الافتتاحية

هَلْ نَحْنُ خيرُ أمَّةٍ ؟

227-228

 

في كلِّ عام ومع إطلالة هلال ربيع الأول تتهيأ نفوس المحبين لأهل بيت النبي المصطفى (ص) لخلع أثواب الحداد في مواسم الحزن المتلاحقة على آل المصطفى منذ غرّة محرم مع فاجعة الطفّ الكبرى والشهادة المروعة لريحانة سيد الخلق وعترته النجباء والصفوة من أصحابه الأوفياء إلى شهادة ولده سجّاد العصمة وزين عباد الأمة، إلى شهادة السبط الأكبر، الإمام المجتبى، إلى شهادة سلطان الأئمة غريب الغرباء، إلى أربعين سيد الشهداء، وصولاً إلى الفاجعة العظمى بفقد الرسول الأعظم (ص) وما تلتها من فجائع وظُلامات على بيته المطهّر، ليطلَّ الثامن من ربيع الأول بشهادة الإمام الحادي عشر الزكي العسكري.

تتهيأ النفوس لاستقبال موسم السرور بولادة الرحمة المهداة إلى العالمين، المبعوث شاهداً على المرسلين، ومتمِّم مكارم الأخلاق بمنهاجه القويم وخُلُقه العظيم. الذي جعل من شراذم الأعراب المتناحرين مشروع خير أمَّةٍ أُخرجت للناس بإرساء معالم المعروف والمنكر والسير بهم في طريق التزكية وتعليمهم المعارف النظرية والحكمة العملية. مناسبة تقتضي أداء حقّ شكرها بتمام السرور والبهجة والحبور، وإظهار الامتنان لمولودها بآيات التعظيم والتكريم . ولكنّها تقتضي منّا وقفة تأمًّلٍ وتساؤلٍ و مراجعة للذات. بعد قرابة أربعة عشر قرن ونصف من هجرته المباركة، كم هي المسافة الفاصلة بيننا وبين أن نكون خير أمَّة؟ لقد وضع الله تعالى ضابطة لهذا التفضيل لا تقبل المساومة ولا التجاوز: :” كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه” [آل عمران: 110].

فالتفضيل مقرون بحركة اجتماعية ويقين قلبي: حركة اجتماعية تشجِّع على كلِّ عمل خير وتردع كلَّ محاولة إفساد، ويقين بالله يجعل القلب ساكناً إلى رُكن الإيمان، متحرّياً لرضى الرحمن. وبين الجنبتين تلازم وجودي؛ فالإيمان بالله وما يترتب عليه من تحرٍّ لمرضاته، وسلوكٍ في طاعته يساعد على تحديد سُبُل واضحة إلى مكارم الأخلاق ومرضيّ الأفعال. وترسيخ الأصول الأخلاقية في النفس، عن طريق تفعيلها عملياً يهيء الأرضية المناسبة لتلقي التعاليم الإلهية، فهي وعاء الدين في النفس، وجهاز الاستقبال الداخلي المتفاعل مع هدي السماء، والذي مع انعدامه تنقطع الصِّلة بين قلب المخلوق وفيض الخالق، فتُصمُّ الأذن عن سماع الرشد وتعمى العين عن رؤية العِبرة، ويتعطَّل العقل عن تحليل الفكرة، فيهبط الإنسان إلى دَرك بهيمية لا تعي إلّا تلبيةَ نداء الرغبة والاستجابة لفورة الغضب. “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” [الأعراف: 179].

غفلةُ للأسف الشديد أخذت بالبشرية إلى غياهبها مع كلِّ نقلة تطور حضاري، ومع كلِّ زيادة في تعقيد الحياة وتشعُّباتها أخذ الإنسان بالتوغّل في عالم المادة والبعد عن المعنويات، فانتقل من مرحلة الرادع الأخلاقي الذاتي الذي يدفع بالإنسان إلى تجنُّب الدنايا بدافع من نفسه، إلى مرحلة الرادع الاجتماعي الذي يجعل الإنسان يبتعد عن الدنايا خوفاً من المحيط، ليصلَ الآن إلى مرحلة حكم المصالح، فلا رادع داخلي ولا خارجي.

والذي زاد الطين بلَّة الرعاية الممنهجة لوسائل الإعلام والتواصل لنشر أشكال الشذوذ الاجتماعي من الإباحية إلى العنف إلى ألوان الانحراف السلوكي، في حركة لا يمكن اعتبارها عفوية ولا يمكن تحييدها عن نظرية المؤامرة. فتحرَّكت نوازعُ الشَّر في النفوس مرعيةً بمنهج ثقافي وتربوي يكرّس في الإنسان نزعة الحرية كظاهرة ذاتية مُطلَقَة على حساب المسؤولية القابعة في حدود القانون، فإذا أفلتها انطلقت النفس بِلا حدود.

نموذج عمَّمته العولمة ليطغى على كلّ الحضارات، حتى وصل إلينا في ظلِّ غيابٍ للقانون والدعة والرفاهية، فولّد في ساحتنا اضطراباً يزيد على ما حصل في بلدان المنشأ، في انحدارٍ نحو هوّة حذّر منها الحديث الشريف: «كيف بكم إذا فسدتْ نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم وشرٌّ من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال: نعم، وشرٌ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا».

هو ناقوس خطر يستدعي مراجعة حسابات، فهل من مدَّكر؟

نور الإسلام
إغلاق