آفاق معرفية

الهدف يرسم المسار

في حياتنا اليومية، نعمل ونتحرك ونقوم بنشاطات مختلفة.....

بقلم: حسن العاملي(*)

 

في حياتنا اليومية، نعمل ونتحرك ونقوم بنشاطات مختلفة، ونبذل طاقات جسدية وروحية. جميع تلك النشاطات، لا تمثِّل إلّا جزءاً يسيراً من الطاقةِ الدفينةِ في داخلنا. هذه الطاقةُ، لا يفنيها تعبٌ، ولا مللٌ، ولا خوفٌ، ولا ترددٌ. قبل أيّة حركةٍ أو نشاطٍ، يسبقها (حافزٌ) أو هدفٌ يدفعنا للحركةِ، سواء أكان الهدف عادياً، كمن يفتح نافذة الغرفةِ، أو يذهب إلى السوقِ، أو لأي أمرٍ آخر له أهميتهُ، تشتدُّ له العزائمُ وتسيقظ له الحيوية.

الرجل يعشقُ الهدف

الثمارُ على الشجرة، والأسماكُ تسبح في البحرِ، وأزهارُ الربيعِ تنتشر في الحقولِ، والعسلُ يملأ خلايا النحل. البساتينُ ملأى بالتينِ والعنبِ والتفاح، كلّ ذلك بانتظار من يقطف.

الفرقُ بين إنسان وآخر، هو من يريد ومن لا يريد، ومن يهتم ومن لا يهتم، ومن يهوى ومن لا يهوى، أو من يغامر ومن لا يغامر، أو من يتردَّد ومن لا يتردَّد. الهدف يحتاج إلى إرادةٍ وقرار، وإلى عزمٍ على قدرِ أهل العزم. وإذا كانت الأهداف صغيرةً أو كبيرةً تأتي طاقتها على قياسها.

سؤالٌ يتردد: هل الرجل يخلق الهدفَ، أم الهدف يصنعُ الرجل؟

لا فرق بين الطرحينِ. من الرجالِ من يحمل أهدافاً عظيمةً، كمن يريد أن يعبر المحيط بقاربٍ. كذلك، الظروف أيضاً تصنع رجلاً عظيماً، حين تفرض الأحداثُ المصيريةُ نفسها، والكوارثُ والملماتُ والمفاجآتُ أو عند المواجهةِ والتحدي واستعادة الكرامةِ والذاتِ. من الرجالِ من يرغبُ في هدفٍ، وثانٍ يعشق الهدف، وثالثُ يتعطش إلى هدفٍ، ورابعٌ يستميتُ للحصولِ على هدفهِ، وآخر يغامرُ من أجل الهدفِ. ومنهم، المتحمِّسُ لهدفهِ، وآخر عنيدٌ للحصولِ على هدفهِ. ومنهم، من يصبر على هدفهِ مهما طال الزمنُ. في مثل هذه المواقف، تكون الطاقةُ المخزونةُ في الجسم جاهزةً لتلبية المفاجآت ـ كما يختزن مصرف الدولة الذهب للمواقف الحرجة.

ـ منهم المتعطِّشُ للطيرانِ، كالأخوين «رايت» الأمريكيينِ، كان لهما محلٌ لبيعِ الدراجاتِ الهوائيةِ فخطر لأحدهما أن يطير بدراجةٍ شراعيةٍ وهكذا نجح الأخوان بالطيرانِ لمسافةِ عشراتِ الأمتار. وفي سنة 1903، جاء الجيش الأمريكي وتبنّى الفكرة، ثم طوَّرها لتصبح طائرةً مجنّحةً بمحركٍ واحدٍ فاستُخدمت لنقلِ البريدِ.

ـ ومنهم المستميت، الملاحُ البرتغاليُ «فاسكو دي غاما»، الذي كان يبحث عن طريقٍ إلى الهند (مصدر التوابل)، غير الذي احتكره الملاحون العربُ. هكذا نجح البرتغالي بإبحاره إلى الهندِ حول  قارةِ أفريقيا بدلاً من المرورِ ببحر العربِ.

ـ ومنهم أيضاً المغامرُ، الملاحُ البرتغالي «كريستوف كولومبوس»، الذي اكتشف أمريكا وكان يظنُ أنّها هي الهند. كان البحارةُ قبله يبحرون إلى الهندِ شرقاً، لكنَّه أبحر غرباً، لإعتقاده أنّ الأرض كرويةٌ، وبذلك يصل إلى الهند من الجهةِ الأخرى. ثم جاء بعده، الملاحُ البرتغالي الآخر «أمريكو»، الذي رأى أنَّ تلك البلاد هي عالمٌ جديدٌ وليست الهند التي كان يعرفُها، فسُمِّيت لاحقاً أمريكا.

ـ ومنهم المتحمَّس الأمريكي «فورد»، الذي حوَّل عربةً يجرها حصانٌ إلى عربةٍ تسيرُ بمحرك.

ـ ومنهم العنيدُ «أديسون»، الذي عمل مئات التجارب  حتى وصل إلى إضاءة أول مصباحٍ كهربائي و الذي نستخدمه الآن.

ـ ومنهم الراغبُ بالطيرانِ، الألماني «زبلن»، الذي حاول الطيران ببالونٍ منفوخٍ وهكذا نجح في صناعة المنطاد في ذلك العصر، وهو بمثابةِ الطائرةِ.

ـ ومنهم الصابرُ المستنير الهندي «غاندي»، الذي لبس شروالاً ومشى بنعالٍ ترافقهُ عنزتهُ أينما حلَّ وارتحل، يرتاحُ لها ويشرب من حليبها. غاندي، حرّر الهند من استعمار بريطانيا الذي دام أكثر من ستماية سنة. حرّرها، بكلمةٍ واحدةٍ، هي «قاطعوا البضائع البريطانية»، حرّرها بِلا سلاحٍ وبِلا « ضربةُ كفٍ».

بالمقابل، هناك رجالٌ صنعتهم الصدفُ والظروف، فأصبحوا من  العظماء، مثل: مكتشف دواء البنسلين، الذي أنقذ حياة آلاف الجنود في الحرب العالمية الثانية من خطرِ قطعِ أرجلهم أو أيديهم الملتهبةِ بالجراثيم. كان المكتشفُ يعمل في مختبرٍ لزرعِ الجراثيم والميكروبات في صحونٍ. وفي يوم من الأيام، وجد جميع الجراثيم في ذلك الصحن، ميتةً، وكان إلى جانبها «خبزٌ معفنٌ» فأكتشف أن الجزء الأخضر الذي يعلو الخبز المعفن هو «فطرُ البسلين» الذي قتل جميع تلك الجراثيم، فاستعمله دواءاً. وهكذا كُرِّم  بـ «جائزةِ نوبل» وقال حينها: «أنا لم أفعل شيئاً، الفضل يعود إلى عفونةِ الخبزِ».

ـ ومنهم، من مات وهو يحقق حلمه مثل: «مدام كوري» التي دفعت حياتها ثمناً لاكتشافِ العناصر المشعَّةِ، وقد أماتها إكتشافها، دون أن تدري.

مثلُ هذه الأهداف، تتطلَّب أرادةً قويةً وصبراً ومثابرةً. كمن يغامر بمشروعٍ جديدٍ، أو بشراء مسكنٍ، أو بإنشاء أسرةٍ، أو كمن يباشر ببحثٍ علمي.

كثيرٌ من الأهداف تنحو لصالح الحياة والبشر مثل: إنشاء المدارس، المؤسسات الوطنية، الجمعيات الخيرية وغيرها. بالمقابل هناك أهدافٌ قذرةٌ، كافتعال الحروب، وقتل الأبرياء، ونشر الفساد، والإتجار بالمخدرات.

ومن الأهداف ما تكون مستحيلة، أو خيالية صعبة التطبيق، مثل: تسريع دورة الأرض حول نفسها، لتصبح ساعاتُ اليوم ١٨ ساعةً بدلاً من ٢٤ ساعة. أو تُبطأ الدورة لتصبح ساعاتُ اليوم ٣٠ ساعة.  كذلك هناك أهدافٌ أخرى تكون مفروضةً على الإنسان من الخارج مثل الظروف القاهرة، وسلطة الدولة، أو ما يفرضه العرفُ والمفاجآتُ أحياناً.

في جميع الحالات، يعمل الهدف كحافزٍ لقضاء حاجةٍ، أو لجلب منفعةٍ أو لتغيير نمط الحياة. ولكلِّ هدفٍ مسارهُ وطاقاتهُ المستقلّةُ، فالهدف الواحدُ لا يساوي هدفاً آخر في زمانه ومكانه وغايته. فمن يمشي على شاطىء البحر لا يُقارن بمن يُنشئ مزرعةً، ومن كان يريد أن يبني كوخاً لا يُقارن بمن يريد أن  يعمِّر قصراً. الهدف يعمل كحنفيةٍ تصب الماء بقدر ما تُفتح.

ما هو سرّ الهدف؟

السِّر في الهدف، الذي يعمل المعجزات ويغيّر الحالات ويتحكَّم بالأحداث ويطوّر الإنسان، هو أنَّه أنانيٌ، وحيدٌ، فريدٌ، ومميزٌ. الهدفُ لا يقبل معه هدفاً آخر شريكاً له. سِرُّه، أنَّ الطاقة المخزونة في الإنسان تجد في الهدف باباً واحداً لتنفذ منه، فلا  تتبعثر، ولا تنتشر، ولا تتوزع هنا وهناك، بل تخرج كنافورةٍ قويةٍ. الهدف الواحدُ لا يسمح لهدفٍ آخر أن يتماشى معه أو يمتصَّ من طاقته أو يغيِّر مساره.

رياحُ الإلهام وسحرُ الحدس            

إذا كانت الأهداف تترافق مع تخطيط وقرارات مسبقة، فإنَّ الإلهام يضيءُ ذهن الإنسان في لحظةٍ واحدةٍ، وبفكرةٍ نيرةٍ، وبِلا مقدمات. إنَّه الإلهام: فجأةً، يستيقظ النائمُ ويقوم الجالسُ، ويمشي الواقفُ، ويركض الماشي، ويشعر الراكضُ أنه يطيرُ نحو هدفٍ لم يكن في حسبانه. إنَّه الإلهام:زلزال الإلهام، يسبِّبُ موجات متتالية من اليقظة والتأمل والتفكير أو من الغضب والحزن واليأس، فتطلق تلك الطاقة الدفينة.

مثال لذلك: كان العالم «أرخميدس» معروفاً في الأوساط الفكرية في بلاد اليونان قديماً، وكان ملكُ البلاد آنذاك يلبس تاجاً من ذهب. وفي لحظة حدسٍ، راوده شكٌّ بأنَّ في داخل التاج بعضُ العناصر الرخيصة، لذلك استدعى أرخميدس وطلب منه أن يتحقق من شكوكه  شرط أن لا يفتح التاج ولا يثقبه. بقي أرخميدس حائراً ولم يهتدِ إلى طريقةٍ يطمئن إليها. وفي يوم من الايام، ذهب ليستحمّ في الحمام العمومي: وهو حوضٌ واسعٌ يُملأ بماءٍ ساخنٍ ثم ينزل إليه المستحمون على درجاتٍ. وعندما نزل على تلك الدرجات، حتى غمره الماء، أحسّ أن جسمه أصبح خفيفاً بقدر ما غمره الماء، عندها خرج عارياً من الحمام، وهو يصرخ بأعلى صوته «وجدتُها وجدتُها».

ثم وضع قانوناً للغطس في السوائل، وهو يدرَّس حتى الآن في علوم الطبيعة ويستخدمه البحّارة ورجال الصناعة.

بهذا القانون، اكتشف أرخميدس أنَّ في داخل تاج الملك معدنٌ آخر غير الذهب دون أن يفتحه. وحينما فُتح التاج، تبيَن أنَّ في داخله معدن الرصاص، فعُوقب الصائغُ بإعدامه حرقاً بالرصاص المغلي. في تلك التجربة حصل إلهامٌ عند أرخميدس وحدسٌ صادقٌ عند الملك.

دورة الهدف  

بعد كل هدفٍ يتحقق تليه فترةُ راحةٍ نفسيةٍ وتنطلقُ معها رؤيةٌ جديدةٌ، وإطلالةٌ على هدفٍ تالٍ. بعد كل هدفٍ يتحقق تحصل تجربةٌ تغني الفكر وتطلق نكهة أريحية، في مسار الحياة. في هذا الفاصل بين كل هدفٍ وآخر، هناك وقفةٌ للتأمل بخلق الله، ومساحةٌ لمحاسبة النفس، وتذكيرٌ بزائرٍ سيزورنا في آخر العمر، كما يقول المثل: «بين كل نفسٍ وآخر هناك موتٌ»، والآية الكريمة تؤكد هذه الحقيقة:

          ” ولن يؤخر الله نفسا جاء اجلها والله خبير بما تفعلون ” [المنافقون: 11]

(❋) عضو معاهد الهندسة البريطانية، مدرّب تقني، كاتب ومترجم.

 

إغلاق