أعلام وشخصيات

مؤذن الرسول والوفاء لمقام الولاية (الجزء الثاني)

بعد معركة بدر تجمّعت الغنائم لدى الرسول (ص)....

بقلم: السيد محمود الغريفي

 

بلال.. خازن الرسول (ص):

بعد معركة بدر تجمّعت الغنائم لدى الرسول (ص) فاختار النبي (ص) بلالاً خازنها، وكان يرسل إليه المسلم العائل كي يطعمه ويكسوه. وكان يقول له (ص): (أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً).. وكان بلال جواداً كريماً اقتداءً بالنبي (ص) وكما تعلّم في مدرسة الرسالة.

مؤاخاته مع الحارث:

وعندما هاجر النبي (ص) إلى المدينة المنورة وقام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، كان من نصيب بلال المؤاخاة مع الحارث بن عبد المطلب على قول وعلى قول آخر مع خالد الخثعمي المكنّى بأبي رويحة.
وهذا التحقيق خلافاً لما قاله البعض بأنَّ المؤاخاة تمّت مع أبي عبيدة الجراح، فعلى ما يقوله المحقق التستري: إنَّ مؤاخاة الرسول (ص) بين أصحابه كان بالتناسب الروحي، وأين الجراح من بلال بن رباح

علي (ع) يُعلم بلالاً الأذان:

روى منصور بن حازم، عن الصادق (ع)، قال: لمّا هبط جبرائيل (ع) بالأذان على رسول الله (ص) وكان رأسه (ص) في حجر علي (ع)، فأذن جبرئيل (ع) وأقام، فلما انتبه رسول الله (ص) قال: يا علي، سمعت؟ قال (ع): نعم يا رسول الله، قال (ص) حفظت؟ قال (ع) نعم. قال: أدع بلالاً، علِّمه.. فدعا بلالاً فعلَّمه»(1).

بلال مؤذن الرسول (ص):

وكما أن الرسول (ص) أمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، أن يُعلم بلالاً الأذان، كذلك اعتمده مؤذناً في مسجده، وبالرغم من وجود آخرين يمارسون الأذان إلا أنّه (ص) لم يكن يعتمد إلا أذان بلال.
قال (ص): (إنّ ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا وأشربوا حتى تسمعوا أذان بلال)(2) .

 لماذا أختير بلالاً للأذان:

اجتمعت محاسن عدّة في بلال جعلت الاختيار عليه، فالأذان هو وسيلة الإعلان في الإسلام لفريضة الصلاة، وتحتاج إلى (فنيات) تجعل المقابل يحترم تلك الدعوة والنداء، وبلال كان ذا صوت رخيم، طالما
أمتع الناس في مجالس أنسهم وسهراتهم.. فقد حباه الله صوتاً جميلاً ومؤثراً في النفوس وكان مشهوراً عند أهل مكة بصوته العذب الجميل، حتى إنّه كان إذا أذّن يعمّ المدينة السكون، وعندما يسمع المسلمون صوته الندي يهبّون مسرعين للصلاة مع الرسول ولله.

وكان يؤذن حضراً وسفراً.

جزاء بلال مؤذن الرسول (ص):

روى شيخ الطائفة الطوسي، عن محمد ابن علي بن محبوب، عن معاوية بن حكيم، عن سليمان بن جعفر، عن أبيه، قال: دخل رجل من أهل الشام على أبي عبد الله (الصادق) (ع)، فقال له الصادق
(ع): (إن أول من سبق إلى الجنة بلال)، فقال الشامي: ولم؟ فقال الصادق (ع): (لأنّه أول من أذّن)(3) .
وفي المستطرفات عن كتاب محمد بن علي ابن محبوب: (أن بلالاً يحشر على ناقة من نوق الجنة ، يؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا نادى كُسيَ حلّة من حلل الجنة»(4).

 الإمام علي (ع) يدافع عن بلال:

كان بلال أغلط اللسان بحيث ينطق الشين سيناً، ومرّة شكى رجل ذلك إلى الإمام علي (ع) معترضاً على أن بلالاً يلحن في كلامه وأخذ آخر يضحك من بلال، فقال (ع):

(ياعبد الله! إنما يراد باعراب الكلام تقويمه لتقويم الأعمال وتهذيبها، ما ينفع فلان لحن؟ وماذا يضر بلالاً لحنه في كلامه إذا كانت أفعاله مقوّمة أحسن تقويم، مهذّبة أحسن تهذيب)(5).

دور بلال في نصرة مقام الولاية:

لقد ثبت بلال على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الخليفة الشرعي لرسول الله (ص), ولم يرضخ لأيّ من المحاولات التي مارسها الخليفة الثاني من أجل ترسيخ خلافة الأول، فهو الذي تعرّض لأشدّ أنواع التعذيب ـ من أسياد مكّة من أجل ثنيه عن الإيمان برسالة محمد (ص) وكان أمام كلّ هذا العناء لا يقول إلاّ كلمة أحد أحد، كيف له أن ينثني.

ويذكر المحققون خبراً عن الإمام الصادق (ع) من طريق هشام بن سالم: أنّ بلالاً أبى أن يبايع أبا بكر، وأنّ عمر أخذ بتلابيبه، وقال له: يا بلال: هذا جزاء أبي بكر منك أن أعتقك؟ فلا تجيء تبايعه!
فقال بلال: إن كان أبو بكر أعتقني لله فليدعني له، وإن أعتقني لغير ذلك فها أنا ذا! وأمّا بيعته: فما كنت أبايع من لم يستخلفه النبي (ص) والذي استخلفه بيعته في أعناقنا إلى يوم القيامة.

فقال له عمر: لا أبا لك لا تقم معنا.

فارتحل بلال إلى الشام(6) .

ثم إن أبا بكر أراد أن يضمه إلى شؤون حكمه ليستفيد من مكانته مع الرسول (ص).

فأعاد عليه بلال قوله لعمر: إن اعتقتني لله… إلخ.

إذ لم يكن بلال يؤمن بمشروعية النظام السياسي لأبي بكر.

ولبّى بلال نداء الزهراء (ع):

روى المؤرخون من الفريقين أن بلالاً أيام إقامته بالشام رأى النبي (ص) في المنام، وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه بلال حزيناً، وركب إلى المدينة، فأتى قبر الرسول (ص) وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، وهو يقول بصوت تخنقه العبرات:

السلام عليك يا رسول الله..

وما أفاق إلّا على صوت الإمامين الحسن والحسين (ع).. فلما رآهما تجدّدت اشجانه وترقرق الدمع في عينيه وأقبل إليهما، فضمّهما إلى صدره وأخذ يقبّلهما، ثم قال: كلّما رأيتكما ذكرت بكما رسول الله..

ثم إنّهما طلبا منه أن يبيت الليلة في بيتهما ليؤذن لهما الفجر. فقد كان ممتنعاً عن الأذان بعد وفاة رسول الله ولم يجب دعوة أي أحد بالأذان.

وبالفعل بات الليلة في بيت الزهراء (ع) وقالت له: (إنّي اشتهي أن أسمع صوت مؤذن أبي بالأذان)..

فأجاب للزهراء (ع) طلبها وكانت هذه أول مرّة يؤذن فيها بعد رحيل الرسول (ص) فاعتلى سطح المسجد وأخذ بالأذان، فلما قال: (الله أكبر) ارتجّت المدينة، وتذكرت الزهراء (ع) أباها وأيامه ولم تتمالك من البكاء فلما قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) زادت رجتها!

فلما بلغ إلى قوله: (أشهد أنّ محمداً رسول الله) خرجت النساء من خدورهن فما رؤي يوم أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم، أما الزهراء (ع) فقد شهقت وسقطت لوجهها وغشي عليها.. فقال الناس لبلال: أمسك فقد فارقت ابنة النبي (ص) الدنيا، وظنّوا أنّها قد ماتت، فقطع أذانه ولم يتمه.
فأفاقت فاطمة (ع) وسألته أن يتم الأذان فلم يفعل، وقال لها: يا سيدة النساء إنّي أخشى عليك مما تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان. فأعفته عن ذلك..

وكان هذا أول وآخر مرة يؤذن فيها بلال.. خلافاً لما قاله البعض من أن له أذاناً آخر في الشام لما قدم عمر إلى هناك ولقي بلالاً فأمره أن يؤذن فأذن..

أخلاقيات بلال:

لم يستغلّ بلال مكانته عند الرسول (ص) بل كان يتواضع لله ويكثر من مراقبة نفسه، كما أنّه لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجّه إليه وتغدق عليه إلا ويحني رأسه ويعضد طرفه ويقول وعبراته على وجنتيه تسيل: (إنمّا أنا حبشي.. كنت بالأمس عبداً).

بلال والفقراء:

كان بلال نصيراً للفقراء فقد كان من طبقتهم ويعيش كلّ أحاسيسهم وعندما تحسّن وضعه لم يكن لينساهم، كما أنّه حمل وصيّة من الرسول (ص) يقول له فيها: (عِش فقيراً يا بلال مع الفقراء).

زواج بلال:

لقد تزوج بلال من اليمن هو وأخوه.. حيث سافر مع أخٍ له إلى اليمن لطيبة أهلها وحبّهم للرسالة والرسول (ص) ولخصلة الوفاء التي يمتازون بها، وعندما طرق أحد البيوت من اليمن، قال لهم: (أنا بلال، وهذا أخي.. عبدان من الحبشة كنا ضالين، فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تنكحونا فالحمد لله، وإن تمنعونا فالله أكبر). فوافقوا عليه دون أيّ تردّد واسم زوجته هند الخولانية (من بني خولان) وما زال نسلُ بلال موجوداً في اليمن.

أحاديث بلال وروايته:

روى بلال عن رسول الله جملة من الأخبار، عددها بعض أهـل التحقيق بـ (44) (7). خبراً نسأل الله التوفيق لجمعها، ومن أهم ما رواه الحديث الشريف: (أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله) ..
وحول أحاديثه فقد ذكر البعض أنّها حسنة، أما الرجالي المحقق الشيخ عبد الله المامقاني فقد وثَّق أحاديث بلال كلّها قائلاً: (بل الوجه استفادة توثيقه مما ذكر سيّما من امتناعه من بيعة أبي بكر الذي هو أقوى دليل وأعدل شاهد على رسوخ ملكته وقوة ديانته وفضل عدالته، فالحق عندي أنّ حديثه من الصحاح دون الحسان)(8).

من روى عن بلال:

ذكر السيد الخوئي (قدس سره) أن ممن روى عن بلال (عبد الله بن علي)، وهو من أهل العراق، ومن الأخبار المشهورة التي رواها عن بلال حديث الأذان الذي ذكره الثقة المحدث الشيخ الصدوق (قدس سره)، والذي مستهله:

قال: حملت متاعي من البصرة إلى مصر فقدمتها فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طويل شديد الأدمة(9)، أبيض الرأس واللحية، عليه طمران(10)، أحدهما أبيض والآخر أسود، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذا
بلال مولى رسول الله (ص). فأخذت ألواحاً فأتيته فسلمت عليه، فقلت له: السلام عليك أيّها الشيخ. فقال: وعليك السلام. قلت: يرحمك الله.

فقلت: أنت بلال مؤذن رسول الله (ص). قال: فبكى وبكيت حتى اجتمع الناس علينا ونحن نبكي. قال: ثم قال: يا غلام من أيّ البلاد أنت؟ قلت:من أهل العراق. قال: بخ بخ. ثم سكت ساعة ثم قال: أكتب يا أخا أهل
العراق……إلخ»(11).

وفاته:

اختلفوا في سنة وفاته فبين قائل بأنّه  توفي سنة 18(12)  وقول ثاني بأنَّ وفاته كانت سنة 20 للهجرة وهو الأشهر وهذا ما قاله الطبري وابن قتيبة وابن عبد البر. وقول ثالثٍ إنه توفي سنة 21 للهجرة. وكان حين وفاته ابن بضع وستين سنة. واتفقوا على أنَّ سبب وفاته هو مرض الطاعون. وإنَّ مدفنه بباب الصغير بدمشق. وخالف في ذلك علي بن عبد الرحمن حيث قال: إن بلالاً مات بحلب ودُفن على باب الأربعين(13).
وعندما حضرته الوفاة كانت زوجته إلى جانبه في ساعات الاحتضار تبكي وتنتحب وتقول: واحزناه واحزناه، وهو يقول: بل وافرحاه.. غداً ألقى الأحبة محمد وصحباً.


المصادر:

(1) التهذيب: ج2، ح1099، الكافي:ج 3، كتاب الصلاة ، ب18، ح2، من لا يحضره الفقيه: ج1، ص 282 ح 865.

(2) الكافي: ج4، ص98، التهذيب: ج4، ص185، من لا يحضره الفقيه: ج1، ص 283.

(3) التهذيب: ج2 ، ص 284، ح 1133.

(4) السرائر: ص 483.

(5) تنبيه الخواطر: ج2، ص 102.

(6) قاموس الرجال: ج2، ص 399.

(7) سير أعلام النبلاء: ج 1، ص 360.

(8) تنقيح المقال: ج 1، ص183.

(9) أي السمرة.

(10) كساء بالي من غير الصوف.

(11) من لا يحضره الفقيه: ج1، ص258.

(12) الشيخ في الرجال.

(13) تنقيح المقال: ج 1، ص182.

إغلاق