قضية ورأي

الأهداف السرية لمدارس التعليم الإجباري (الجزء الثاني)

229-230

بقلم: نبيل حامد

الهدف الحقيقي من المدرسة الحديثة:

ثمّة وثيقة مهمة جداً حول الهدف الحقيقي للمدرسة يرشدنا إليها جايمس براينت كونانت، رئيس جامعة هارفارد لمدة عشرين عام، ومختصّ في الغازات السامّة في الحرب العالمية الثانية، والمدير التنفيذي لمشروع القنبلـة النوويـة في الحرب العالمية الثانية، وواقعاً أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في القرن العشرين. فمن دون كونانت، ربما لم يكن لدينا نفس النمط في الامتحانات الرسمية الموحدة كما نعرفها اليوم. بعد الحـرب أخـد كونانـت بنشـر مجموعـة مـن الكتب حول المدرسة والمجتمع. بين هذه الكتب نجد له كتاباً نشر سنـة 1959 تحـت عنوان “الطفـل، والأهل، والدولة (The Child, the Parent, and the State)”. يذكر لنا الأستاذ كونانت أنّ المدارس الحديثة التي نذهب إليها اليوم هي نتيجة “ثورة” هُندست ما بين 1905 و1930. لا يبيّن كونانت للقارئ ما يقصده بالثورة، ولكنّه يرشد الباحث إلى كتاب آخر حيث يمكن للباحث أن يرى “الثورة من أعين ثوري، على حدِّ تعبيره.

الكتاب الذي يشير إليه كونانت هو “مبادئ التعليم الثانوي (Principles of Secondary Education)” لألكسندر أنجلس. ونحن هنا أمام رموز مهمة جداً في مجال التعليم حيث أنّه من يذهب إلى “محاضرة الشرف في التربية والتعليم “ في هارفرد، فهي منذ عام 1926 اسمها “ محاضرة انجلس”. في هذا الكتاب يبيّن الكسندر انجلس بشكل واضح تماماً أنّ التعليم الإلزامي كما نعرفه اليوم، كان الهدف منه هو ما كان عليه في بروسيا في القرن التاسع عشر.

جايمس براينت كوكانت

يقسّم الكسندر انجلس الغرض الفعلي للمدرسة إلى ست وظائف أساسية، كلّ واحدة منها تكفي لتجعيد شعر هؤلاء الأبرياء الذين يظنّون أنّ المدرسة هي مكان لتحصيل العلم(1):

  • الوظيفة الأولى: وظيفة التكيّف (the adjustive or adaptive function)

على المدارس أن تزرع عادات ثابتة في كيفية التفاعل مع السلطة. هذا، بالطبع، يحول دون الحسّ النقدي تماماً. وهذا الأمر يدمّر الفكرة القائلة بأنّه يجب تدريس مادة مفيدة أو مثيرة للاهتمام، لأنّك لا تستطيع اختبار الطاعة المطلقة حتى تعرف ما إذا كان بإمكانك أن تجعل الأطفال يتعلّمون ويفعلون أموراً سخيفة ومملّة.

  • الوظيفة الثانية: وظيفة الدمج (the integrating function)

قد يُطلق على هذه الوظيفة “وظيفة الامتثال “وظيفة المطابقة”، لأنّ نيّتها هي جعل الأطفال متشابهين قدر الإمكان. فالذين يمتثلون للأوامر من السهل أن تتوقّع تصرّفاتهم، وفي ذلك فائدة كبيرة لأولئك الذين يرغبون في تسخير قوى عاملة كبيرة والتلاعب بها.

  • الوظيفة الثالثة: وظيفة التشخيص والتوجيه(the diagnostic and directive function)

المدرسة هي التي يجب أن تحدّد الدور الاجتماعي المناسب لكلّ طالب. يتمّ ذلك عبر تسجيل الشهادات بشكل رياضي على سجلّات تراكمية يمكن مراجعتها.

  • الوظيفة الرابعة: وظيفة التفريق(the differentiating function)

بمجرد أن يتمّ “ تشخيص” دورهم الاجتماعي، يتم فرز الأطفال حسب هذه الأدوار، ويتمّ تدريبهم فقط بما يناسب مصير هذا الدور في الآلة الاجتماعية ـ وليس إلى خطوة واحدة أبعد من ذلك.

  • الوظيفة الخامسة: الوظيفة الانتقائيّة (the selective function)

هذا لا يشير إلى اختيار الإنسان في أن ينتقي ما يريد، بل لنظرية داروين في الانتقاء النوعي بحسب ما وصفه بـ ”السلالات المفضّلة”. باختصار، فإنّ الفكرة هي للمساعدة في تحسين وانتخاب العنصر الجيّد الذي يجب أن يتكاثر، تماماً كما يفعل بالمواشي. فتهدف المدارس إلى وضع علامة على غير الملائم ـ عبر العلامات السيئة، والتدابير تجاه المتعثرين، وعقوبات أخرىـ وهذه العلامات تكون واضحة بما فيه الكفاية ليعتبرهم أقرانهم أقل شأناً، ويمنعهم ذلك فعليّاً من الصعود في الهرم الاجتماعي.

  • الوظيفة السادسة: الوظيفة التحضيريّة (the propaedeutic function)

سيتطلب النظام الاجتماعي المتضمن لهذه القواعد مجموعة من النخب القائمين. ولهذه الغاية، سيتمّ تعليم جزء صغير من الأولاد كيفية إدارة هذا المشروع المستمر، وكيفية المراقبة والتحكم في شعب مستغبى، من أجل أن تمضي الحكومة في مشاريعها دون أيّ تحدّي.

أندرو كارنجي

 

سيطرة عمالقة الصناعة على نظام التعليم

المسؤولون في نظام التعليم كانوا يعلمون جيّداً أنّ مشروعاً بهذا الحجم لا يمكن أن يصدموا به الناس دفعة واحدة، بل يجب أن يتمّ تعليمهم أن يرحّبوا به شيئاً فشيئاً. ومن هنا دخل عِلم النفس السلوكي الى مجال التربية والتعليم لإبقاء الشعب في حالة من الطفولية، لا يفكّرون ولا ينتقدون، وغير قادرين على مناقشة المسائل المصيرية في حياتهم. فالذين أسّسوا لهذا المشروع في العالم كانوا يعلمون جيداً أنّ النظام البروسي يمكن أن يخدم بشكل كبير ليس فقط لصنع قوة عاملة خاضعة ونخبة قليلة متحكّمة، بل أيضاً لصنع قطيع من الإستهلاكيين ممن ليس لديهم قدرة على التعقّل. فاستغلّ الفرصة بعض عمالقة عالم الصناعة والتجارة، وانتبهوا إلى الأرباح الهائلة التي ممكن أن تجنى من خلال تربية هكذا قطيع عبر نظام التعليم الإجباري. من هؤلاء العمالقة أندرو كارنجي  صاحب شركة Carnegie Steel  الذي غالباً ما يشار إليه كأحد أثرياء العالم، وجون روكفلر صاحـب شركة Standard Oil الذي يُشار إليـه أنّـه “أثرى رجل فــي التاريخ الحديــث”. فنحن هنا نتكلم عن شركات تحكم العالم(2).

المبالغ التي استثمرها كارنجي وروكفلر في النظام التعليمي كانت ضخمة جداً. لقد استثمر روكفلر وحده بأكثر من 129 مليون دولار سنة 1902 في القطاع التعليمي، وتمّ إنشاء “مجلس التعليم العام” (1902) من قبل مؤسسة روكفلر. فكان روكفلر وكارنجي ينفقون في قطاع التعليم أكثر ما كانت تنفق حكومات.

يصف لنا محافظ نيويورك جون هيلان عام 1922 ما كان يحدث قائلاً أنّه “قد تمّ الاستيلاء على مدارس المدينة من قِبَل مخالب حكومة خفيّة، كما يستولي الأخطبوط على الفريسة”(3). الأخطبوط الذي عناه هيلان كان مؤسسة روكفلر.

كانت النيّات غامضة وغير واضحة في حينها. ولكن قد تجد وضوحاً هائلاً وأنت تقرأ مهمّة “مجلس التعليم العام”  General Education Board في بيانها عام 1906 تحت عنوان “الرسالة الأولى”:“حلمنا هو أن يصير لدينا موارد لا حدَّ لها، وأن يسلّم الشعب نفسه بانقياد تام لأيدينا التي تصب قوالبهم. عند ذلك، تتلاشى مفاهيمهم عن العلم، ومن غير أن نعبأ بالتراث، نطبّق ما في نوايانا الحسنة على قوم ريفييّن ممتنّين لنا ومستجيبين. لن نحاول أن نجعل من هؤلاء الناس أو من أولادهم فلاسفة أو مثقّفين أو علماء. ولا يتوجّب علينا أن نجعل منهم كتّاباً ومحقّقين وشعراء أو أدباء. لن نبحث عن أشخاص ممكن أن يصبحوا فنّانين أو رسّامين أو موسيقيّين أو محامين أو أطبّاء أو مبلّغين أو سياسيّين أو رجال دولة. فلدينا من هؤلاء مخزون وفير.

إنّ المهمّة التي نضعها أمام أنفسنا هي بسيطة للغاية، وجميلة جداً: أن ندرّب هؤلاء الناس أينما وجدناهم على الحياة المثالية. ولهذا، فإنّنا سننظّم الأولاد، وسنعلمهم كيف يقوموا بطريقة مثالية الأمور التي يفعلها آبائهم بطريقة غير مثالية، في المنازل، وفي المتاجر، وفي المزرعة”(4).

يجب أن نقرأ مهمة مجلس التعليم العالي أكثر من مرّة، حتى تنكسر الأوهام المزروعة في عقولنا عن المدرسة.

ايلوود كابرلي

التمديد الإصطناعي للطفولة

لا يحتاج المرء إلى دراسة معمّقة في أساليب التسويق لكي يعلم أنّه هناك نوعان من الأشخاص الذين يمكن أن تقنعهم باستهلاك أكثر مما يحتاجون: المدمنون، والأطفال. لقد قامت المدرسة بعمل ناجح لتحويل الشباب إلى مدمنين، ولكنها أنجزت عملاً بارعاً أيضاً في تحويل الشباب إلى أطفال. لم يكن ذلك صدفة. أصحاب النظريات في علوم التربية والتعليم منذ أفلاطون وجان جاك روسو إلى الدكتور الكسندر انجلس كانوا يعلمون أنّهم إذا استطاعوا أن يعزلوا أولاداً بعضهم مع بعض، وتجريدهم من المسؤولية والاستقلالية، وتشجعيهم على مشاعر الرذيلة كالجشع والحسد والغيرة والخوف، فإنّ هؤلاء الأولاد سيكبرون جسدياً ويتقدمون في السّن، ولكنهم لن يصيروا ناضجين، وسيبقون أطفالاً.

في عام 1934، في كتابه “التعليم الرسمــي فــي الولايات المتّحدة” (Public Education in the United States)، صرّح إيلوود كابرلي، عميد كليّة التربية والتعليم في جامعة ستانفورد، أنّه يجب تمديد سنين المدارس إلى ست سنوات إضافية لكي يمددّوا الطفولة، لأنّه “هناك جهات لها مصالح قوية طالبت بذلك”. الرجل نفسه كان زميلاً حميماً لألكسندر انجلس المذكور سابقاً صاحب نظرية الوظائف الستّة للمدرسة. فكلاهما كانا مسؤولين عن نشر الكتب الدراسية في الدار النشر العالمي Houghton Mifflin والذي لا يزال إلى اليوم يحتل الصدارة العالمية في نشر الكتب المدرسيّة. إيلوود كابرلي كان متولّي كتب المرحلة الابتدائية، والكسندر انجلس كتب المرحلة الثانوية. ورد في كتاب لكابرلي تحت عنوان “إدارة المدارس الرسمية” (Public School Administration)، أنّ “مدارسنا هي مصانع يتمّ فيها تشكيل المواد الأوليّة (الأولاد)، ومن ثم تشكيلها كالمسامير؛ وإنّها وظيفة المدرسة أن تبني تلاميذها وفقاً لمواصفات محددّة”.

إنّ نظرة سريعة إلى الحالة الإجتماعية في العالم تبيّن ما كانت هذه المواصفات. الرشد صار الآن منفياً من كل زاوية من الحياة. تسهيل الطلاق أزال الحاجة إلى السعي لحمل المسؤولية في العشرة والعلاقات. التسلية السهلة أزالت الحاجة إلى أن يتعلّم الانسان كيف يسلّي نفسه. الأجوبة السهلة والسريعة أزالت الحاجة لطلب العلم والصبر على السؤال. الإدمان على آلات التكنولوجيا التي تصنعها الشركات العالمية الضخمة هي الحالة العاديّة في كل منزل. أصبحنا أمّة أطفال. نشتري التلفزيون والهواتف الذكيّة، ثم نشتري ما نراه على هذه الأقفاص الزجاجيّة التي نعيش فيها.

جون روكفلر

ولإدراج الرأي العام وراء هذا التحوّل العظيم نحو مشروع التمديد الإصطناعي للطفوليّة، تم “تصميم” حالة مرضية عند الشباب ـ حتى الآن غير معترف بها من قبل التاريخ ـ من قبل غرانفيل ستانلي هول من جامعة John Hopkins، وهو أوّل من حاز على دكتوراه في علم النفس في أميركا، سمّاها “المراهقة” (adolescence) ونشرها في مجلّدين ضخمين تحت هذا العنوان. ولقد عرّف ستانلي هول هذه الحالة على أنّها “حالة خطيرة من اللاعقلائيّة في النمو البشري تتطلب الضبط النفسي من خلال المدرسة”(5).

لكي نخرج من هذا الكابوس، علينا أولاً أن نتيقظ لمواجهة الواقع الذي تحولت اليه المدارس: هي مؤسسة خادمة للشركات التجارية والإدارات الحكومية. فإذا أردنا إحداث أي تغيير، علينا أن نرفض هذه الفكرة العقيمة، إنّه يجب على الحكومة أن تتدخل بشكل أكبر في شؤون المدرسة. الأمر الآخر الذي علينا أن نرفضه هو النظر إلى العالم الغربي على أنّه الرائد في مجال التربية والتعليم. الدول الغربية العظمى هي إمبراطوريات تتدهور خارج حدود السيطرة، وعازمة على إسقاط ضوابطها المحليّة على كل بقعة في الكوكب.

فماذا يمكن أن نفعل؟ قالها إيفان ايليتش سنة 1971: “أنّه ليس هناك قابلية للإصلاح. مؤسسة المدرسة تفعل بالضبط ما صُمّمت لأجله. فلندرك خطورة الطفولة الممددّة وما تجلبه من منافع لعمالقة التجارة في الوقت التي تذبح عقول الأولاد كالخراف، وهي أرواح خلقت من أجل هدف آخر، ولكن مشروع التعليم الإجباري يحوّلهم إلى أطفال جشعين دائمي الضجر، يعرّفون أنفسهم ماديّاً بحسب ما يستهلكونه.

إنّ إغفال الموضوع من قبل نخب العالم الإسلامي هو هزيمة من أسوأ الأنواع. فالناس لا تناقش هذه المواضيع الكبيرة ،لأنّ لدينا نظاماً تعليمياً يجعلنا منصاعين، فنقبل التعليمات من الدول والحكومات حتى لو كان فيها موتنا. أقوى ما يمكن أن نفعله هو أن نخرج أولادنا من هذا النظام. أن نخرجهم على الأقل للسنوات العشر الأولى من طفولتهم. فهناك الكثير من البدائل التي طرحها عدد كبير ممن وعى حجم المشكلة. فليس من الضروري أن تكون الأمور على ما هي عليه.

غرانفيل ستانلي هول

عندما يتحقَّق الإنسان من الشرور ويراها ماثلة أمامه، يجب أن يستمع لنداء قلبه، فإذا لم يسمع أنّه هناك خطأ كبيراً يهدّد روحه وروح أولاده ولم يحرّك ساكناً تجاه هذا الخطر، فهذا يعني أنّ القلب ميّت.


المصادر:

  • (1) في المرّة الأولى التي قرأت فيها هذه الأهداف كانت من كتاب “أسلحة التعليم الشامل” لجون تايلور جاتو، فاستعظمت الأمر وشككت بالنقل، فحاولت أن أبحث عن المصدر الأساس الذي يذكره تايلور جاتو هنا وهو كتاب “مبادئ التعليم الثانوي” (Principles of Secondary Education)، فاستطعت أن أحصل على نسخة مصوّرة من أوّل طبعة للكتاب، ووجدت الأهداف المذكورة كما هي.
  • (2)  للمزيد عن الموضوع، راجع كتاب تشارلز موريس “ملوك المال: كيف استطاع أندرو كارنجي وجون روكفلر وجاي جود وهنري فورد أن يصنعوا الإقتصاد الأمريكي الفائق” (The Tycoons: How Andrew Carnegie, John D. Rockefeller, Jay Gould, and Henry Ford invented the American Supereconomy)، 2006.
  • (3)  Weapons of Mass Instruction, p. 2.
  • (4)  Weapons of Mass Instruction, John Taylor Gatto, p.8.
  • (5)  للمزيد من الإطّلاع راجع كتاب “قضيّة ضد فكرة المراهقة” The Case Against Adolescence للمؤلف روبرت ايبستاين.

 

إغلاق