وهدوا إلى صراط الحميد

«هاريلال غاندي»

أغراه في الإسلام التسامح والمساواة

 

هاريلال غاندي ولد سنة 1888م في  مدينة راجكوت الهندية، هو الابن الأكبر للزعيم الهندي مهاتما غاندي، تعلَّم الهندوسية في بيت والده منذ نعومة أظفاره، كما تعلّم تفاصيل دقيقة عن طائفته البراهمية، وهي طائفة تعدُّ من أرقى الطوائف في الهند. وتعمَّق في دراسة ديانته الهندوسية وتعلّم كلّ ما له صلة بآلهتها المتعدِّدة وشرائعها الكثيرة.. بل قرأ الكتب القديمة للديانة الهندوسية مثل «الفيدا» و«البرهمانا» وغيرها من كتب هذه الديانة، كما تعرّف إلى تفاصيل صراع هذه الديانة مع غيرها من الديانات كالبوذية.

في بداية مشوار حياته، لم يكن هاريلال يلتفت كثيرًا للتناقضات الصارخة التى تزخر بها الهندوسية، كتعدُّد الآلهة والظلم الاجتماعي الفادح، وبالتالي لم يفكّر لحظة في أنّها ديانة لا تتَّسق مع الفطرة الإنسانية السويَّة باعتباره ابن زعيمها الكبير الذي ذاع صيته في كلّ أرجاء العالم.

بعد دراسة هاريلال القانون أصبح محاميًّا مثل والده، ولقد شكَّل عمله بالمحاماة نقطة فارقة في حياته، إذ مكّنه من الإلمام بالتمايز الطبقي في الهند، وما يصحبه من ظروف اجتماعية سيئة وقاسية يحياها الناس في بلاده.

وفي نفس الوقت، لاحظ أن المسلمين لا يفرقون بين غنيّ وفقير، فاشتدَّت رغبته في دراسة الدين الإسلامي. وأثّر الجانب الإنساني في نفسه كثيراً حيث رأى المسلمين في بلاده لا يفرِّقون بين ثريّ ومعدم، أو بين عالِم وأميّ .. لكلِّ هذا اشتدَّت رغبة هاريلال في دراسة الدين الإسلامي بتعمُّق ورويّة، وما دفعه إلى ذلك أيضاً ملاحظة مهمة، مفادها أن بعض كتب الهندوس تتكلَّم عن نبيٍّ له نفس صفات النبي محمد (ص).

بعد فترة من الاطلاع المستمر، أصبح هاريلال يعرف الكثير عن الدين الإسلامي، واستقرَّ في يقينه بأنّه يخطو خطوته الأولى في طريقه نحو الحقيقة التي ظلَّ يبحث عنها لسنين طويلة. وعقب قراءته لقوله تعالى: “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” [آل عمران: 85] اقتنع بأنَّ الإسلام هو الدين الحق وأنَّ ما دونه الباطل.

ساعده على ذلك لقاؤه بالشيخين الجليلين «زكريا منيار» و«نذير أحمد خجندي» اللذين أخبراه بأنَّ الحقيقة التى تبحث عنها روحه الحائرة موجودة في الإسلام، واقتنع هاريلال تمام الاقتناع بالإسلام بعد أن شرح الله تعالى صدره له.

في الجمعة التالية لاقتناعه بالإسلام ارتدى «هاريلال» ملابس المسلمين البيضاء، وتوجَّه إلى الجامع الكبير في مدينة «بومباي» الهندية، وأمام أكثر من عشرين ألف مسلم حضروا لصلاة الجمعة فاجأ هاريلال الجميع بإشهاره لإسلامه، وغيّر اسمه إلى «عبدالله هاريلال غاندي».

ولقد كان اعتناقه للدين الإسلامي سنة 1930 كالصاعقة في الهند حيث صعد على المنبر وألقى كلمة عن الإسلام من ضمن ما جاء فيها قوله: «جميعكم تعلمون بأنّي هاريلال ابن الزعيم «غاندي»، وأنا أعلن على رؤوس الأشهاد، وفي وسط هذا الجمع العظيم من المسلمين، بأنّي قد عشقت الإسلام، وأحببت القرآن، وآمنت بالله وحده، وبالرسول الأعظم سيدنا محمد (ص)، وأشهد أنَّه خاتم النبيين، وأنهَّ لا نبيّ بعده، وأنّ ما جاء به القرآن حق، والبعث والنشور حق، والملائكة والقضاء والقدر حق، والكتب المُنزلة كلها حق، وأنبياء الله ورسله حق، فللإسلام وللقرآن سأحيا وأموت وسأدافع وأناضل، وسأكون إحدى دعاماته الكبرى، وسأكون مبشِّراً به، وداعياً له بين قومي وعشيرتي، ألا إنَّ هذا الدين هو دين العلم والثقافة، والعدل والأمانة، والرحمة والمساواة».

استقبل أكثر من عشرين ألف مسلم حضروا صلاة الجمعة في مسجد بومباي الكبير إعلان هاريلال إسلامه بالتكبير والهتاف: «الله أكبر.. الله أكبر».. وأقبلوا عليه يصافحونه ثم حملوه على الأعناق يزفونه إلى سيارته وقد ملأ التهليل والتكبير سماء مدينة بومباي .

لم يمر وقت طويل حتى تناقلت الصحف ووكالات الأنباء الخبر وكان وقع الخبر على الهندوس بمنزلة الصاعقة..

غضب زعماء الهندوسية أيمّا غضب، وأغلقت معظم المحال التجارية الهندوسية المتصلة بأحياء المسلمين استياءً وحزناً بسبب إسلام ابن زعيمهم، أمّا تأثير إسلام ابن الزعيم على والده فقد كان مهولاً لدرجة جعلته يمتنع عن تناول الطعام والشراب لمدة يومين كاملين و توتّرت العلاقة كثيراً بينهما.

توفي «هاريلال» بمرض السِّل عن عمر 59 سنة في 18 حزيران/ يونيو1948 بعد وفاة أبيه بأشهر قليلة.

إسهامات هاريلال غاندي

قام هاريلال غاندي بالدفاع عن الدين الإسلامي بعد إسلامه؛ فبعد أن أشهر إسلامه قامت كثير من حملات التشهير عليه كما هاجمته الجمعيات والصحف الوثنية.

وقد دافع هاريلال غاندي عن الإسلام وقال: «لست بنادمٍ ولا متأسِّف لاعتناقي الدين الإسلامي كما يقولون ويُشيعون، والله يعلم ويشهد أني ما فعلت أكثر من تلبيتي نداء الحقِّ، ونداء ضميري، ورضوخي واستسلامي إلى الضالَّة المنشودة، والحلقة المفقودة التي كانت ضائعة مني، قد وجدتها أمامي أخيرًا متمثِّلة في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي سيرة رسوله الأعظم صلوات الله عليه».

ودافع هاريلال غاندي عن الإسلام، وطالب كلَّ مَنْ يهاجمه أن يحاول أن يفهم الدين الإسلامي ويعرف حقيقته قبل أن يُهاجمه، فيخاطب الهندوس قائلاً:

«خيرٌ لهؤلاء القوم إذا رغبوا في التخلُّص من حياتهم المريرة هذه، أن يُلقوا نظرة بسيطة خالية من التعصب، ويدرسوا حقيقة الإخاء الإسلامي -وإن لم يعتنقوا الإسلام- ثم لينصفوا بعد ذلك من تلقاء أنفسهم، وليعلنوا النتيجة لنا ولأمة المهاتما غاندي، ثم إلى العالم الشرقي والغربي».

إغلاق