عقيدة

الأئمّة (ع) آباء الأمّة

229-230

بقلم: السيد حسين نجيب محمد

 

عن رسول الله (ص) أنَه قال لعليّ (ع): يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمّة (1) “.

أقسام الأبوّة:

تنقسم الأبوّة إلى قسمين:

الأوّل: الأبوّة المادية:

وهي تربية الوالدين لولدهما تربية جسمانية، والأبوّة غير الوالدية، فالوالدية تولّد الولد من الوالد مادياً، أمّا الأبوّة فهي تربية الولد وتنميته.

الثاني: الأبوّة المعنوية:

وهي تربية الأب لولده تربية روحانية، وهي أعظم من الأبوّة المادية، فإذا كانت الأبوّة المادية سبباً لوجود الإنسان جسدياً، فإنّ الأبوّة المعنوية سبب لوجوده المعنوي ووصوله إلى السعادة الكاملة والخالدة في الدّنيا والآخرة.
إنَّ مزيَّة وشرف وأهمية الأب الرّوحي على الأب الجسمي كمزيَّة وشرف الرّوح بالنسبة للبدن وكمزيَّة الآخرة على الدُّنيا.

يُحكى أنَّ الإسكندر كان يعظِّم أستاذه أكثر من تعظيمه والده، فقيل له في ذلك فقال: إنَّ الأستاذ أعظم منه لأنّه تحمَّل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي حتى أوقعني في نور العلم، وأمّا الوالد فإنّه طلب لذَّة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى عالم الكون والفساد.

آباء الأمَّة

الأنبياء والأولياء (ع) هم أبرز الأشخاص الذين يقومون بدور الأبوة المعنوية، إذ أنّهم يربّون النّاس على الاستقامة والأخلاق والعمل الصالح.

يقول الشيخ محمد جواد مغنيّة في تفسير قوله تعال:” قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ “(هود: ٧٨) والمراد ببناته بنات أمّته لأنّ النبي في أمّته كالوالد في أسرته(2).

والنبي محمّد (ص) هو أبٌّ للأمّة الإسلامية، فقد ذكر المفسِّرون في قوله تعالى” مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا”(الأحزاب:٤٠) إنَّ هذا الاستدراك هو إثبات حقيقة الأبوة من هذه الجهة(3).

وأهل البيت (ع) هم آباء الأمّة بعد رسول الله (ص).

فعن رسول الله (ص) أنَه قال لعليّ (ع): »يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمّة (4) «.

عن أبي بصير عن الإمام الصّادق (ع) »:قال رسول الله (ص): أنا أحد الوالدين وعلي الآخر، فقلت: أين موضع ذلك من كتاب الله؟! قال (ع): ” وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”(النساء: ۳٦) (5) “.

وفسّر بعض العلماء أبوّة النبي والأئمة (ع) بالنحو التالي:

إعلَم أنّ الأرواح كلهّا مخلوقة من روح واحدة هي روح النبي (ص) فروحه أصل الأرواح، فكما كان آدم أبا البشر وخليفة الله في الأرض، كان النبي (ص) أبا الأرواح وخليفة الله في عالم الأرواح، فالرّوح خليفة الله ومجتمع صفاته الذاتية، كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء، والجسد خليفة الرّوح، وهو مجتمع صفاته الفعلية، وذلك أنّ الله تعالى لمّا خلق روح النبي(ص)، كان الله ولم يكن معه شيء آخر حتى يُنسب أو يُضاف إليه الرّوح غير الله، بل كان روحه أول شيء تعلقت به القدرة الأزليّة؛ ولذلك شرَّفه بتشريف الإضافة إلى نفسه فسمّاه «روحي»، كما سمّى أوّل بيت وضع للناس وشرّفه بالإضافة إلى نفسه فقال»: بيتي، ثم حين أراد أن يخلق آدم سوّاه ونفخ فيه من روحه«، أي:  من الروح المُضاف إلى نفسه، وهو روح النبيّ(ص)، كما قال:” فإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (ص: ٧٢) “، ولم يقل نفختُ فيه روحي بدون «من» ليكون فيه دلالة على أنَّ الرّوح المنفوخ في آدم هو بعينه روح النبيّ(ص)، بل كان روح آدم متولّداً منه، فالنّبي (ص) الأب الرّوحاني لأب البشر وسائر الأنبياء وأبو البشر الأب الجسماني للنبي (ص) وسائر البشر، كما قيل:

وإنّي وإن كنت ابن آدم صورةً            فلي فيه معنى شاهدٌ بأبوَّتي

وكذلك أرواح أولاد آدم مخلوقة من روح النبي(ص)، لقوله تعالى: ” ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ “(السجدة: ٨-٩)، وكذلك قال في حقّ عيس (ع):” فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا” (التحريم:١٢) فكانت النفخة لجبرائيل والرّوح من روح النبي (ص) المضاف إلى الحضرة الإلهيّة، ولأجل كون حقيقة الروح على هذه المنزلة والشرف، قصرت أفهام النّاس وتلاشت العقول عن  دركها، كما تتلاشى أنوار الأبصار في شعاع الشمّس؛ ولهذا قال تعالى: “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”(الإسراء:٨٥) فافهم هذا المقال فإنَّه مدرك عزيز المنال(6).

استنتاجات:

يُستفاد من الروايات التي تفسّر الأبوّة بالنبي وآله أمور:

الأوّل: أنّ النّبي وآله أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أنّ الأب المادي أولى بتربية ابنه من غيره، كذلك فإنّهم(ع) أولى بالأمّة من غيرهم، وكما أنَّ الأب المادي يقود أبناءه نحو العلم والعمل كذلك فإنّهم (ع) يقودون البشرية نحو الكمال والسعادة.

وكما أنّ الأب المادي يربّي أولاده بدافع الحبّ والشفقة فإنّهم (ع) يربّون الأمّة بدافع الحرص والمحبة، إلى غير ذلك من وجوه المشابهة.

الثاني: أنّ النبي وآله العلَّة الغائية لخلق الإنسان، وأمّا الآباء الماديون فهم العلَّة المادية.

الثالث: أنَّ للنبيّ وآله حقوقاً على النّاس، فكما أنَّ للأبوين الماديين حقوقاً كثيرةً كالتعظيم والإكرام والطاعة والإحسان والذِّكر والثناء والتذلُّل، كذلك فإنَّ للآباء الرّوحانيين حقوقاً عديدةً.

فعن رسول الله (ص): “حق علي بن أبي طالب على هذه الأمّة كحق الوالد على ولده (7) “.

منها إرضاؤهم وعدم إسخاطهم بشيء. فعن السيّدة الزّهراء (ع) أنّها قالت لبعض النّساء:”أرضي أبوي دينك محمّداً وعلياً بسخط أبوي نسبك، ولا ترضي أبوي نسبك بسخط أبوي دينك، فإنَّ أبوي نسبك إن سخطا أرضاهما محمّد وعلي بثواب جزء من ألف ألف جزء من ساعة من طاعاتهما، وإن أبوي دينك محمّدا وعليّا إن سخطا لم يقدر أبوا نسبك أن يرضياهما لأنّ ثواب طاعات أهل الدّنيا كلّهم لا تفي بسخطهما (8) “.

منها: الإحسان إليهم. فعن الإمام السجّاد (ع) أنّه قال: “إن كان الأبوان إنما عظم حقّهما على أولادهما لإحسانهما إليهم، فإحسان محمّد وعليّ إلى هذه الأمّة أجلّ وأعظم، فهما بأن يكونا أبويهما أحق (9). ”

الرابع: إنّ عقوق النبي وآله من الكبائر المحرَّمة.

وعن رسول الله (ص): “يا علي ألا وإنّي وأنت أبوا هذه الأمَّة، فمن عقنا فعليه لعنة الله “.(10)

الخامس: كما أنّ للإحسان إلى الأبوين الماديين أجراً عظيماً فإنَّ للإحسان إلى الآباء الرّوحيين أجراً كذلك، حتّى ورد أنّ النظر إليهما عبادة، فعن رسول الله (ص) أنّه قال: ” النظر إلى عليّ عبادة، والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة، والنظر في الصحيفة ـ يعني صحيفة القرآن ـ عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة  (11). ”

ولا يخفى التشابه والتناسق في هذا الحديث فإنَّ إقران الإمام علي بالوالدين لمناسبة الولاية، وإقران بالقرآن لمناسبة القيادة والمرجعية العلمية والدّينيّة، وإقرانه بالكعبة للإشارة إلى وحدة ومركزية النّاس للاتجاه نحو الله تعالى.

حديث جامع:

في تفسير الإمام الحسن العسكري (ع)  قال الله (عزّ وجلّ): “وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا” (البقرة:٨٣).

قال رسول الله(ص): “أفضل والديكم وأحقّهما لشكركـم محمـّد وعلـي (ع)(12) “.

وقال علي بن أبي طالب سمعت رسول الله (ص) يقول:” أنا وعلي أبوا هذه الأمّة، ولحقّنا عليهم أعظم من حقِّ أبوي ولادتهم، فإنَّا ننقذهم إن أطاعونا من النّار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار (13) “.

وقالت فاطمة (ع): “أبوا هذه الأمّة محمّد وعلي (ع) يُقيمان أودهم(14) وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما النعيم، ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما(15) “.

وقال الحسن بن علي (ع): “محمّد وعلي أبوا هذه الأمّة، فطوبى لمن كان بحقهما عارفاً، ولهما في كلّ أحواله مطيعاً، يجعله الله أفضل سكان جنانه ويسعده بكراماته ورضوانه ” (16).

وقال الحسين بن علي (ع) : ” من عرف حقّ أبويه الأفضلين: محمّد وعليّ (ع)  وأطاعهما حقّ طاعته قيل له: تبحبح (17) في أيّ الجنان شِئت (18). ”

وقال علي بن الحسين (ع):” إن كان الأبوان إنَّما عظم حقّهما على أولادهما لإحسانهما إليهم، فإحسان محمّد وعليّ (ع) إلى هذه الأَمَة أجلّ وأعظم، فهما بأن يكونا أبويهم أحقّ (19). ”

وقال محمّد بن علي (ع): “من أراد أن يعلم كيف قدره الله، فلينظر كيف قدر أبويه الأفضلين عنده: محمّد وعليّ (ع)(20). ”

وقال جعفر بن محمّد (ع):”من رعى حقّ أبويه الأفضلين محمّد (ص) وعلي (ع) لم يضرّه ما أضاع من حقّ أبوي نفسه وسائر عباد الله، فإنّهما يرضيانهم بسعيهما (21). ”

وقال موسى بن جعفر (ع):»يعظم ثواب الصلاة على قدر تعظيم المُصلّي على أبويه الأفضلين محمَّد(ص) وعليّ (ع) “ (22).

وقال عليّ بن موسى الرّضا (ع): »أما يكره أحدكم أن ينفى عن أبيه وأمّه اللذَين ولداه؟ قالوا: بلى والله. قال: فليجتهد أن لا ينفى عن أبيه وأمّه اللذَين هما أبواه الأفضل من أبوي نفسه (23). ”

وقال محمّد بن عليّ بن موسى (ع) حين قال رجل بحضرته: »إنّي لأحبُّ محمّداً(ص) وعليّاً (ع) حتّى لو قطِّعت إرباً، أو قُرضت لم أزل عنه. قال: محمد بن عليّ (ع):” لا جرم أنّ محمَّداً (ص) وعليّاً (ع) معطياك من أنفسهما ما تعطيهما أنت من نفسك، إنَّك ليستدعيان لك في يوم فصل القضاء ما لا يفي ما بذلته لهما بجزء من مائة ألف جزء من ذلك (24). ”

وقال علي بن محمّد (ع) : “من لم يكن والدا دينه محمّد (ص) وعليّ (ع) أكرم عليه من والدي نسبه، فليس من الله في حلٍّ ولا حرامٍ، ولا قليل ولا كثير (25) “.

وقال الحسن بن عليّ (ع): “من آثرَ طاعة أبوي دينه محمّد (ص) وعليّ (ع) على طاعة أبوي نسبه، قال الله (عزّ وجلّ) له: لأوثرنَّك كما آثرتني ولأشرْفَنَّك بحضرة أبوي دينك، كما شرّفت نفسك بإيثار حبِّهما على حُبّ أبوي نسبك” (26).


المصادر:

  • (1) الصدوق؛ الأمالي ص755.
  • (2) التفسير الكاشف: ج٤، ص ٢٥٣.
  • (3) رياض السالكين: ج4، ص45.
  • (4) الصدوق؛ الأمالي ص755.
  • (5) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج36، ص13.
  • (6) رياض السالكين: ج٤، ص٤٦.
  • (7) أمالي الطوسي: ج٢، ص٢٧٧.
  • (8) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج3، ص262/261
  • (9) المصدر نفسه؛ ص260.
  • (10) البياضي؛ ابن يونس؛ الصراط المستقيم، ج1، ص243.
  • (11) الشيخ الطوسي؛ الأمالي؛ ص455.
  • (12) تفسير الإمام العسكري (ع) ؛ ص330.
  • (13) ابن شهراشوب، مناقب آل أبي طالب؛ ج2، ص300.
  • (14) إود: اعوجاج.
  • (15) المجلسي؛ بحار الأنوار؛ ج23، ص259.
  • (16) المصدر نفسه؛ ص260/259.
  • (17) تبحج الدار: تمكّن في المُقام والحلول بها.
  • (18) المصدر نفسه؛ ص260.
  • (19) المصدر نفسه.
  • (20) المصدر نفسه.
  • (21) المصدر نفسه.
  • (22) المصدر نفسه.
  • (23) المصدر نفسه.
  • (24) المصدر نفسه.
  • (25) المصدر نفسه؛ ص261.
  • (26) تفسير الإمام الحسن العسكري (ع): ص ٣٣٣.
إغلاق