَّة حال، فإنّ الإسلام يعطي للإنسان الساعة التي يروِّح فيها عن نفسه وعن أهله ويمارس فيها ملذّاته، بل يعطي لهذه الساعة قيمة وأهمية كبيرة، لأنَّها المعينة على ساعات العمل والعبادة، لكــنَّ الفراغ الذي نتحدّث عنه هو ليس هذا، إنّما هو الوقت الضائع المضيّع، أي الوقت الذي يتهاون فيه الشاب أو الشابة في مسؤولياتهما الحياتية والرسالية، فيعيشان حالة من الوقت العابث السلبي العاطل غير النافع.

وغالباً ما يقع الفراغ حينما نبعثر أوقاتنا ونتركها رهن الفوضى وعندما نجهل قيمة الوقت في أنَّه يمكن أن يكون فرصة لطلب العلم، أو لتعلُّم مهارة جديدة، أو لتصحيح مفاهيم خاطئة، أو لِنَفع عباد الله، أو لقضاء حاجة مؤمن، أو للإطلاع على قضايا عالمنا، أو لتنمية ما اكتسبناه من معارف سابقة، أو للتعرف على أخٍ في الله جديد، أو لتوطيد علاقة قديمة مع صديق وهكذا…

حتى لقد اعتبر الوقت غير المستثمر خارج نطاق العمر، ذلك أنّ العمر الحقيقي هو عمر المزرعة الذي ورد في الحديث، فهل عاقل من لديه أرض واسعة وصالحة للزراعة ويتركها بوراً؟!

يقول أحد العلماء: إنّني أقرأ كثيراً فإذا تعبت من القراءة، فإنّني أستريح بالقراءة وقد فسّر ذلك بقوله: إنّني أميل لقراءة الكتب العلمية الدسمة، لكنني حين أتعب من قراءتها ألتجئ إلى قراءة الكتب الأدبية أو التاريخية لأتخفف من تعب القراءة العلمية…

أنظرُ إلى من حولك.. ألا تحترم ذاك الذي يقف في انتظار دوره أمام دكان، أو بانتظار الحافلة، أو عند الطبيب وتراه حاملاً كتابه يقرأ فيه؟

ألا تحترم من يستذكر في أثناء طريقه قصيدة، أو سورة من القرآن لا يريد أن ينساها، أو يُردد بعض الأذكار التي تزيد من ارتباطه بالله (سبحانه وتعالى)؟

ألا تكنّ الإحترام والتقدير لمن يحمل في جيبه دفتراً صغيراً يدوّن فيه حكمة قرأها في صحيفة أو معلومة حصل عليها بالصدفة أو رقماً مهماً عثر عليه هنا أو هناك يُعينه في الإستشهاد به والتدليل على ما يقوله، أو يُسجل فكرة طرأت على ذهنه ويُحاذر أن تفوته أو أن ينساها؟..

إنَّ أجهزة الهاتف التي تُلحق بها مسجلة لاستلام الرسائل الصوتية، ومُفكّرات الحائط التي توضع عند أبواب بعض المنازل يُسجل عليها الزائـر ملاحظاته حينما لا يجد صاحب المنزل، دليل على اهتمام صاحبها بما يجري في غيابه.

وإنّ الذي يُطالع الصحف يومياً ويُتابع نشرات الأخبار يومياً، ويزور هذا الموقع على شبكة المعلومات ـ (الإنترنت) ـ أو ذاك ليتعرف على ما يجري من حوله في عالم متغير، هو إنسان حريص على أن لا يُلقي وقته كورقة مهملة في سلة المهملات، إنّه يشعر بالإنقطاع عن العالم إذا لم يواكب حركة العالم، ولو حصل وانقطعت متابعته لَشعرَ بالغربة، أو بالوحشة، أو بفقدان شيء ثمين.

لقد اكتشف أبناء إحدى القرى امرأة أمّية تعلمت القراءة والكتابة في وقت متأخر بدون معلم، وحينما سُئلت، قالت:

لقد شعرتُ بوقتٍ ثمينٍ جداً ضاع مني، فحاولتُ تعويضه، ولذا كنـتُ أسترق السمع والنظر إلى ابنتي الصغيرة، وكنت ألتهم معها كل دروسها..

لذا ينبغي أن تُسقط العبارات التالية من قاموس حياتنا:

ـ قد فاتني القطار.

ـ لم يعد في العمر متّسع. لقد شِخت وتعذّر القيام بذلك.

ـ ما فائدة العمل الآن؟.. لقد ضاعت فرص كثيرة … إنَّ الحظ يُعاكسني دائماُ.

ـ لقد سبقني إلى ذلك كثيرون… لم يعد لي مكان.

ـ جرّبت وفشلت، لا داعي لتكرار التجربة..الخ.

علينا أن نستبدل تلك العبارات بالعبارة التالية:  هناك دائماً وقت للعمل قبل الموت.

أما مقولة (تعويض الوقت الضائع) فهي غير دقيقة، فالوقت الضائع لا يعوَّض، والأداء غير القضاء، والتمنّي أن يعود الشباب بعد أن رحلت أيامه أمنية كاذبة يُردّدها الشعراء ولا إمكانية لتحققها في الواقع، وما فات مات، ولكن يمكن للشاب أو الشابة أن يتفاديا المزيد من التقصير، والمزيد من التضييع بأن يعضّا بأسنانهما على المتبقي من الأوقات، فلا يدعانها نَهب اللهو والعبث والاسترخاء العاطل. لقد ثبت بالتجربة أنَّ الكسل والبطالة والفراغ عوامل داعية للانحراف والفساد، وفي ذلك يقول الشاعر:

إنَّ الشباب والفراغ والجِدّة          مفسدة  للمرء أيُّ مفسدة

وينبغي بعد ذلك أن تُفرّق بين فراغ لا فائدة فيه، وتفرّغ للمراجعة والنقد الذاتي، والخلوة مع النفس، أو أخذ إجازة لتجديد النشاط، فهذا من العمل وليس من الفراغ، وهو شيء محبب ومطلوب، لأنَّه من الأوقات التي تدرّ على الأوقات الأخرى خيراً كثيراً.

إستثمار أوقات الفراغ

هذه بعض المقترحات التي نضعها بين يدي شبابنا وشــاباتنا في استثمار أوقات الفراغ، نأمل أن يجدوا فيها عوناً على تلك الساعات التي تسمّى بالخالية:

1 ـ القراءة:

مهما قيل في أنّ أهمية الكتاب قد تراجعت خلال العقدين الماضيين في قبال المنافسات الأخرى (كالمذياع والتلفاز والصحف والحاسوب وشبكة المعلوماتية) إلاّ أنّ الكتاب مازال وسيبقى محتفظاً بقيمته للأسباب التالية:
أ ـ إعتماد تلك المنافسات عليه، فالكثير من البرامج الناجحة والمواد التحقيقية إنّما تستمد معلوماتها من الكتب ذاتها.

ب ـ القدرة على التحكم بالكتاب انتقاءً، واستعارةً، واستنساخاً، حيث يمكن لذوق القارئ وميله وحاجته أن تتحكّم في نوع الكتاب المطلوب وفي أي وقت وأي مكان وبأي كيفية.

ج ـ الرجوع إلى الكتاب لغرض الكتابة، فما دام هناك بحوث ودراسات، فالمصادر والمراجع لا تسقط يوماً ما، حتى أنَّنا نلاحظ أنَّ العديد من الأقراص الليزرية هي في واقعها كتب مؤرشفة.

وثمة ملاحظات يمكن الإفادة منها في تعميق فائدة القراءة:

1 ـ لنقرأ ما يلبي حاجاتنا الفكرية والروحية والنفسية، وأن لا نُكــره أنفسنا على القراءة، لأنّ ذلك يشبه إكراه النفس على الطعام، كما لا يصح أن نهجر الكتاب بحجَّة عدم الإقبال على قراءة الكتب فإنّ القطيعة إذا حصلت يصعب ردمها.

2 ـ إحمل قلمك حينما تقرأ، لتحتفظ ببعض الأفكار والآراء، لحين الحاجة، ويمكن أن تضع خطوطاً تحت الأفكار المهمة أو تميّزها بواسطة قلم فسفوري حتى يسهل مراجعتها دون الحاجة إلى قراءة الكتاب كله.

3 ـ إنَّ القراءة قد تنتج لديك أفكاراً غير مطروحة في الكتاب، فلا تضيّعها.. دوِّن على الفور، فقد تنفعك في مشروع فكري أو ثقافي أو أدبي.

4 ـ يمكن ـ في حالة أفضل ـ اعتماد بطاقات البحث في تدوين المعلومات مع ذكر إسم المرجع الذي اقتبسَت منه وإسم مؤلفه وتأريخه والجهة التي أصدرته مع ذكر رقم الصفحة.

غير أن القراءة لا تشمل الكتب فحسب، بل قراءة الصحف، والمجلات المثقفة المفيدة.

ويمكن إلحاق الكتابة بالقراءة على اعتبار أنَّها ثمرة من ثمارها، ففي أوقات الفراغ يمكن للشاب أو الشابة أن يُمارسا هوايتهما في الكتابة سواء في المقالة أو القصة أو الشعر وما إلى ذلك.. لنكتب ونعرض ما نكتب على أهل الخبرة، ونعمل على الأخذ بملاحظاتهم فذاك سبيل من سبل تطويـر موهبة الكتابة لدينا…

2 ـ حضور المحاضرات والندوات:

ومن بين الطرق النافعة في تعبئة الفراغ أن تُحيط علماً بالمواسم والبرامج الأسبوعية الثقافية والعلمية والأمسيات الأدبية، وما يُقدَّم من محاضرات وندوات يمكن أن تثري معرفتنا، وتُنمّي لدينا قابلية الحوار والنقد والتعرف على الآراء المتعددة.

أمّا إذا تمكنّا من المساهمة في مداخلة أو طرح سؤال على المحاضر أو المشاركين في الندوة، فإنّنا سنستفيد ونُفيد أيضاً، ففي الحديث: «ثلاثة يؤجرون، السائل والمسؤول والمُستمع لهما»، وبذلك تنمو وتزدهر شخصيتنا الإجتماعية والثقافية.

إنَّ مراقبتنا لأسلوب الطرح، وأسلوب الحوار، والمداخلات، وتوجيه الأسئلة، يعلّمنا أدب الحوار والإلتفات إلى النقاط التي تثار لمزيد من النقاش، وكيفية بحث موضوع أو مشكلة. ويمكن أن نصطحب معنا مفكرتنا لتدوين أبرز الأفكار التي تطــرح في المحاضرة أو الندوة، لتكون مادة ثقافية مدّخرة نستعين بها في وقت الحاجة.

كما يمكن أن نتعرّف من خلال هذه اللقاءات على عدد من المثقفين والأدباء والشخصيات المشاركة في مثل هذه الفعاليات الثقافية والفكرية والأدبية.

3 ـ الإستماع والمشاهدة:

وسائل الإعلام الأربع (المذياع، والتلفاز، والسينما، والمسرح) يفرض أَنَّها ليست وسائل لهو وتسلية، بل هي أدوات تثقيف أيضاً، وقد يكون التثقيف فيها مقصوداً، وقد يكون غير مقصود، أي أنّه يأتي بالضمن والسياق مما ينبغي أن نحدسه أو نُشخّصه من حال المادة المسموعة أو المرئية، فما يعرض في هذه الوسائل من مواد محلية وأخرى مستوردة، ليس كله صالحاً للاستماع والمشاهدة، ففيه الغث وفيه السمين، وفيه النافع وفيه الضار، وفيه القيّم وفيه التافه، وفيه التّقي النظيف، وفيه الذي يدسّ السمّ في العسل.!.

ولما كانت هذه الأجهزة سلاحاً ذا حدّين، أي أنها تحمل الشر والخير في داخلها من خلال ما يُبث ويُطرح فيها، كان لابد من الإفادة مـن خيراتها وتجنب شرورها في عملية انتقاء مدروس، أي بدلاً من أن نتركها تُسيطر علينا لابد من أن نفكر في السيطرة عليها ما أمكننا، وذلك بانتقاء المفيد الذي فيها وتَرْك السيئ الفسد..

من هنا يتعين علينا كمشاهدين ومستمعين أن نحتفظ بقدر ما نستطيع بخصوصيتنا وهويتنا والتزامنا الديني والثقافي، ونحن نسمع ما نسمع، ونشاهد ما نشاهد، ونُحَاكم تلك المسموعات والمرئيات على ضوء ما تحمله من فِكّر وثقافة، وتربية، وتجربة، وإلا فسنتحوّل إلى أسرى لهذه الأجهزة التي تقودنا إلى المزالق الخطرة…

كما أنَّ الجلوس المستسلم لساعات طويلة أمام التلفاز يبعث على الخَدر واستهلاك الوقت بما يُسبب الإختلال في مفردات البرنامج اليومي الأخرى، وربما يؤدي إلى شلل التفكير أو تقلصه، ولذا يُستحسن أن يُقنّن كل واحد منّا مشاهدته بأسلوب انتقائي هادف…

ورغم الفوائد الكثيرة لهذه الأجهزة التي تلتقي كثيراً مع بعضها البعض، درس بعض الباحثين منافع وأضرار التلفاز على سبيل المثال، ومن بين الأضرار التي شخّصها:

1 ـ قتل الوقت، وإضاعة العمر، وإشغال الفرد والأمّة عن أداء واجبات مهمة.

2 ـ نقل أخلاق البيئات الشاذّة والمنحرفة إلى مجتمعنا وفـرض نماذج أخلاقية سيئة وهابطة على الناس.

3 ـ بناء ثقافة مُشوّهة في عقول الناشئة وإظهار المنحرفين في مواقع الصدارة في المجتمع.

4 ـ تشويه قضايا المسلمين المعاصرة، وهدم الحواجز بيننا وبين أعداء أمّتنا من الصهاينة.

إلاّ أننا لا نعدم برامج تلفازية أو إذاعية علمية، وثقافية، وسياسية، وأدبية، واجتماعية وصحية نافعة خاصة تلك التي تطرح المشكلات، والهموم التي يُعاني منها مجتمعنا والتي تُناقش مع المختصين والمعنيّين والخبراء.

4 ـ الحاسوب وشبكة المعلومات:

حينما ظهر الحاسوب (الكومبيوتر) إلى الوجود لم يملأ أوقات فراغ الشبان فحسب، بل استغرق أوقاتهم حتى لم يعد له شريك أو مُنافس، فلقد فاق ما قبله من وسائل اللهو والتسلية.

والحاسوب شأنه شأن الوسائل الأخرى، يمكن أن يُوظف فيما ينفع الناس ويمكن أن يتحول إلى أداة إفساد وتخريب.

لكن من الظلم لهذا الإختراع الباهر الحيوي المتعدد الوظائف أن يُختزل، فيصبح مجرّد أداة لهو على الرغم مما فيه من مجالات استخدام كثيرة جداً، وهي آخذة بالازدياد بشكل مذهل.

فهي نعمة وفي نفس الوقت نقمة، وبيدنا أن نستفيد من هذه النعمة على خير درجة او نبتلي بنقمتـها خاصّة وأنّ الألعاب المستوردة قد تحمل في طياتها معلومات وأخلاقاً تختلف عن أخلاقنا، وعاداتنا، كعرب، وكمسلمين، فلابد من رقابة مركزية وذاتية في ضبط الشرائط التي يجب أن تتوافر في هذه الألعاب، ومنها أن تحمل طابعاً إنسانياً، وأن تكون ذات قيمة علمية عالية، وليست للتسلية فقط، وأن تكون متنوعة، وأن لا تخلق عداءاً بين اللاعبين، وأن لا تتناقض مع تعاليم ديننا وأخلاقنا، وعاداتنا، لكن الجلوس الطويل إلى هذا الجهاز الشديد الإغراء بات يفوق في ساعاته المفتوحة والممتدّة، الجلوس إلى التلفاز مما حدا ببعض الدول كما في السويد إلى تحديد سنّ السماح باستخدام هذه الألعاب لاقتناعها بضرورة عدم تعريف الفتيان بإغراءات هذه الألعاب خوفاً على مستقبلهم الدراسي، حُدّد الوقت الذي يُسمح فيه باستخدام الحاسوب لغرض التسلية.

إنّ إدمان استخدام الحاسوب كأداة للتسلية لا يقل ضرراً عـن هدر معظم الوقت في الإستغراق في مشاهدة الفيديو أو التلفاز، فمن بين مخاطر هذا الإختراع الذي بات أحد أفراد أسرنا، هو تقلّص دائـرة الأصدقاء أو العلاقات الإجتماعية، لشعور الشبان والشابات أنَّ هذا يحقق لهم الإستغناء عن ذلك ويجعلهم يبتعدون عن واقع المجتمع والناس، فحتى المواقع الحوارية في شبكة الإنترنت (المعلوماتية) لا يمكن أن تحقق الفوائد والعوائد الطيبة التي نجنيها من اللقاءات الإخوانية المباشرة في التزاور الحي وجهاً لوجه والذي يعرفنا الكثير مما لا نقدر على معرفته من خلال الشاشة التي تنقل بعض المشاعر والإنفعالات، لكنها لا تستطيع بحال أن تكون بديلاً كاملا ًعن اللقاء المباشر، بكلّ ما ينطوي عليه من دفء المشاعر، وحيويّة اللقاء، والتواصل الحميم، والتعرّف على الآخر عن كثب.

5 ـ تعلُّم المهارات:

من الأمور التي أصبحت متاحة وفي متناول الكثير من الشبان والشابات هي هذه المعاهد التعليمية والفنية والحرفية التي تقدّم دروساً عمليةً في مهارات البرمجة، والنجارة، والحدادة، والكهرباء، والأشغال اليدوية كالخياطة والأعمال المنزلية، والإسعافات الأولية، وتعلّم لغة أجنبية وغيرها كثير، مما يؤهل الشبان والشابات لحياة أفضل ويُشكّل توظيفاً سليماً لأوقات الفراغ، لاسيما أثناء العطلة الصيفية، فتعلّم واحدة أو أكثر من هذه المهارات لا يشغل الوقت فحسب، بل يصبُّ بفائدته العملية على شخصية الشاب والشابة اللذين سيحصلان على معرفة أولية بمهنة أو بحرفة قد تعينهما في الحاضر وفي المستقبل، وفي الحديث: «قيمة كلّ امرئ ما يُحسنه».

كما أنّ الخبرة في هذه الحقول تنفع الشاب أو الشابة حتى خارج دائرة الإختصاص، فاللغة الأجنبية مثلاً نافعة في الحوار مع الأجانب، وفي قراءة كتب بهذه اللغة، أو المراسلة بها، وفي قراءة النشرات الداخلية للأدوية أو تلك الخاصة بتشغيل الأجهزة وغير ذلك.

إلاّ أنَّ من أفضل وأشرف المهارات أن يتعلّم الشاب المسلم أو الشابة المسلمة قراءة القرآن، تلاوةً وتجويداً وحفظاً لجزء أو أجزاء أو كلّ الكتاب الكريم، وإذا لم تكن هناك دُور لتعليم وتحفيظ القرآن، فهناك أشرطة التسجيل والأقراص الليزرية التي يمكن أن تكون بمثابة المعلّم الذي يُعلّمك أصول  القراءة والتجويد، ولقد تَبَغ قرّاء للقرآن من أبناء الإسلام وبناته اعتمدوا هذه الطريقة في حفظ القرآن بكامله…

ويبقى أن نعرف أنَّ أيّة مهارة مكتسبة تحتاج إلى تمرين ومواصلة حتى تنضج وتكتمل، ولذا قيل في بعض الأمثال: «التمرين يؤدي إلى الكمال».

 6- وسائل الترويح والترفيه:

منذ وقت بعيد، قال الإمام علي بن أبي طالب (ع): «إنَّ القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة».

والطريف هو الجديد، ذلك أن لكل جديد لذّة ونكهة خاصة تحرك على إدامة العمل بنشاط أكبر، وأنَّ الأسلوب الرتيب ربما يَجرُّ على النفس السأم، والملل، والنفور.

أما جرّبت ذلك شخصياً حينما تغيِّر الطريق الذي تمشي فيه كل يوم إلى مركز عملك أو عندما تُغيّر ديكور الغرفة التي تسكن فيها ولو بلمسات فنية بسيطة، كأن تُغيّر مواضع بعض قطع الأثاث، بل حتى حين تغير ملابسك، ألا تشعر بفارق نفسي.

ويُنقل عن الإمام علي (ع): «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلب إذا أكره عمي».

وهو في هذا الطرح إنَّما يُقدّم لنا أسلوباً عصرياً من أساليب الترويح الذي راحت تعتمده ليس المدارس والمعاهد فحسب، وإنَّما حتى بعض المعامل والمصانع والمكاتب، لأن التجارب أثبتت أنَّ العامل الذي يروّح عن نفسه بأسلوب وبآخر أثناء العمل سوف يُقبل على العمل بنفسية منفتحة منشرحة تنعكس على نوعية وكمية إنتاجه، بل وعلى علاقاته بزملائه في محيط العمل أيضاً…

وبما أنَّ الإسلام يوازن بين حاجات الإنسان، فإنّه لم يلغِ هذه الحاجة الإنسانية في أن يُعطي أحدنا شيئاً من وقته للترويح الذي تعـــددت أساليبه وتنوّعت، والتي يمكن أن نذكر منها:

أ ـ الترويح الرياضي: وشُعبه وألوانه كثيرة وفي ازدياد أشهرها كرة القدم  وهو ترويح نافع في الصحة النفسية والإجتماعية والجسدية ومِثله السباحة…

ب ـ الترويح الفني: كممارسة هواية الرسم والخط والنقش والتخريم والأشغال اليدوية من حياكة، وتطريز، وصناعة الورود، وتزيــين البيوت وهوايات الجمع، كجمع الطوابع.

ج ـ الترويح الإجتماعي: ومن أساليبه التزاور الذي حث الإسلام عليه كثيراً، ومنه المراسلة والمهاتفة وإحياء المناسبات الجميلة والمشاركة في فعاليات تعاونية بغية توطيد الأواصر بين الأخوة المؤمنين، تُضاف إليها الرحلات القصيرة والطويلة مما يُزيل الكثير من حالات الإرهاق الجسدي والنفسي والخمول الفكري…

د ـ الترويح السياحي: ويشمل زيارات المراقد، والعتبات المقدسة والمناطق الأثرية والتاريخية والسياحية الجميلة ما يُعطي فائدتين، نفسية وثقافية…

إنّ الترويح ـ أيّاَ كان شكله ـ ليس هروباً من ضغوطات الحياة كما يُصوِّره البعض، إنَّما هو استعداد وتأهب لمواجهتها من جديد، وليس هو كما  يصفه آخرون تصريفاً للطاقة الزائدة فيما ليس له هدف، إنّما هو توظيف نافع وسليم لتلك الطاقة سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة…

ومن شرائط الترويح الذي يُشجّع الإسلام عليه:

1 ـ أن يكون خالياً من المفاسد والمضار، والباطل والحرمة…

2 ـ أن يخلو من الإسفاف والإسراف والإستغراق الذي يستهلك الوقت بأجمعه كما يُستحب أن ينشأ عن الترويح أو أي استثمار لوقت الفراغ نفعٌ خاص أو عام، لأنّه يُكره للشاب أو الشابة أن يكونا فارغين لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة..

ذات صيف قائظ وفي المدينة المنورة أراد أحد الذين يكيدون بالإسلام وبأئمته أن ينال من الإمام محمد الباقر (ع)  حفيد الإمام الحسين بن علي (ع) حينما رآه خارجاً في حَرّ الظهيرة اللاهب ليعمل في حقله، فقال له: (شيخٌ من أشياخ قريش في مثل هذه الساعة في طلب الدنيا، ماذا لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال)؟…
فأجابه الإمام الباقر (ع) بما يُعطينا درساً ثميناً كشبان: «أما والله لو جاءني الموت وأنا في هذه الحال لجاءني وأنا في طاعة من طاعات الله».

النوم والسهر

لا شكَّ أنَّ النوم حاجة طبيعية بالنسبة للإنسان، فلقد مَنحنا الله (عزّ وجل) هذه النعمة الكريمة في الخلود إلى الراحة خلال ساعات الليـل حتى تُجدّد حيويتنا ونشاطنا بعد أن تكون مشاق وأعمال النهار قد أرهقتنا، ولذا يمكن اعتبار النوم وسيلة من وسائل الترويح عن النفس والجسد خاصة بالنسبة للمتعبين المجهدين في نهارهم.

غير أنَّ المُلاحظ أن بعض الشبان والشابات قد يُسيئون غير عامدين أحياناً إلى هذه النعمة، فتراهم يسهرون الليل، وينــــامون إلى ساعة متأخرة من النهار بحجّة الفراغ أو أنَّ السهر يحلو في الليالي، فيذبحون الوقت بالأحاديث التي يغلب عليها طابع الــثرثرة الفارغة وقد ورد في بعض الأحاديث: «إنّ الله يكره الشاب النوّام».

الذي يُكثر النوم لساعات طويلة تتعدى حاجة الإنسان الطبيعية، ففي الوقت الذي نرى بعض الحريصين على الإستفادة من أوقاتهم يقلصون ساعات النوم على طريقة: «ومن طلب العُلى سهَرَ الليالي».

ويكتفون بالحد الأدنى منها، نرى بعض الشبان والشابات يستسلمون للنوم الطويل غير عابئين بما ينصرم من أعمارهم في هذا السُّـبات حتى أنَّ ساعات نومهم تفوق ساعات عملهم وإنتاجهم …

إنّ السهر إذا لم يكن لشيء ينفع الإنسان وينفع من حوله من الناس، وإذا لم يكن في عبادة ولا في طلب علم، ولم يكن لعمل منتج ولا يتحمل التأخير إلى الغد قد يُصبح وبالاً على الشاب أو الشابة، فتكون أضراره أكثر
من فوائده…

وإنّ قاعدة التوازن التي مرّ ذكرها صالحة للتطبيق على أيِّ شأن من شؤون الحياة، فالإسلام دين اللا إفراط واللا تفريط، أي أنّه لا يقرُّ الإسراف في الشيء، ولا يقرّ التقصير فيه كما يقول تعالى في سورة البقرة، آية/143:

” وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا “.
إغلاق