أحيوا أمرنا

الرحمة المُرسلة وأجر الرسالة

لا شكَّ أنَّ محمداً (ص) هو خير البشر....

بقلم:  الشيخ يحيى رسلان

 

لا شكَّ أنَّ محمداً (ص) هو خير البشر، وهو مختار الله تعالى من مخلوقاته، فلا يسبقه منهم سابق ولا يلحق به لاحق. ولكن ما هي الجهات التي جعلت محمداً (ص) هو المصطفى عند الله تعالى؟ أهم أسباب الاجتباء هو العبودية لله تعالى، فهو علة الخلق التي تجلت بقوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ “[الذاريات: 56].

هذه الجهة برزت في عالم الملكوت، فالله تعالى اختبر إبليس بالطاعة، وهي مصداق وفرد للعبودية ولم يختبره بالعلم، والملائكة حين تساءلوا عن خلق آدم: :” قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ”  [البقرة: 30] فالملائكة جعلوا سر لياقتهم لخلافة الله هو العبودية لله تعالى، والله تعالى لم يقل لهم ليست العبرة بالعبودية بل قال لهم: ” قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ” [البقرة: 30].

ثم لما أراد إثبات أفضلية آدم لهم. قَالَ: ” يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ” [البقرة: 33] فسلّم الملائكة أنّ آدم أفضل منهم لأنّه عرف أسماء هؤلاء، وهؤلاء لا تُطلق إلا على العاقل. فمن هم هؤلاء الذين جُعِلت معرفة أسمائهم دليلاً على الأهلية للخلافة؟

روى الشيخ الصدوق في كتاب فضائل الشيعة بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: كنّا جلوساً مع رسول الله (ص) إذ أقبل إليه رجل فقال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله (عزّ وجلّ) لإبليس: ” استكبرت أم كنت من العالين ” [ص: 75]  فمن هم يا رسول الله الذين هم أعلى من الملائكة؟ فقال رسول الله (ص): أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين، كنّا في سرادق العرش نسبح الله وتسبح الملائكة بتسبيحنا قبل أن خلق الله (عزّ وجلّ) آدم بألفي عام، فلما خلق الله (عزّ وجلّ) آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ولم يأمرنا بالسجود، فسجدت الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس فإنّه أبى أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: ” استكبرت أم كنت من العالين ” [ص: 75] أيّ من هؤلاء الخمسة المكتوب أسماؤهم في سرادق العرش. (المجلسي، بحار الأنوار، ج١١، ص١٤٢).

فهم لعلو مكانهم قد عبر عنهم الله تعالى بالعالين. و عجيب أن يصف الله عبد له أنّه عالٍ.

لماذا هذا الاختيار؟ 

ورد عن أمير المؤمنين (ع): «إنّ الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة، ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منا وإلينا». (الصدوق، الخصال، ص٦٣٥).

فالاطلاع الإلهي هنا يشمل جميع أهل الارض عبر العصور حتى الانبياء،  فالله اختارهم على علم على العالمين، وهذه الصفة تبرز واضحة في أحاديث عالم الذر حينما قال الله لعباده “ألَسْتُ بِرَبِّكُم” [الأعراف: 172] ففي الروايات أول من أجاب محمد (ص).

روي عن الإمام الصادق (ع): «أن بعض قريش قال لرسول الله (ص): بأيّ شيء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟ قال: إني كنت أول من أقر بربي وأول من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. وكنت أنا أول نبي قال: بلى، فسبقتهم بالاقرار بالله».(الصفار، بصائر الدرجات، ص ١٠٣).
فمحمد (ص) هو أول من أقرّ لله تعالى بالربوبية المطلقة. وهذا عين الإقرار بالعبودية لله تعالى، فعالم الإشهاد هو عالم العبودية لله تعالى، فالعبودية هي ميزان تفاضل البشر، ومن هنا نفهم معنى الشهادة الثانية في الصلاة (أشهد أن محمداً عبده ورسوله) فقد قدّم العبودية على الرسالة في وصف النبي الأعظم، لأنّه جسّد العبودية الحقيقية لله تعالى فاستحقّ الرسالة، وقرن الله الشهادة الثانية بالأولى، فالتوحيد الحقيقي لا يكون إلا من العبد الحقيقي.

ذلك أنّ العبادة تتجسد من العالِم بنحو أكمل من غيره، فكلّما زاد العلم بالله تعالى عند العبد جسد العبودية بنحو أكمل،  ومن هنا كانت الآية: ” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ” [فاطر: 28]. فالخشية تكون في العبد الحقيقي لله تعالى، لأنّ العلم يستدعي الخشية.

ومن هنا نعرف لماذا كان محمد (ص) حينما يصلي يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، فالعبد الحقيقي هو من يخشى الله تعالى حقّ الخشية.

والعبودية تتجسَّد بالأخلاق مع الله تعالى ومع عبيده، وقد تجلّى تجسيد الرسول الأمجد (ص) لها من خلال وصف الله تعالى: ” وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ” [القلم: 68].

فالله العظيم الذي لا تساوي الدنيا عنده أكثر من جناح بعوضة استعظم أخلاق محمد (ص). فهو من حيث أخلاقه مع الله مثّل الذروة في الانقياد والشكر، حتى تحول الخطاب معه من الدعوة إلى الجد والاجتهاد ، إلى الدعوة إلى التخفيف.
فقد روي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: كان رسول الله (ص) عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله لِمَ تُتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة ألا أكون عبداً شكوراً. قال: وكان رسول الله (ص) يقوم على أطراف أصابع رجليه فأنزل الله سبحانه وتعالى: طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى” [طه: 1 ـ 2] (الكليني، الكافي، ج٢، ص٩٥).

فالله يدعو كل البشر حتى الأنبياء للطاعة وأنت يا محمد يقول لك خفّف عنك. فما أعظمك يا رسول الله! هذه العبودية بانعكاساتها وتجلياتها هي السبب في رفعة الإنسان عند الله تعالى، فإلى أي حد وصل مقام محمد (ص) عند الله تعالى؟

ورد في دعاء الندبة: «إِلى أَنْ انْتَهَيْتَ بِالأَمْرِ إِلى حَبِيبِكَ وَنَجِيبِكَ مُحَمَّدٍ (ص) فَكانَ كَما انْتَجَبْتَهُ سَيِّدَ مَنْ خَلَقْتَهُ وصَفْوَةَ مَنِ اصْطَفَيْتَهُ وَأَفْضَلَ مَنِ اجْتَبَيْتَهُ وَأَكْرَمَ مَنِ اعْتَمَدْتَهُ. قَدَّمْتَهُ عَلى أَنْبِيائِكَ وَبَعَثْتَهُ إِلى الثَّقَلَينِ مِنْ عِبادِكَ». (مفاتيح الجنان 638).

وفي دعاء الامام زين العابدين (ع): «فلما بلغت بي تناهي الرحمة منك مننت علي بمن هديتني به من الضلالة، واستنقذتني به من الهلكة واستخلصتني به من الحيرة وفككتني به من الجهالة، وهو حبيبك ونبيك محمد (ص) أزلف خلقك عندك، وأكرمهم منزلة لديك» (الصحيفة السجادية الكاملة ص 310).

فالإمام زين العابدين (ع) يقول: فلما وصلت الرحمة إلى أقصاها عند الله تعالى جسّد الله هذه الرحمة الواسعة للعالمين برسول الرحمة محمد (ص)،  وهذه الرحمة ترجمت خلاصاً من الهلكة والحيرة والجهالة.

فكم لك فضل يا محمد!

فالكون بأجمعه هو مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية، وأقصى مظاهر الرحمة محمد (ص). لذا فضله على الأمة لا يمكن وصفه،  فهو سبب كل خير لها، ولا يمكن للأمة أن تفيه حقه، وتكافئ حسن صنيعه، ولكن الله تعالى طلب منه أن يطلب أجرة محددة على ذلك: “قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى” [الشورى: 23].

ومن المهم أن نعرف أن الأجرة يجب أن تناسب العمل، فالعمل الصغير تقابله أجرة قليلة، والعمل الكبير تقابله أجرة كبيرة. فكيف إذا كان العمل أعظم عمل في الوجود، وهو تبليغ الرسالة الربانية، وتزكية النفوس، وتتميم مكارم الأخلاق، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور؟  فلا بد أن  يكون المقابل لا يوصَف، هذا المقابل هو حصراً المودة في القربى، فكم هو مقدار المودة المناسبة لهذا العمل؟! لا بد وأن تكون مودة مسيطرة على القلوب وبارزة على الجوارح، ومتحكمة في القلوب،  تدور القلوب معها حزناً وفرحاً.

فلا يمكن لقلب يحمل كل هذه المودة أن يخذل من يود. أو أن لا يجزع إذا سمع بمصاب الحبيب. فلا يكفي في المودة أن يفكر الإنسان بمن يود ويعرف فضله، ويختزن علماً عنه. ذلك أن ترجمة لغة القلوب بالعاطفة، ولغة العقل بالتفكير، والأجر الذي سأله النبي (ص) هو المودة القلبية.

فالعالم بالحق مع تعلقه بالدنيا هو مثل أهل الكوفة، الذين عرفوا بالحق واتبعوا الباطل، لأن قلوبهم متعلقة بالدنيا، ذلك أن العقل يدلك على الحق، والحب هو من يجعلك تتبع الحق ولهذا وردت الآية: ” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ” [آل عمران: 31].

فالعلم يعظّم الله في قلبك فيخشع القلب فيطيع، فالقلب سلطان البدن، والعلم إذا لم يسكن في القلب فلا أثر له،  فلو علم بالنار ولم يدخل ذلك العلم في قلبه فلن يخاف الله حتى يبتعد عن معصيته، فالحب إذا استحكم في القلب، والقلب سلطان البدن، فلا بد أن يبرز مودة على الجوارح، فالداعي للإتباع هو الحب وليس مجرد العلم، ومن هنا نقول لدعاة قصر الدين على العقلنة: إذا سعيتم إلى العلم دون حب، فلن تؤدوا أجر الرسالة، وسيبقى الهوى حاكماً عليكم كما حدث مع أهل الكوفة.

ذلك أنّ المودة لا تسمّى مودة إلا إذا كانت حباً مبرزاً بالأفعال، لأنّ المودة في مقابل العداوة، والعداوة بغض مع إبراز عملي. المودة أجر لا حق: قال الله تعالى: “قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى” [الشورى: 23]، هذا التعبير يدلّ أنّ له حقاً عظيماً، ولكنّه اقتصر فقط على المودة لأهل بيته، فهو لم يقل: ليس لي عليكم حق سوى المودة. وجعل الله تعالى هذه المودة آية الإيمان المتجلي عملياً حينما قال:” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ” [مريم: 96].

فالإيمان يستدعي جعل مودة في قلب المؤمن لعلي وأبنائه (ع)،  ومن هنا ورد في الرواية عن النبي (ص): «أبشر يا علي، فإنّ الله (عزّ وجلّ) قد عهد إليّ أنّه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق». (الصدوق، الأمالي، ص١٩٧).

لأنّ الله جعل في قلب المؤمن حباً لعلي (ع)، وهذا الجعل موضوعه الإيمان، فالمؤمن لا بدّ له من حّب علي (ع). والمودة إذا كانت مسيطرة على القلب فلا بد لهذا القلب أن يبغض أعداءهم.

فهذا هو أجر محمد (ص) في أمَّته، لقد ورد عنه (ص) أنّه خاطب علياً (ع) قائلاً: «ألا وأني وأنت أجيرا هذه الأمة، فمن ظلمنا أجرتنا، فلعنة الله عليه» (القمي، شاذان بن جبرئيل، الروضة في فضائل أمير المؤمنين، ص١٣٣).

إغلاق