أعلام وشخصيات

الشيخ عبد الله نعمة «الكبير» : شيخ البلاد العاملية

يا رعى الله أياماً كان فيها العامليون يتّخذون من بركة الله نماء،

بقلم:  الدكتور يحيى الشامي

 

يا رعى الله أياماً كان فيها العامليون يتّخذون من بركة الله نماء، ومن نفحات الإيمان غذاء، ومن صدق الولاء وطاء، حتى إذا ما طاف بهم طائفٌ من نعيم العيش، أو عضّتهم الحاجة، ألفيتهم يحمدون الله على النعماء، ويصبرون على البأساء…

يا رعاها الله من أيام كان سيّد القوم فيها خادمهم. وعالمهم يُطلب منه العلم، لا جبّاراً في الأرض، ولا مُدلاً بعلمه على الآخرين، يعمل بيديه ويسعى إلى حاجته بنفسه .. أقول هذا مستحضراً ثلّة من العلماء العاملييّن الغابرين لعلّ أكثرهم حضوراً في الذهن المحقق الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، وتلميذه الشهيد الثاني، والشيخ محمد علي عزّ الدين، والشيخ عبدالله نعمة.. أمّا الأول فكان على جلالة شأنه يحتطب ليلاً لتلاميذه. وأمّا الثاني فكان، على علوّ مقاومه، يعمل بالتجارة، وأمّا الثالث فكان مهتماً بشؤون الزراعة، وكان يقضي ردحاً من الوقت على بيدره الذي يُجمع فيه الحصيد ويُداس، يُبيدر الحنطة، يكوّمها، يذرّيها، ينقّيها في الريح بنفسه(1). أليس هذا هو خُلُق الأنبياء، وسمت الأوصياء؟ ألم يكن عليّ (ع) مشاركاً لأضعف الرعيّة فى العيش ومكاره الدهر، فكان لهم أسوة في جشوبة العيش ونعومته لكي لا يبطروا ويزلّوا أو يضلّوا عن المحجة فتردى بهم النعيم إلى الجحيم(2)؟ ثم ألم يحفر عليّ (ع) بنفسه الآبار، ويغرس الأشجار، ويأخذ قربة الماء من على كتف المرأة ليحملها إلى موضعها فلما أصبح وقد بات ليلته قلقاً فقال حمل زنبيلاً فيه طعام، فقال بعضهم أعطني أحمل عنك، فقال (ع): ومن يحمل وزري عني يوم القيامة(3)؟

وأما الرابع، موضوع هذه الدراسة، فهو الشيخ عبد الله نعمة الملقّب بالكبير، تمييزاً له ممن تفرّع من هذه الدوحة المباركة من بعده فسُمّي بعبدالله. و بعد، فماذا أقول في رجل، وأقصد رابع هؤلاء، ما انفكّ العامليون، وأنا واحد منهم، يقولون لمن أطال صلاته: أصلاتك صلاة الشيخ عبد الله؟

وماذا أقول في شيخ ما برح العديد من نسوة بلاد عاملة، عجائز وغير عجائز، كلّما بسطن أيديهنّ إلى الكوارة لاستخراج ما فيها من دقيق أو حنطة، ما برحن يقلن: على بركة الله، وبركة الشيخ عبدالله؟ فمن هو هذا (العبد الله) الذي حُفّت بركته ببركة الله، وعلق اسمه باسم كل من طوّل صلاته؟ عبدالله، هذا، هو أبو الحسن عبدالله بن علي بن الحسين بن شيخ عبدالله بن علي نعمة العاملي، نسبة إلى بلاد عاملة، الحبّوشي، نسبة إلى حبّوش، الجبعي، نسبة إلى جُبع، وجُبع وحبوش، كما هو معلوم، بلدتان عامليتان متناوحتان، تنظر كلّ منهما إلى الأخرى، أنجبتا لفيفاً من العلماء الذين كانوا ملء عين الزمان، وسارت بحديثهم الركبان.

أبصر شيخنا النور سنة 1219هـ/ 1803م فدرس على يد والده وعدد من مشايخ جبع مبادىء العلوم الدينية، وفي الكوثرية قرأ على الشيخ القبيسي، ثم لمّا استوى عوده قصد العراق فتتلمذ على أيدي كبار العلماء أمثال الشيخ علي بن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، ما مكّنه من الحصول على درجة الاجتهاد. أمّا من تتلمذ على الشيخ فنَخصُّ منهم بالذكر كلّاً من الشيخ مهدي شمس الدين، والشيخ محمد سليمان الزين، والشيخ محمد علي آل عز الدين، والشيخ علي السبيتي، والشيخ محمد حسين آل المحمد الجبعي، ومشايخ آل الحرّ الثلاثة وهم عبدالسلام الحر، والشيخ علي الحر، والشيخ حسن بن سعيد الحر، ومن السادة الذين تتلمذوا عليه السيد عبدالله الأمين، والسيد محمود الأمين(4).

صبيح الوجه، مهيب الطلعة، جليلاً وقوراً، حسن الحديث، حاضر النكتة، كان شيخنا رحمه الله، وعملاً بالحديث الشريف «شرف المؤمن قيام الليل، وعزّه استغناؤه عن الناس»(5) فإنّه كان يعمل في أملاكه وكرومه، وكان يقتني بغلاً يشدّ عليه حمل ناتج أرضه ،غير متحرّج من مشاركة فلاحي بلدته هموم العيش، وشظف العمل بالفلاحة والزراعة، هذا في الوقت الذي كانت دارته في جُبَعَ محجّة لطلاب العلم، ومحطّ أنظار الزائرين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم وطوائفهم وطبقاتهم الاجتماعية، فأُطلق عليه لقب شيخ البلاد العاملية، لا، بل وبحسب تعبير صاحب «تكملة أمل الآمل»، أضحى شيخ كلّ البلاد الشامية، ولو كان في النجف، يتابع صاحب التكملة، قائلاً ، لكان شيخ البلاد الإسلامية(6).

ماذا وهل ثمّة مبالغة في إطلاق مثل هذا القول؟ لا، ليس في القول مبالغة، أو محاباة، فلقد كان الشيخ وهو بالنجف، قد اختير من قبل أستاذه الشيخ علي بن الشيخ جعفر، ليكون عالم رشت، الحاضرة الإيرانية الواقعة على بحر قزوين، فلمّا عرض الأمر على صاحب الجواهر، وكانا معاً في الحجرة التي تضمّ مدفن صاحب مفتاح الكرامة، نهاه، قائلاً: إنّي أتوسّم فيك مخايل الرسالة، فابق في النجف، ولا تخرج منها تكُن من الرؤساء.

أمّا الشيخ عبدالله فخالف صاحب الجواهر، وذهب إلى رشت، فأقام بها إثني عشر عاماً، وأمّا صاحب الجواهر فصدق ظنّه، وصحّ ما توسّمه في الشيخ من مخايل الرسالة التي ألقت فيما بعد مقاليدها إليه، لكن، لا في النجف، بل في البلاد العاملية، وإن شئت فقل في البلاد الشامية إذ جعل الشيخ من جبع التي أسس فيها مدرسة دينية كبيرة، مركز نشاطه الديني والسياسي، وقاعدة لانطلاقه بين الفينة والفينة، ضارباً في طول البلاد وعرضها، من بلاد بشارة جنوباً إلى بعلبك فحمص فحلب شمالاً، إلى دمشق شرقاً، فكان حيثما حلَّ موضع حفاوة مشايخ وأعيان البلدان، صادعاً بكلمة الحق، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، قيل أنّه لمّا عزم ذات يوم على السفر إلى بلاد بشارة، جنوب نهر القاسمية، وافاه إلى جسر القاعقعية كلٌّ من علي بك الأسعد، وابن عمّه محمد بك، حتى إذا ما وصل الركب إلى محاذاة القلعة التي هي مقرّ علي بك في تبنين، نزل الشيخ في دارة رجل صالح مؤمن من آل حمود، رافضاً دعوة البك إلى النزول في مقرّ الإمارة، قائلاً له: إنّك ظالم، لا آكل زادك، ولا أدخل منزلك حتى ترفع الظلامة عن رعيتك، والعجيب في الأمر أنّ البك أطرق انصياعاً لأمر الشيخ، وهذه ميزة امتاز بها معظم حكّام آل الأسعد من آل الصغير، والأعجب أن الشيخ عبدالله كان إذا كتب كتاباً لعلي بك الأسعد يطلب فيه رفع الظلامة عن أحد المظلومين كان البك يأخذ الكتاب فيقصّه سطوراً، ثم يذيبها في الماء إستشفاءً بشربه من علّة أو مرض، هو وأفراد عائلته(7).

هذا ديدن الشيخ مع الحكّام إذا ظلموا أو انحرفوا عن جادة الدين، فما بالك بديدنه مع الآخرين، حدّثني أكثر من واحد من المعمّرين نقلاً عن آبائهم، وهذا أيضاً ما أثبته السيد الأمين في أعيانه، قالوا إنّ أحد قصّابي النبطية جدّف على الله تعالى، وبالتعبير السائد (سبَّ الدين )، فلما أُخبر الشيخ عبدالله بذلك، حرَّم ذبحه، فامتثلت الناس لهذا الأمر، فما كان من القصَّاب إلّا أن جاء معتذراً من للشيخ، تائباً عمّا بدر منه، إلى ربّه(8).

هذا، وحسب الشيخ عبدالله نعمه شرفاً وسؤدداً، وشدَّة في الدفاع عن المظلوم، ونصرة الحق، وإجارة الطريد أو الملهوف، ولو كان هذا من غير ملَّته، أنّه إبّان الفتنة المذهبية التي وقعت في لبنان عام ١٨٦٠م، آوى إليه جماعة من النصارى، فأكرمهم وأحسن مثواهم، فلمّا علم الدروز بهم هجموا على دار الشيخ في جبع، فنهبوها، وفتكوا بمن كان فيها ما جعل الدكتور شاكر الخوري صاحب كتاب «مجمع المسرّات» يُعقِّب على هذا الصنيع فيقول: «إنّ مشايخ المتاولة عملت كلّ معروف مع النصارى، ولا سيما عبدالله نعمة، والشيخ علي الحرّ، وحسين بك الأمين، والشيخ فضل، وولده حسن بك»(9).

وكفى الشيخ عبدالله نعمة شرفاً آخر يضاف إليه، أن يكون رابع أربعة من العلماء الذين شهد لهم صاحب الجواهر محمد حسن النجفي، بالإجتهاد، شهد له بذلك لما بلغه حديث شاه إيران محمد القاجاري القائل: «إنّ عند الشيخ محمد حسن مصبغة للإجتهاد يصبغ بها الطلبة ويرسلهم إلى إيران» ما أثار حفيظة صاحب الجواهر، فأرسل إليه قائلاً: «ما شهدت في كلّ عمري باجتهاد أحد إلا أربعة: الشيخ عبدالله نعمة العاملي، والشيخ عبد الحسن الطهراني، والشيخ عبدالرحيم البروجردي، والحاج ملّا علي الكنّي(01)، شهادة، وممّن؟ من صاحب الجواهر، ما كان أعظمها وما كان أجدر شيخنا بها، فسحائب رحمة الله ونفحاته عليك أيّها الشيخ الفذّ الذي اختاره الله إلى جواره سنة ١٣٠٣هـ/١٨٨٥م، فدفن في جبع، فكان للفجيعة رنّة في طول بلاد عاملة وعرضها، ولقد رثاه ثلُّة من العلماء، منهم السيد محسن الأمين، والشيخ موسى شرارة الذي أقام له في بنت جبيل مجلس فاتحة، وإنَّ من رثائه فيه يقول:

نعى الدّين والدنيا فغمّ ظلامُها                      وجلّل وجه النيّرات قتامُها

وطبّقها شرقاً وغرباً مآتماً                            وحار بظلماء الموامي أنامها

وشاعت بأفاق البلاد رزيّةٌ                            وذرّ عليها من شواظ سمامها

مُصاب دهى الدنيا بفقد عميدها                   وغيّب شمس الكون عنها حمامها

وحامت قلوب الناس حول سريره                   لتروى كما للورد حام حمامها

وساروا به والأرض مادت كأنما                       هي الساعة العظمى دهاهم قيامها

طووا في الثرى من كان آمنا لخائفٍ                وصمصامة ما كان يُخشى انحطامها

طووا مزنة التأميل بحر معارفٍ                        ونجماً به في الأرض يهدى انامها

هو البحر عبد الله نعمة ربّه                           مضى وعرى العلياء بان انفصامها

مضى علم الاعلام عنها فنكّست                   وأعناقها مالت وطأطأ هامها

سحائب رحمة الله وشآبيبه عليك أيّها الشيخ الذي لم يخلف من الأولاد سوى ولد واحد هو الشيخ حسن، ومن الآثار المكتوبة سوى رسالة واحدة في الطهارة، وتعليقات على قواعد العلامة، ولكن خلف أشعاراً حساناً تفصح عن موهبة وقريحة ما كان اصفاها، وإنّ من هذا الشعر الرقيق الحاشية، الجزل العبارة، الفيّاض بالعاطفة والإثارة قوله الذي يعرب فيه عن الحنين إلى الإخوان، ومعاهد الدراسة في النجف وكوفان:

دعها تشنّ إلى العلى غارتها                 حتى تقوم على ربى كوفان

إخوان صدقٍ لو نزلت بحيِّهم                   فاضت عليك روائع الإخوان

أو قوله الذي يحنّ فيه إلى الربوع العاملية:

لي الله كم يمّمت نجداً وتلعة                  وكم روّضت عيني محول المرابعِ

خليليّ هل قلب يباع فإنني                     فقدت فؤادي بين تلك الأزارعِ

فيا برقُ يمِّم سفح لبنان قاصداً                 ربوع أحبائي الكرام، وسارعِ

سقى الله أياماً تقضت بعاملٍ                   فقد كان مسراها كوثب المسارعِ(11)

أو قوله الذي يحنّ فيه إلى العقيق وأهله:

خليليّ هل تدري الديار وأهلها                   بأن عيوني للعقيق سوافحُ

وهل علمت أهل السفيح بحالتي               وهل سمعت نوحي، وذو الوجد نائح

وهل عثرت عند الصبوح بمهجتي                فإن فؤادي طوّحته الطوائح

وهل سمعت عمر الزمان بنازحٍ                   يصابحه مرُّ النوى ويراوح

لك الخير إن جزت السفيح، فقفْ بهِ             وقوف كئيبٍ للعذول يكافحُ

وقبِّل ثرى ذاك السفيح، وطالما                  ترشّف منه التُّربَ غادٍ ورائح

وبلِّغ سلاماً لو أبوحُ ببعضه                         لضاعت على هام السّماك روائح

وقصّ غرامي بالعقيق وأهله                      وعدد من الأحوال ما هو واضح(12)


المصادر:

(1) أعيان الشيعة ١٢/٧٢.

(2) علي والحاكمون، لمحمد الصادقي ص193، مؤسسة الأعلمي بيروت 1969.

(3) نفسه 195.

(4) أعيان الشيعة ١٢/٧٢.

(5) قاموس الرجال: ج2، ص 399.

(6) أعيان الشيعة ١٢/٧٢.

(7) نفسه 12/72.

(8) نفسه 12/72.

(9) نفسه 12/72.

(10) نفسه 12/72.

(11) أعيان الشيعة 12/73.

(12) أعيان الشيعة 12/  وما بعدها 73.

 

إغلاق